صعود الوعي الوطني في سورية مستهل القرن العشرين
2023.09.19
مقارنات من الوقائع التاريخية
د. عبد الله حنا- فينكس
سنعقد هنا مقارنة بين عامي 1860، عام الصدام الطائفي، ومشاركة اسماعيل الأطرش زعيم درروز جبل حوران فيه، وعام 1925 عام الثورة الوطنية ضد الاحتلال الاستعماري التي كان جبل الدروز، أي جبل حوران، معقلها، الأساسي وكان سلطان باشا الأطرش قائدها العام.
عام 1860 لبّى شيخ عرى اسماعيل الأطرش ذو النفوذ الواسع في جبل حوران (محافظة السويداء حالياً) دعوة سعيد جنبلاط في الشوف لنجدته في الصراع الدائر ظاهرياً بين الدروز والموارنة، وعملياً كان صراعاً بين المشايخ الإقطاعيين وأغلبهم دروز والفلاحين وأغلبهم موارنة، وتحوّل الصراع الطبقي نتيجة عوامل داخلية وخارجية إلى صراع طائفي بين الدروز والموارنة.
ولا بدّ لفهم حملة اسماعيل الأطرش في حزيران 1860 من جبل حوران لنجدة سعيد جنبلاط في الشوف، وإقليم البلان، من معرفة طبيعة النظام المشيخي الإقطاعي في جبل حوران وتداخل العصبية المذهبية مع ضرورات الحياة وظروف المكان وعاداته البدوية.
ويلفت النظر في حملة إسماعيل الأطرش في حزيران 1860 الأمور التالية:
- كثرة عدد البدو المرافقين للحملة الدرزية، مما يشير إلى أحد أهداف الحملة في السلب والنهب وتغليب طابع الغزو عليها.
- لم يتعرض اسماعيل الأطرش للمسيحيين في الجبل، واكتفى بفرض مستلزمات الحملة على المسيحيين كما الدروز.
- بعد مغادرة اسماعيل الأطرش جبل حوران، وعلى الطريق إلى وادي التيم، بدأت تظهر ملامح الغزو ضد مسيحيي قرى السفوح الشرقية لجبل الشيخ بنهبهم وقتل الرجال ممن يقع تحت أيدي رجال الحملة.
هذا مع العلم أن هؤلاء المسيحيين لم يحملوا السلاح ولم يشاركوا في قتال ولم يبق أمامهم إلا الهرب والالتجاء إلى دمشق.
- وإذا كان هناك ما يبرر لقائد الحملة انطلاقاً من تربيته ومفاهيمه ما عمل في راشيا وزحلة ودير القمر من إراقة للدماء، فليس لتصرفه في الاعتداء على مسيحيي القرى الشرقية من جبل الشيخ أي مبرر.
- بعد عودة اسماعيل إلى الجبل لم يمسّ المسيحيين الواقعين تحت إدارة مشيخته بأذى.
- والذاكرة المسيحية في جبل حوران تحتفظ بذكرى عطرة في تعامل الدروز مع المسيحيين.
وشتان ما بين الحملة الطائفية الدموية التي قادها عام 1860 اسماعيل الأطرش من جبل حوران إلى إقليم البلان وجبل لبنان، وبين الحملة الوطنية اليعربية ذات الأبعاد الإنسانية التي قادها عام 1925 زيد الأطرش (شقيق سلطان باشا) إلى إقليم البلان داعياً في بيانين مكتوبين إلى الوحدة الوطنية والثورة على الاستعمار.
فالثورة السورية لعام 1925 اتسمت بنمو الوعي الوطني، واظهرت أن البلاد دخلت مرحلة جديدة صقلتها معارك النضال الوطني السلمي بعد 1927 والسير في طريق تشكيل الأحزاب السياسية وفق اسس وطنية.