كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التاريخ الحقيقي لأرض كنعان (اسرائيل)

لطفي السومي- فينكس:

في نهاية عصر البرونز ١٢٠٠ق. م كانت منطقة شرق المتوسط تمر بمرحلة جفاف متطاولة ودورية، بدأت في الألف الرابع ق. م، وكانت موجة آواخر البرونز هي الموجة الثالثة، والتي ترافقت مع كارثتين مروعتين وهما زلازل مدمرة أنتجت حرائق هائلة بالاضافة الى هجمة مدمرة لشعوب البحر الذين جاؤوا من شرق جنوب أوروبا واجتاحوا الأناضول وسورية إلى أن هزمهم رمسيس الثالث في فلسطين حيث سكنوا بين جنوب يافا وغزة وغلب عليهم اسم البلست.
أدت مرحلة الجفاف ومارافقها من كوارث الى تراجع هائل في الاستيطان في مناطق المرتفعات، بحيث اقتصر الاستيطان على سهل يزراعيل، والسهل الساحلي الشمالي وسهل بيسان.
أدى التحسن المناخي الذي بدأ في آواسط القرن الحادي عشر ق. م إلى عودة تدريجية للاستيطان بدأت في منطقة المرتفعات الشمالية، وتكثف هذا الاستيطان حتى تمكن الملك عمري ٨٨٤ - ٨٧٣ ق. م من تأسيس مملكة اسرائيل الكنعانية الديانة والاثنية، والتي أصبحت في زمن ابنه آحاب ٨٧٣ - ٨٥٢ ق. م قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى في المنطقة وساهمت بعدد العربات الأكبر (٢٠٠٠) في معركة قرقر ٨٥٣ ق. م مع التحالف الآرامي- الكنعاني ضد شلمانصر الأشوري.
بينما تأخر الاستيطان في المرتفعات الجنوبية، ويقول فنكلشتاين في كتاب The Quest for the Historical Israel ص٨٢ (إن التفاوت البيئي قد أنتج استيطان ديمغرافي مختلف، كان شمال السامرة مستوطنا بكثافة مع عدد أكبر من المواقع، وفي المقابل كانت يهودا مستوطنة بشكل ضئيل من قبل مجموعات مستقرة حتى الحديدي الثاني، مع وجود ضئيل للبدو في الشمال وأكثر في الجنوب. ويردف في ص٨٣ بعد الحديث عن طبيعة الاستيطان (إن ترجمة هذه الكلمات بلغة بسيطة، تجعلنا نستطيع القول: إن الاسرائيليين الآوائل، كانوا في الحقيقة كنعانيين). وأضيف بل الآوائل والآواخر هم كنعانيون، فإن مجمل أرض كنعان في الشمال والجنوب، أي اسرائيل ويهودا لم تقدم لنا سوى مكتشفات تتمثل في المعابد والفخار والتماثيل الخاصة لعشتار والتي وجد منها ٣٠٠٠ في يهودا وحدها والتي كانت تحفظ في البيوت كالأيقونات. وبالتالي فإنه إن كان هناك مملكة موحدة فإنها كانت مملكة عمري في القرن التاسع ق. م وعاصمتها سامريا وليس أورشليم كما يقول فنكلشتاين.
ولكن كيف سرق عبدة يهوه اسم مملكة اسرائيل وتسموا باسم اسرائيليين. تمت هذه السرقة المقدسة من خلال كتبة التناخ وكرستها قداسة الكتب الدينية حيث يقول فنكلشتاين في الصفحة ١٨٦ من المرجع نفسه (معالجة موضوع المملكة الشمالية “اسرائيل“ ووصف القرن الاشوري في تاريخ يهودا يبين بوضوح أن البغض الشديد لكتاب الجنوب -يهودا - للشماليين - اسرائيل - قد نجح في إخفاء العظمة السياسية والاقتصادية لاسرائيل)، ولكن كيف أمكن ذلك: تعرضت مملكة اسرائيل الكنعانية الاثنية والديانة الى اجتياح آشوري في العام ٧٢٢ ق. م، مما جعل أعداداً كبيرة من الاسرائيليين تهرب إلى يهودا ذات الأغلبية الكنعانية هرباً من القتل أو السبي، ولقد أدى هذا الهروب الكبير الى ما يلي حسب فنكلشتاين ص١٥٠ (نمت أورشليم وتوسعت في نهاية القرن الثامن ق. م (٧٢٢ق. م) من ٥ هكتارات الى ٦٠ هكتارا، ومن حوالي ١٠٠٠ نسمة الى ١٠٠٠٠ نسمة أي أكثر من عشرة أضعاف، وقفز عدد المستوطنات جنوب أورشليم من ٣٥ في الحديدي الأول الى ١٢٠في الحديدي الثاني، وفي شيفيلة (المنطقةالغربية) قفز عدد المستوطنات من حوالي ٢٠ مستوطنة إلى ٢٧٥ مستوطنة، وتبعت هذه الموجة من النزوح موجة ثانية بعد أن اجتاح سنحاريب منطقة شيفيلة عام ٧٠١ ق. م، تحولت يهودا من مملكة رعوية معزولة الى مملكة مهمة بعد أن تضخمت واندمجت في الاقتصاد الآشوري العالمي.
نخلص إلى القول إن فيض اللاجئين الكنعانيين الاسرائيليين قد شكلوا مع كنعانيي يهودا أغلبية ساحقة اثنياً ودينياً من الكنعانيين الاسرائيليين في يهودا. كان عبدة يهوه -والذين لم يحملوا اسم يهود حتى الآن- أقلية عالية الصوت كما يسميهم مورتن سميث، ولقد جرى سبي يهودا عام ٥٨٦ ق. م بمختلف مكوناتها، وقام عبدة يهوه لسوء الحظ بتطوير ديانتهم القبلية من خلال ادماج الميثولوجيا الرافدية حول قصص الخلق (التكوين) والطوفان وبرج بابل وجنة عدن وقصة سرجون الأكادي والسلة والنهر ونشيدالإنشاد وأيوب وغيرها من كل حضارات المنطقة، كما تبنوا فكرة الحياة الأخرى والتي خلت منها عبادةيهوه من قبل، كما حولوا الإله القبلي يهوه من إله قبلي خاص بهم الى رب العالمين. ولكن الجانب الأهم هو أن عبدة يهوه قد بدأوا بكتابة أجزاء من التناخ واخترعوا تاريخاً خيالياً بدأ بمرحلة الآباء والخروج من مصر واحتلال أرض كنعان وقيام مملكة داود وسليمان الخيالية مع كل ما سبقها ونسبوا عظمة اسرائيل الكنعانية إلى يهودا والأخطر إنهم أسموا أنفسهم اسرائيليين. وهنا نستشهد بنص من المصدر نفسه ص١٨٥ (نحن نقرأ تاريخاً انتقائياً، فالتناخ لا يمثل المجموعات الأخرى في يهودا أو ربما حتى الأغلبية المسيطرة والتي لها بالمطلق مفاهيم مختلفة عن تاريخ اسرائيل، ويمكننا أن نتصور كم كان تاريخ اسرائيل سيكون مختلفاً لو أنه كتب من قبل كتاب من السامرة أو بيت ايل - اسرائيل - أو من قبل خصم للتاريخ التثنوي.
كرس التناخ والكتب الدينية هذه التسمية التي هيمنت على عقول معتنقي الديانات لآلاف السنين وإلى أن جاء علم الآثار ليكشف الحقيقة في العقود الخمسة الماضية. ولقد أدى ذلك إلى حذف الاسرائيليين الحقيقيين من التاريخ لحساب مجموعة متطفلة على التاريخ الاسرائيلي الحقيقي، وزاد الطين بلة تسمية بن غوريون وعصابته دولتهم الحديثة باسم إسرائيل لتتكرس الكذبة.
إننا سنستعيد ارضنا، أرض كنعان، اسرائيل، فلسطين، أرضاً وسماء وتاريخاً سأقوم بشرح ما اختصرته هنا في الطبعةالثانية من كتابي “التوراة في مواجهة علم الاثار والدراسات التوراتية“ والذي أرجو أن أتمكن من إنهائه قريباً.