المؤتمر العربي الأول المنعقد في باريس ممثلا للجمعيات والأحزاب العربية في بلاد الشام
2022.12.06
د. عبد الله حنا- فينكس
بعد تخمر طويل داخل المجتمع العربي في الدولة العثمانية انتشرت في سنة 1913 الأفكار المنادية بالإصلاح بين الفئات البرجوازية بمختلف أنواعها في كل من بيروت ودمشق، وشمال فلسطين وأواسط سورية(62). في هذا الجو الحيوي الممتلئ نشاطا سياسيا وقوميا طرحت على بساط البحث فكرة إيجاد (جمعية اقتصادية وطنية)(63) تستطيع جمع شمل القوى المعادية للحكم التركي في سورية. وقد رددت الصحافة العربية الوطنية في أوائل كانون الثاني عام 1913 اصداء الدعوة من أجل عقد مؤتمر عربي لتوحيد الكلمة والمطالبة بالإصلاح(64).
المؤتمر العربي الأول في باريز
عقد هذا المؤتمر فعلا في باريز من 18 إلى 23 حزيران 1913 باسم (المؤتمر العربي الأول) وتمثلت فيه (لجنة الاصلاح) البيروتية و(حزب اللامركزية) و(المنتدى الأدبي) و(جمعية العربية الفتاة) ووفود من العراق والمهاجرين العرب في الولايات المتحدة والمكسيك. وجاءت القرارات مطابقة لما طالب به حزب اللامركزية ولجنة الإصلاح البيروتية. وقد دعت قرارات مؤتمر باريز(65) إلى ضرورة اجراء الإصلاح، واحترام حقوق العرب لا سيما في المسائل السياسية، وإقامة ادارة لا مركزية في كل ولاية عربية والسماح بعمل الخبراء الأجانب في بعض فروع الادارة وتوسيع سلطة المجالس العمومية.
كانت قرارات مؤتمر باريز وسياسته اللاحقة انعكاسا واضحا للتيارات المتواجدة داخل الحركة الوطنية العربية. ولهذا سرعان ما دبّ الخلاف بين تيارات المؤتمر(66) في أمرين رئيسيين، الموقف من الحكومة المركزية التركية أولا والموقف من الدول "الغربية" الاستعمارية (انكلترا، فرنسا، ألمانيا) الطامحة في السيطرة الكلية على الولايات العربية العثمانية. أما القضايا الاجتماعية فلم تكن ظاهريا أو آنيا موضع خلاف بين قادة الحركة الوطنية العربية آنذاك، هذا في الظاهر، أما في الواقع فإن الموقف من الأتراك والدول الاستعمارية امتد بجذوره إلى الأرضية الطبقية لهذا التيار أو ذلك، ولا سيما أن المشكلات الاجتماعية بين المستثمرين والمستثمرين وبخاصة بين الفلاحين والسلطة الإقطاعية العثمانية كانت تزداد تفاقما وحدة في السنوات الأولى من العقد الثاني.
لقد كان من المقدر أن تأخذ الحركة الوطنية العربية في بلاد الشام أبعادها القومية مع الخلفيات الاجتماعية لو لم تنشب الحرب العالمية الأولى في صيف 1914، عاشت الحركة الوطنية في ظل ظروف جديدة سنتكلم عنها فيما بعد.