موقف حركة التحرر الوطني العربية من الثورة التركية الاتحادية
2022.12.04
د. عبد الله حنا- فينكس
استقبلت القوى الوطنية في سورية بحرارة أنباء ثورة – 1908 – ضد السلطان عبد الحميد، فالوطنيون السوريون العرب حيوا بحماسة انتصار ثورة الأتراك الاتحاديين واعلان الدستور وأعلنوا عن استعدادهم للعمل معهم جنبا إلى جنب. وقد اعتقد الوطنيون بعد الثورة في تموز – 1908 – بأن الاتحاديين سيدافعون عن الدستور وسيقيمون الحياة البرلمانية البرجوازية الديمقراطية. كما أنهم انتظروا من النظام الجديد تحسين أحوالهم وتحقيق الحكم الذاتي للولايات العربية.
في أيلول – 1908 – أعلن نجيب عزوري صاحب كتاب "يقظة الأمة العربية" وأحد الوطنيين العرب المقيمين في باريز بأن لجنة "رابطة الوطن العربي" مستعدة للعمل في وضع الدستور المزمع اعلانه وانها – أي اللجنة – تبحث في الوسائل الدستورية من أجل اقامة الاستقلال الذاتي الإداري لسورية(18). وقد وصفت جريدة – استقلال العرب – الصادرة في باريز – الاتحاديين بـ - أصدقائنا – كما وعدت بإلقاء السلاح والعمل معا مع الاتحاديين من أجل تجديد شباب الدولة العثمانية(19).
رددت الألوف بل مئات الألوف من الشعوب العائشة في الدولة العثمانية شعارات الدستور، الحرية، المساواة، الآخاء، الثورة. بعد أن عاشت محرومة في عهد السلطان عبد الحميد، حيث كان يلقى بمن يتلفظ بأمثال هذه الشعارات في غياهب السجون ويساق إلى حتفه دون محاكمة ولا من يحزنون(20).
لاقت أيضا الأفكار المنادية بالمساواة الاجتماعية حماسة تشبه إلى حد بعيد الحماسة الداعية إلى المساواة السياسية، وقد لاقت أفكار العدالة الاجتماعية رواجا خاصا في لبنان، الذي تمتع منذ توقيع بروتوكول – 1864 – بحرية نسبية داخل الامبراطورية العثمانية. ونجد صدى الحوار حول العدالة الاجتماعية في مجلة – المشرق –(21) الصادرة في ذلك الحين، أن الحوار الدائر على صفحات هذه المجلة في أعقاب ثورة – 1908 – يدل على ما يدور في خلد الناس ويجري على ألسنتهم من أحاديث. ويبدو واضحا من بعض مقالات مجلة – المشرق – ان السكان ألقوا مسؤولية البؤس والشقاء الحالين بالجماهير على السلطان العثماني ورجال الدين الموالين له. ومما لا ريب فيه أن الحريات السياسية النسبية التي تمتع بها السكان في أعقاب ثورة – 1908 – بعد عهد من الاضطهاد والظلم أفسحت المجال لظهور المطالب الاجتماعية الموجودة في قاع المجتمع إلى السطح.
لقد أسهمت ثورة – الأتراك الاتحاديين – من دون أن تدري في دفع الجماهير نحو المطالبة بحقوقها والتنفيس عن كربها بعد ربع قرن من الحكم الاستبدادي الفردي وبعد عهود طويلة من الضغط والارهاب والحرمان والبؤس بمختلف أشكاله وألوانه.
ولكن، هل حققت ثورة – الأتراك الاتحاديين – آمال الجماهير المعذبة والشعوب المضطهدة؟. لقد أملت الجماهير العربية الفقيرة في بلاد الشام أن تخفف ثورة – 1908 – من آلامها وانتظرت أن تحل الثورة مشكلاتها الاقتصادية – الاجتماعية. كما حلم الفلاحون في التصرف وفي امتلاك الأراضي السلطانية، أراضي السلطان عبد الحميد التي تجاوزت في سورية وحدها – 1014 – قرية . ولكن توزيع أراضي السلطان على الفلاحين الذين يعملون عليها ويسقونها بعرق جبينهم بقي حلما يراود أذهان الفلاحين وأملا دغدغ أفئدتهم. فقد قامت الحكومة التركية، حكومة جمعية الاتحاد والترقي بالاستيلاء على أراضي السلطان السابق ولم تقم بتوزيعها على الفلاحين. كما كان مؤملا، بل قامت هي – أي الدولة الاقطاعية البرجوازية – باستثمار الفلاحين واضطهادهم كما كان يفعل أنصار السلطان عبد الحميد.
وهكذا لم يتغير شيء في حياة الفلاح العربي العامل في الأراضي السلطانية والذي انتقل من نير الدولة الحميدية الاقطاعية إلى نير الدولة الاتحادية التركية البرجوازية الاقطاعية. علاوة على ذلك فإن الفلاح الرازح تحت نير الاستثمار الاقطاعي لملاك الأرض من البشوات والأغوات وكبار موظفي الدولة المتعاونين مع قمة السلطة والمكونين جزءا منها، لم يشعر بأي تبدل أو تغيرن واستمر سيف الارهاب مسلطا على رقبته وهو مجبر على دفع انتاجه للإقطاعي ودولته العلية.
أما الفئات المتوسطة التي كانت ترنو بابصارها إلى تحقيق الاصلاحات أو بعضها، وإلى الحكم الإداري الذاتي في الولايات العربية، فقد وجدت بعد مدة يسيرة من قيام ثورة الأتراك الاتحاديين أن سياسة الاتحاديين من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي لم تتبدل، وما هي إلا استمرار للسياسة السابقة القائمة على السيطرة الاقطاعية على الرغم من الواجهة البرجوازية للحكم الجديد. وهكذا لم تقم السلطة الجديدة بعد ثورة -1908- بأي عمل إصلاحي جذري، وبقي جهاز الدولة متخلفا دون تغيير تسيطر عليه كما في السابق العناصر الرجعية المحافظة ذات النزعات الاقطاعية. ولم تكن موجودة بسبب ذلك أية امكانات لقيام الاصلاحات الضرورية. فالحكومة التركية الاتحادية التي نادت بشعارات الحرية والمساواة والاخاء والدستور البرجوازي وطبلت كثيرا للمبادئ البرجوازية، التي كانت في ذلك الوقت تقدمية وثورية في ظل ظروف مجتمع اقطاعي متخلف ومحافظ لم تقم بأعمال حاسمة في طريق التطور البرجوازي التقدمي آنذاك ومعنى هذا أن واجهة الحكم كانت برجوازية. أما جوهره فكان اقطاعيا متخلفا راكدا لا حراك فيه، على الرغم من الضجة المثارة حوله.
مع ظهور معالم السياسة الطورانية الشوفينية لجمعية الاتحاد والترقي ومع بداية الاضطهاد الموجه ضد القوميات غير التركية أخذت شعبية الأتراك الاتحاديين في التلاشي، وخفت في الوقت نفسه موجة الحماسة للثورة – وشعاراتها – الحرية، التقدم، الوطن -.
لقد بدأت النقمة في صفوف الوطنيين العرب ضد الأتراك الاتحاديين تزداد أكثر فأكثر عندما قام هؤلاء بتسريح الاف الموظفين العرب. لقد اغتنم (الأتراك الاتحاديون) فرصة موجة الحقد ضد الحكم الحميدي لضرب العناصر العربية في جهاز الدولة، على أساس أن بعضها تعاون مع السلطان عبد الحميد، وتقوية العناصر التركية – بغض النظر عن موقفها السابق المؤيد أو المعارض للحكم الحميدي (23). وهذا العمل أثار غضب العرب الوطنيين منهم على سياسة جمعية "الاتحاد والترقي" المعادية لكل شيء غير تركي. ولم يكن هذا السبب هو السبب الأساسي لمقاومة الوطنيين العرب لجمعية الاتحاد والترقي. فسياسة التتريك العامة هي التي دفعت القوميين العرب للوقوف في وجه "الاتحاديين الأتراك" بعد أن كانوا إلى جانبهم.
ولنقرأ ما كتبه الوطني العربي والسياسي الجريء شكري العسلي عام /1913/ ولنر أسباب هذا التطور والتبدل في سياسة القوميين العرب أزاء قمة السلطة التركية وسياستها العنصرية. قال شكري العسلي وهو من الشهداء الذين أعدمهم جمال باشا بعد سنتين، شارحا سياسة المثقفين العرب ما يلي:
... ولأننا نحن معشر العرب المتعلمين كنا آخينا الاتحاديين على أثر الانقلاب يوم نودي بالدستور وأعلنت الإدارة الدستورية، وأصبحت الحكومة نيابية وغدت جمعية الاتحاد والترقي حامية الدستور. وعندما رأينا أعمال بعض الذين استولوا على منصة الحكم مغايرة لأحكام الدستور والحرية الشخصية ورأيناهم ساعين إلى تتريك العناصر وهضم حقوق العرب انشققنا عنهم وهجرناهم.
استقبل الوطنيون القوميون العرب في بلاد الشام ثورة /1908/ بحماسة وصفقوا لها وأيدوها. ومع عام /1910/ بدأوا ينتقلون إلى صف المعارضة ويقاومون السياسة الطورانية الشوفينية المتعصبة للأتراك الاتحاديين. وهكذا أخذ الوطنيون العرب ينسحبون تباعا من حزب "الاتحاد والترقي" وينضمون إلى حزب المعارضة، حزب "الحرية والإئتلاف" المطالب بتحقيق سياسة إدارية لا مركزية في سائر أنحاء الولايات العثمانية المختلفة القوميات.
بعد سنة /1910/ بدا واضحا أن أكثرية السكان في الولايات العربية أخذت تعارض سياسة "الاتحاديين" وتتذمر منهم، ولم يشذ عن ذلك إلا الكتل الرجعية المحافظة، التي كانت في السابق من أنصار ودعاة الاستبداد الحميدي وقاومت في البدء ثورة /1908/ البرجوازية. ثم أخذت هذه العناصر في التأرجح والتذبذب، وما عتمت أن أيدت الاتحاديين بعد أن اتضحت معالم سياستهم (25) الرجعية، وبعد أن تبين أن الشعارات البرجوازية التقدمية في ذلك الحين، التي رفعها قادة جمعية الاتحاد والترقي لم تكن إلا برقعا شفافا تختفي خلفه سياسة رجعية عنصرية. وأكبر شاهد على قولنا هذا موقف كبار ملاك الأراضي من الأغوات والبكوات وكبار الموظفين الذين انقلبوا بسرعة الصاروخ من مؤيد لحكم عبد الحميد السابق ومعاد للثورة إلى مؤيد للأتراك الاتحاديين وداع لهم بطول العمر والبقاء في حفظ الدولة العليا، دولة الاقطاعيين مضطهدة الفلاحين ومعرقلة كل تطور ممكن. وعلى الرغم من الصبغة البرجوازية للأتراك الاتحاديين فإنهم أيدوا ملاك الأراضي وقدموا لهم كل عون من أجل الاستمرار في نهب واستثمار الفلاحين.
ومع أن الاتحاديين حاولوا في كثير من الأحيان ولأسباب تكتيكية، كسب عطف الوطنيين العرب السوريين والاتصال بهم لتفادي معارضتهم، إلا أن النقمة على سياسة الاتحاديين العنصرية أفشلت كل مسعى في هذا السبيل، وحطمت بالتدريج جسور الاتصال القائمة بين القوميين العرب المطالبين بالإستقلال الذاتي وبين الأتراك الاتحاديين الساعين إلى اضطهاد الشعوب غير التركية الخاضعة للدولة العثمانية.
منذ سنة /1910/ أخذت موجة النقمة المعادية للأتراك الاتحاديين في التصاعد للأسباب المباشرة التالية(26):
1 – تسريح عدد كبير من الموظفين العرب وبشكل خاص من وزارتي الداخلية والخارجية.
2 – محاولة عدم اشراك العرب في الاجتماعات السياسية التي تقرر فيها سياسة البلاد.
3 – تحول حزب "الحرية والائتلاف" من حزب عثماني إلى جمعية تركية بعد أن قاومه "الأتراك الاتحاديون".
4 – عدم معرفة الموظفين الأتراك العاملين في الولايات العربية للغة العربية.
5 – مقاومة كل تقدم ثقافي في سورية.
6 – مقاومة اللغة العربية والحط من شأنها.
لم تحجم الجرائد العربية الوطنية (27) عن توجيه نقدها العلني اللاذع لسياسة "الاتحاديين" هذه، ولكن الحملة الصحفية لم تجد لها صدى واسعا بين أوساط الجماهير، لانها حصرت مطالبها في إجراء بعض الاصلاحات العامة والتعليمية، ولم تقم بالدفاع عن مصالح الجماهير الحيوية. ومع هذا فان الفترة الممتدة من /1908 – 1910 – 1911/ تميزت بالصعود المتنامي لحركة الكفاح ضد الأتراك الاتحاديين وسياستهم في تتريك العرب (وغير العرب).
كما تميزت هذه الفترة بتجميع القوى استعدادا للدخول في المعارك المقبلة، والانتقال من مرحلة المطالب الجزئية إلى المرحلة التالية (1911-1914) مرحلة المطالبة بالإدارة اللامركزية والاستقلال الذاتي.