كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حركة الأتراك الإتحاديين (ذات الملامح البورجوازية) ضد السلطان عبد الحميد

د. عبد الله حنا- فينكس

قامت في سنة 1908 حركة (الأتراك الاتحاديين) ضد السلطان عبد الحميد، الذي حكم الدولة العثمانية مدة تقارب الثلاثين عاما بالحديد والنار والتجسس والإرهاب وخنق أنفاس الناس، إضافة إلى الترغيب والترهيب وبذل الأموال الطائلة من أجل كسب الدعاة والمطبلين والمزمرين لدكتاتورية عبد الحميد و(دولته العلية) الاقطاعية ونصف المستعمَرة للدول الامبريالية الأوروبية.

لم تكن الحركة (الاتحادية التركية المعادية للحكم الحميدي شأنها شأن جميع الحركات الثورية – وليدة المصادفة أو بنت النزوات الفردية والرغبات الشخصية، بل كانت نتيجة منطقية لجملة عوامل داخلية وخارجية هزت كيان المجتمع الاقطاعي في الدولة العثمانية هزا عنيفا.
لقد كانت التململات والتحركات والأعمال المناهضة للإقطاعية في طليعة العوامل المؤدية إلى تكوين وضع ثوري معين، كما أسهم النضال التحرري القومي للشعوب غير التركية في تأزيم العلاقات الداخلية ودفع التناقضات الاجتماعية نحو النضج (1/9) علاوة على ذلك فإن أصداء الثورة الروسية عام 1905 والانتفاضة الشعبية الايرانية في العام نفسه مارست تأثيرا قويا في العلاقات الداخلية في تركيا وزعزعت أوصال العرش العثماني. وهنا يجب الا نغفل عاملا هاما يعد في طليعة العوامل المؤدية إلى الثورة وهو: بداية نمو البورجوازية التركية وتأثرها بأفكار الثورة الفرنسية البرجوازية. وبما أن العناصر – البرجوازية لم يكن بإمكانها احداث التغيير اللازم لمصلحة البرجوازية بسبب الارهاب الحميدي لاستحالة استثارة الجماهير المضللة بشعارات السلطان عبد الحميد والرازحة تحت نير عبودية الأيديولوجية الاقطاعية أيديولوجية (الجامعة العثمانية) والمخدرة بمفاهيم الخنوع والخضوع التي كان ينشرها دعاة السلطان في كل مكان، لذلك فإن العناصر البرجوازية لجأت إلى الطريق السهل (الوحيد) في نظرها، طريق كسب العناصر القيادية في الجيش من أجل إحداث التغيير من فوق.
بدأت حركة (الاتحاديين الأتراك) التي ظهرت معالمها بشكل واضح منذ تأسيس (جمعية الاتحاد والترقي) السرية في استنبول في عام 1889، في التقرب من الشعوب غير التركية من أجل توسيع الجبهة المعادية للاستبداد الحميدي الاقطاعي، وهكذا فقد اجتمع في سنة 1907 ممثلون عن الأتراك والأرمن والعرب والبلغار والألبان وقرروا تحقيق المطالب التالية:
1 – ازاحة السلطان عبد الحميد. 2 – عدم تقسيم الدولة العثمانية. 3 – المساواة بين جميع الشعوب والأديان. 4 – اقامة حكم ديمقراطي برلماني.
في 21 تموز 1908 أعلن الضابطان أنور وحلمي وهما من أعضاء جمعية (الاتحاد والترقي) العصيان على السلطان عبد الحميد في مدينة سالونيك. وقد أصيب السلطان عبد الحميد بالذعر وخاف من الوقوف أمام الحركة الجديدة فاضطر لاعلان دستور 1876 الذي ألغاه بعد اعتلائه العرش في تلك السنة. وبموجب الدستور جرى انتخاب مجلس المبعوثان (البرلمان). الذي افتتح أبوابه في 17 كانون الأول سنة 1908.
لم يكن اعلان عبد الحميد للدستور وقبوله بمطالب الثائرين إلا محاولة منه لكسب الوقت واستجماع القوى والقيام بالثورة المضادة. ففي نيسان /1909/ قامت كتائب حامية القسطنطينية بتحريض من عملاء السلطان باقتحام مبنى مجلس المبعوثان وقتل وزير العدل وعدد من "الضباط المكتبلية" أي "الضباط المتخرجين من المدارس الحديثة – لكي لا يبقى على رأس الجيش سوى الضباط "الألايلية" – أي الضباط الذين نشأوا وتقدموا من بين الجنود بناء على خدماتهم وخبراتهم العملية، دون أن يدرسوا في مدرسة عسكرية. وقامت على الأثر مظاهرات طلبة المدارس الدينية منادية بحياة السلطان خليفة المسلمين وهاتفة مع الجنود، للسلطان خليفة المسلمين .
وصف الأستاذ ساطع الحصري الثورة المضادة في نيسان /1909/ بما يلي(5):
"ان أبرز زعماء هذه الثورة كان يسمى "درويش وحدتي" الذي عمل تحت ستار "الغيرة على الدين" واستطاع أن يغري الجنود السذج، بواسطة مريديه وأعوانه من الدراويش والأئمة وسائر رجال الدين وجعلهم يعتقدون أن المشروطية مخالفة للشريعة الإسلامية، وان خليفة المسلمين مخالف للعهد الجديد كل المخالفة، أما اعلانه المشروطية فكان قد تم تحت الضغط والاكراه. فالواجب يقضي بإلغاء "القانون الأساسي" وبعد أن ذكر الحصري كيفية تأليف السلطان للحكومة الجديدة حكومة الثورة المضادة استطرد في وصف مظاهر الابتهاج التي عمت الرجعية بهذا الانتصار.
ولكن جمعية الاتحاد والترقي قررت العمل بسرعة ومهاجمة القسطنطينية. فتقدم محمود شوكت باشا من سالونيك بجيش موال للاتحاديين بإتجاه استنبول واستطاع بعد قتال عادي إعادة نفوذ جمعية "الاتحاد والترقي" وبعد ثلاثة أيام قرر مجلسا الأعيان والنواب خلع السلطان عبد الحميد في 26 نيسان 1909 وتنصيب أخيه الأمير رشاد سلطانا . كان السلطان الجديد، الذي تسمى محمدا الخامس، في الرابعة والستين من عمره، أمضى حياته سجينا في أحد القصور، وقد اتصف بالسمنة والغباء وكان مصابا بعدة أمراض نفسية، وهذا ما جعله أداة طيعة في يد "الأتراك الاتحاديين" الذين أصبحوا في الحقيقة الحاكم الحقيقي والآمر الناهي.
أكد الدستور /1876/ المعلن للمرة الثانية /1908/(7) على عدم تقسيم الدولة العثمانية وكان ذا طابع ليبرالي نسبيا اقتبس الكثير من مواده، من دساتير الثورة البرجوازية الفرنسية. صان الدستور (على الورق) الحرية الشخصية وحرية الصحافة ودعا إلى الملكية الدستورية. كما وسع صلاحيات الادارات المحلية وأوجب إيجاد مجلس عربي في كل ولاية من أجل تنظيم التجارة والصناعة والزراعة وكذلك طرق المواصلات والقضايا التربوية. ومع ذلك فإن الدستور اتصف بتركيز السلطات في يد الحكومة المركزية التي أصبحت الآن في يد حرب "الاتحاد والترقي" المعروف بـ "الأتراك الاتحاديين" أو جماعة "تركيا الفتاة".
والآن ما جوهر حركة انقلاب /1908/ التي قررتها جماعة "تركيا الفتاة" أي حزب "الاتحاد والترقي"؟
وهنا لابد من الإجابة عن السؤال التالي: بماذا اتصف نظام الحكم في العهد السابق للثورة، أي عهد السلطان عبد الحميد؟
لقد تميز نظام ما قبل الانقلاب بسيادة العلاقات الاقطاعية وسيطرة الطبقة الاقطاعية التركية وغير التركية. كما تميز بالاستسلام المطلق لتغلغل الرأسمال الأجنبي وسيطرته على معظم مرافق البلاد الاقتصادية وغير الاقتصادية. فقد تحولت تركيا "الدولة العثمانية" منذ العقد التاسع من القرن التاسع عشر إلى بلد نصف مستعمر للامبرياليين الأوروبيين شأنها شأن ايران والصين.
ونتيجة لدخول الرأسمال الأجنبي نشأت فئة الكومبرادور البرجوازية المرتبطة مصالحها وحياتها بهذا الرأسمال. وبسبب توفر المال في أيدي هذه الفئة، فقد كان بامكانها رشوة جهاز الدولة وشراء قمته وجعله أداة طيعة عمياء في يد الامبرياليين الافرنسيين والانجليز والألمان المتصارعين على اقتسام مناطق النفوذ في الدولة العثمانية.
إلى جانب هاتين الطبقتين المتحالفتين: الاقطاعية والكومبرداور كانت تنشأ طبقة جديدة هي البرجوازية الصناعية التي وان كانت على الغالب غير تركية الجنسية، إلا أنها طمحت إلى انشاء صناعة وطنية. وقد كونت هذه الطبقة العمود الفقري للفئات المتوسطة. علاوة على ذلك وجدت الطبقة العاملة الناشئة التي شكلت واحات غضة في خضم ذلك المجتمع المتخلف. وأخيرا فإن الفلاحين كونوا أكثرية سكان الدولة العثمانية. ولا حاجة إلى القول بأن الفلاح أيام الحكم العثماني كان مستعبدا إلى أبعد الحدود، سيطرت عليه الأمية والجهل والفقر والمرض والخرافات وخضع لنير الاقطاعي والرأسمال الأجنبي وجهاز الدولة القمعي.
هذا العرض السريع للأوضاع الاجتماعية قبل انقلاب /1908/ يلقي الأضواء على الحركة نفسها تلك التي تعتبر "حركة برجوازية" ولكنها بدون جماهير. فهي حركة برجوازية ولكنها ليست ديمقراطية، بعكس الثورة الفرنسية "البرجوازية الديمقراطية".
لماذا لا يمكن وصف حركة /1908/ التركية "بالديمقراطية" و"الشعبية" بعكس الثورة الفرنسية؟
لقد كانت الثورة الفرنسية ثورة برجوازية شاركت في اشعالها الجماهير الشعبية الغفيرة في المدينة والريف. وهذه الجماهير كونت القوى الدافعة الرئيسية للثورة على الرغم من أنها تتزعمها وبسبب الاشتراك الفعلي والفعال للجماهير في الثورة الفرنسية البرجوازية يطلق عليها لقب "الديمقراطية". فهي "ثورة شعبية" قولا وفعلا. أما حركة /1908/ البرجوازية فتميزت ببقاء الجماهير الشعبية على "الحياد" معزولة دون حراك (ولذلك فلا يمكن وصف هذه الثورة بـ (الشعبية) أو (الديمقراطية) لفقدان العنصر الشعبي الدافع لها ولكونها لم تحقق، كما سنرى امال الجماهير وتطلعاتها إلى حياة حرة كريمة.
فحركة /1908/ البرجوازية جرت من فوق، وهي لم تستطع بسبب ذلك تحقيق المهمات الموكلة إليها، أي أنها لم تستطع القضاء على النظام الاقطاعي المتخلف، ودفع الجماهير في طريق التقدم الاجتماعي (9). لقد أشارت الوقائع التاريخية اللاحقة أن ثورة /1908/ لم تحقق ما يرتجى منها. فالقوى الاقطاعية والكومبرادورية مارست تأثيرا قويا على قيادة الثورة "الأتراك الاتحاديين" أي "حزب الاتحاد والترقي" الذي رغم تأثره في الفكر البورجوازي ظل خاضعا عن وعي أو لا وعي للأيديولوجية الاقطاعية ومفاهيم الفكر الكومبرادوري والماسونية.
وقف حزب "الاتحاد والترقي" في ولاية (عابدين) ضد الانتفاضة الفلاحية وقمعها بعنف ووحشية بناء على نصيحة السفير الانكليزي الذي خاف على مصالح الشركة الانكليزية مالكة الخط الحديدي في تلك الولاية، (10) وفي الواقع فإن حياة الفلاح المستعبد المهان المضطهد بقيت على حالها دون تغيير، وبقي الفلاح مرهقا بالاتاوات الاقطاعية، بقي يدفع العشر ويلقى ضرب الكرباج وهو يقدم فروض الطاعة "للسيد" الاقطاعي ولأجهزة الدولة القمعية، التي تلاحقه أطراف الليل وآناء النهار لدفع ضريبة الدولة وحصة الاقطاعي وفائدة البنوك الأجنبية حصة المرابي والتاجر.
وفي الوقت نفسه قاوم "الأتراك الاتحاديون" النقابات المؤسسة الناشئة، وقضوا بوحشية في سنة 1910 على "الحزب الاشتراكي العثماني" الوليد في العام نفسه.
وهكذا لم يعتمد "الأتراك الاتحاديون" على الجماهير بل على معينة ولم يستطيعوا حل أي من المشكلات الاقتصادية الاجتماعية أو المشكلات القومية.