من تداعيات الذاكرة عن بورما، وباكستان، والصين، والهند، والسوفييت، والأميركيين
2022.09.09
نصر شمالي
في العام 1971 كانت الصين غارقة في حرب أهلية داخلية واسعة النطاق تحت عنوان غير مباشر هو: "الثورة الثقافية"! فالصراع الصيني الداخلي، في حقيقته، كان بين التيار الثوري بقيادة لين بياو وبين التيار الإصلاحي (بقيادة ليو تشأو تشي)..
كان التيار الثوري الصيني المستقيم ضد مهادنة الإمبريالية العالمية، وضد "الاعتدال" في السياسة الداخلية على حساب المبادىء، وكان يتطلع إلى فك الحصار الدولي الخانق ضد الصين عن طريق النضال وليس المساومات.. مثلاً، بالنجاح في الوصول إلي خليج البنغال عنوة بالاعتماد على علاقات الصين الطيبة مع باكستان، وضد الهند التي كانت علاقاتها طيبة مع الاتحاد السوفييتي ضد باكستان، الاتحاد السوفييتي الداخل في خلاف سياسي وفكري مرير مع الصين..
ويومئذ، حتى العام1971، كانت بنغلادش الحالية جزءاً من دولة باكستان، وكانت تسمى "باكستان الشرقية"، تفصلها عن الصين بورما (ميانمار الحالية) الموالية للصين!..
باختصار، كان الصينيون ينشطون في منطقة البنغال الهندية/الباكستانية عموماً عبر الممر البري البورمي (ميانمار الحالية)، وبالتالي عبر باكستان الشرقية (بنغلادش الحالية) متطلعين إلى كسر الحصار الدولي ضدهم بفرض وجودهم في منطقة البنغال عموماً، أي على شواطىء المحيط الهندي المغلق بإحكام لصالح الغرب الأوروبي الأميركي!..
وفجأة، وبتعاون دولي محكم اشترك فيه حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو والهند وفرنسا وأوروبا الغربية عموماً، أعلنت باكستان الشرقية استقلالها عن باكستان الغربية، تحت اسم "بنغلادش"، فكانت الحرب ثم كان الاستقلال وقيام دولة بنغلادش الجديدة!.. وبذلك فقدت بورما (ميانمار) أهميتها كممر بري للصين إلى منطقة البنغال عموماً، وقد ترتب على ذلك أيضاً انهيار التيار الثوري الصيني في الداخل وصعود الإصلاحيين الصينيين الذين بدأوا سياسة "الاعتدال" في الداخل وسياسة الحوار و"التعامل السلمي" مع واشنطن وحليفاتها ومع موسكو أيضاً!..
أما بورما، أو ميانمار، فقد دخلت منذ ذلك التاريخ في عزلة دولية طويلة تحت حكم جنرالات قساة أذاقوا شعبها الويل، وهم ما زالوا يحكمونها بالرغم من تنازلاتهم "الديمقراطية" الشكلية!..
هذا ما توارد في خاطري في هذا الليل، وسجلته من الذاكرة، آملاً أن يكون مفيداً للمهتمين بما يحدث اليوم في بورما، أو ميانمار، فهذا الذي يحدث (على فظاعته وهوله بالنسبة للمسلمين الأبرياء) قد يكون من نوع الذي حدث في يوغسلافيا وترتب عليه زوال يوغسلافيا كلها من الوجود وتوزيع أشلائها غنائم حرب للحلفاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة! . وقد يكون توسيعاً لدائرة الحرب العالمية الناشبة في منطقتنا العربية، باستغلال مظلومية المسلمين (الحقيقية) التي يغذيها الغرب في بورما، أو ميانمار، ليقطف ثمارها على حساب بورما والصين، كما يفعل في بلادنا!
فيعقب الأستاذ ابراهيم معروف:
أتوقف عند القول: "في العام 1971 كانت الصين غارقة في حرب أهلية داخلية واسعة النطاق"، هل فعلاً كانت "الثورة الثقافية الكبرى" حرباً أهلية؟ أعتقد، وعلى الرغم من العنف الذي رافقها، من الصعب وصفها بحرب أهلية. كنا شباباً في حينها، وكنا نتابعها بشكل يومي، وباهتمام وكانها قضيتنا المباشرة، واستمر الاهتمام بكل مايتعلق بتجربة الصين الملهمة لنا.
نتذكر أن ليو تشاو تشي عندما هزم سياسياً، وكان رئيساً لمجلس الدولة، أرسل إلى الريف ليتعلم كيف يكون ثورياً.
والنقطة الثانية التي أتوقف عندها هي دور دينغ شياو بينغ، كنا نرى فيه يومها قائد جناح المعتدلين الاصلاحيين، ولم نكن نرتاح له (!!) ولكن تبين لاحقاً أن دوره كان كبيراً وايجابياً في مجال تحديث الصين، مما مهد لنهضتها وتقدمها الحالي. وثائق الحزب الشيوعي تذكره بالخير، دون أن تضعه في مصاف المؤسس ماو تسي تونغ أو الزعيم الحالي شي جين بينغ.
تبقى تجربة الصين شديدة الغنى، وناجحة، وأكثر التجارب الهاماً لنا كعرب. تحياتي العزيز أبو مصعب.
فيرد عليه أ. نصر شمالي:
في حينه لم أكن مرتاحاً لتصرفات بعض رفاقنا في تقليدهم للثورة الثقافية الصينية، وبخاصة في اتحاد العمال، وقد ذكرت للواء صلاح جديد في مكتبه عدم ارتياحي، فوافقني، وقال ساخراً من سلوك بعض رفاقنا: "إنها حرب أهلية داخلية مقنعة بقناع ثورة ثقافية"!
****
ما ينبغي تذكره أو معرفته عن دولة بورما/ميانمار؟.. عاصمتها الحالية نايبيداو.. مساحتها أكثر من 676 ألف كيلو مترا مربعا، وعدد سكانها أكثر من 53 مليون نسمة.. وتفصل بورما ما بين الهند والصين، وتطل على خليج البنغال الهندي، وهذا الموقع أعطاها أهمية خاصة عظيمة الحساسية في السياسات الدولية الاستعمارية..
وهي، بورما/ميانمار، كانت لآماد طويلة تحت السيطرة الاستعمارية البريطانية، وامتداداً للهند أو لشبه القارة الهندية المستعمرة بريطانياً.. وكانت تعامل من قبل حكومات لندن كجزء أو كامتداد للمستعمرة الهندية القارية، وقد استمر حالها كذلك عموماً حتى استقلالها عام 1948، والذي تحقق بفضل انتصار الثورة الصينية واستقلال الصين..
ولقد كانت الصين قبل انتصار ثورتها وتحقيق استقلالها، أي قبل العامين 48 - 1949، تحت قيادة الجنرال تشان كاي تشيك حليف الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.. واجتاحت الجيوش اليابانية بورما في العام 1942، فكان ذلك تهديداً خطيراً جداً للحلفاء الغربيين في المستعمرتين الشاسعتين القاريتين الهند والصين، وتهديداً خطيراً جداً للحكومات الموالية لهم طبعاً..
وبدعم هائل من واشنطن شاركت المستعمرات البريطانية الآسيوية والأفريقية في مواجهة اليابان في بورما بحوالي مليون جندي معظمهم من الهند، للتصدي للاجتياح الياباني في بورما!.. وقد نجح الحلفاء الغربيون في إيقاف التقدم الياباني من بورما باتجاه الهند.. لكن الموقف انقلب رأساً على عقب باستقلال الهند من جهة والصين من جهة أخرى، فأصبحت بورما/ميانمار منذ ذلك التاريخ خط تماس بين الصين من جهة والهند والتحالف الغربي أيضاً من جهة أخرى، إنما لصالح الصين عموماً، فهي، بورما/ميانمار، بصورة من الصور، تشبه اليوم في وضعها وفي موقعها، عموماً وليس تماماً، وضع كوريا الشمالية، أي أنها خط تماس وساحة عمليات غربية أميركية ضد الصين!