كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

محاولة عصيان الرائد سليم حاطوم في السويداء- ح1

كتب مروان حبش:

يوم 8 أيلول 1966
الحلقة الأولى
في بداية الثلث الثاني من شهر شباط 1966 أصدر وزير الدفاع اللواء محمد عمران، بناءً على قرار القيادة القومية، أمراً بنقل الضابطين الرائد سليم حاطوم والرائد عزت جديد(1) من وحداتهم العسكرية، ويعتبر هذا النقل مساساً بميزان القوى التي كانت في صراع بعد حل القيادة القطرية، وأن هذا النقل يأتي قبل أيام من موعد محتمل لانعقاد المؤتمر القطري في دورة استثنائية يوم 25/2/1966 لمناقشة الأزمة بين القيادتين القومية والقطرية، وكان هذا القرار من الأسباب التي حملت القيادة القطرية المؤقتة على تبني العمل العسكري كخيار أخير لحسم الصراع في الحزب.
في ليلة 22-23 شباط 1966، وبعد أن قررت القيادة القطرية المؤقتة بكامل أعضائها القيام بعد منتصف الليل بعمل عسكري تنفذه في دمشق وحدتا الرائد حاطوم المتمركزة في معسكر حرستا، والرائد عزت جديد المتمركزة في معسكر القابون .
طلب مني اللواء حمد عبيد، عضو القيادة القطرية المؤقتة ووزير الدفاع قبل حل القيادة القطرية، أن نذهب معاً إلى منزله في جادة الخطيب ليرتدي بزته العسكرية، ثم نعود إلى المنزل الذي اتخُذ كمقر للقيادة، ومن هناك ينطلق اللواء حمد إلى مهمته في معسكرات قطنا. وفي طريق ذهابنا إلى منزله، طلب مني اللواء حمد أن أرشحه في اجتماع القيادة بعد تنفيذ الحركة إلى منصب وزير الداخلية (2).
حين وصل اللواء حمد عبيد إلى معسكرات قطنا، أُبلغ من قبل الضباط الموالين للقيادة القطرية المؤقتة أنهم يسيطرون بشكل كامل على المعسكرات ولا حاجة لوجوده، وقد تحتاجه القيادة في مكان آخر.
كلفت القيادة القطرية اللواء حمد عبيد الإشراف على النواحي العسكرية والأمنية في حلب ومطاردة الرائد بدر جمعة، مدير الكلية الحربية في حمص – من أنصار الفريق أمين الحافظ – الذي استطاع أن يسيطر بالتنسيق مع الرائد مصطفى عبدو – قائد وحدة عسكرية في حماة – السيطرة على بعض الآليات والمدافع، ويهربا بها نحو حلب.
وصل اللواء حمد عبيد إلى حلب التي وصل إليها، أيضاً، عضو القيادة القطرية مصطفى رستم، ليتعاونا في معالجة الوضع القلق في حلب، ولكن اللواء حمد بدأ باتصالات سرية
مع بدر جمعة وعبد الغني برو، رئيس فرع المخابرات في حمص قبل الحركة، وتمت بينهم عدة اجتماعات في بيت أحمد أبو صالح اتفق خلالها السيطرة على حلب، ثم إجراء اتصالات مع المقدم مصطفى طلاس للاستيلاء على المنطقة الوسطى فتكون دعماً للجيوب التي تشكل قوة لهم في المنطقة الجنوبية، وبذلك يقومون بعملية ارتدادية على الحركة.
حضر أحمد أبو صالح يوم 8/3 إلى دمشق والتقى في بيت خالد الحكيم في دوما مع بعض الأشخاص من مجموعة ما عُرف بأدبيات الحزب بـ "مجموعة حمود الشوفي" وأبلغهم عن حركة عسكرية ارتدادية سيقوم بها اللواء حمد عبيد والرائد بدر جمعة.
كان المقدم مصطفى طلاس قد أبلغ القيادة القطرية عن النشاط التآمري للواء حمد، كما أبلغ، أيضاً، بعضُ من تم الاتصال بهم من الحزبيين المدنيين في حلب، القيادة بهذا النشاط التآمري.
دُهشت القيادة من هذا السلوك التآمري للواء حمد، وقررت تحريك كتيبة دبابات من اللواء الخامس بحمص، كما قررت في الوقت نفسه، أن يتوجه رئيس الأركان اللواء أحمد السويداني إلى حلب لإنهاء الوضع المبلبل.
لما وجد اللواء حمد عبيد والرائد بدر جمعة وبقية الضباط المتورطين معهم، أن مخططهم لاقى الفشل، ومع وصول اللواء السويداني وتوجه كتيبة الدبابات، فرّ الرائد بدر جمعة إلى تركيا ومنها إلى لبنان.
عاد اللواء السويداني إلى دمشق جواً برفقة الضباط الذين كانوا قد تورطوا، بينما عاد اللواء حمد يوم 9/4 براً، ووضع نفسه تحت تصرف القيادة القطرية المؤقتة، وهو أحد أعضائها، وقد قررت القيادة اعتقاله، وتمَّت، فيما بعد، محاسبته من قبل لجنة الكسب غير المشروع التي كان قد أقرها المؤتمر القطري الاستثنائي لمحاسبة الحزبيين والمسؤولين الذين استغلوا وجود الحزب في السلطة.
ما إن انتهت مشكلة حلب بفترة وجيزة، وتم تشكيل الوزارة، بدأت الإعدادات لانتخابات حزبية لعقد المؤتمر القطري الثالث، وانصرفت جهود القيادة للاتصال بالمنظمات الحزبية خارج سورية، وخاصة منظمة الحزب في العراق، تمهيداً لعقد مؤتمر قومي، كما انصرفت جهود القيادة والوزارة، أيضاً، إلى وضع البرامج العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، والعمل على تنفيذها.
لقد أقدم حكم الحزب على استثمار النفط وطنياً، بعد أن كان وقفاً على الاحتكارات البترولية، كما أقدم على مطالبة شركة نفط العراق بالملايين من الليرات السورية، وهي حق الشعب الواضح والصريح لقاء مرور النفط في الأنابيب عبر سورية، كما كان الحكم عازماً على اجتثاث كل مظاهر الاستعمار ومصالحه في سورية وداعياً إلى ذلك في بقية أقطار الوطن العربي، وبدأت الخطوات سريعة في هذا النطاق، كما بدأت عملية تعميق التحولات الاشتراكية، وبناء البنية التحتية لاقتصاد متين، وتمثل ذلك أكثر ما تمثل في توقيع اتفاقية بناء سد الفرات -حلم فلاحي سورية- مع الاتحاد السوفييتي، بعد أن ماطلت المؤسسات الغربية في تمويل إنشائه. وكذلك، فإن من يتبنى قرار حرب التحرير الشعبية استراتيجية للحزب في تحرير فلسطين وتصفية الوجود الاستعماري في المنطقة وصولاً إلى الوحدة العربية، ويترجم هذه الاستراتيجية إلى وقائع حقيقية وخطوات عملية، يجب أن يدخل في حسبانه أن الأمر البديهي والطبيعي هو أن يتآمر الاستعمار ويحشد كل طاقاته وإمكانياته في معركته وأساليبه التآمرية ضد الحزب وثورته، ويقف جاهداً لإفشال كل المنجزات التي حققتها الثورة للجماهير في سورية، وأن لا يغيب عن باله أنه معرّض إلى تآمر مستمر، وأن تُرصد الملايين من الدولارات لتغذية هذا التآمر بغية تقويض النظام الثوري، والتخلص من قادة هذا النظام الذين أطلقت عليهم الدوائر الاستعمارية "أصحاب الرؤوس الحاميةحمد عبيد | التاريخ السوري المعاصر".
إن قوى الاستعمار تعرف بثاقب نظرها، أنها لا يمكن أن تنال من حركة ثورية أصيلة، بالتآمر الخارجي أو التصدي المباشر، لذلك تلجأ إلى اعتماد أسلوب النَفَس الطويل، وإلى مقتل مضمون النتائج، ألا وهو البحث عن عناصر وقوى تؤجج بها النزاعات الداخلية، حتى ولو لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بها، ولكنها ترعاها وتهيئ لها السبل للتفجير من الداخل. وبحكم المصالح الذاتية التي يكتشفها البعض خارج إطار النضال الثوري، تجعلهم غير قادرين على متابعة النضال ومواكبة مسيرة الحزب والثورة وينزلقون بالتالي إلى المواقع المضادة لمصالح الجماهير الفقيرة التي تقوم الثورات، أصلاً، من أجلها.
كان الرجعيون في أوج نشاطهم، وبدأوا بتحركات مريبة واتصالات مشبوهة قبل فترة وجيزة من 8 أيلول، وكانوا على صلات دائمة ودؤوبة مع العملاء الهاربين في الأردن ولبنان، وبندواتهم المكشوفة كانوا يبشرون بزوال العهد في مدة لا تتعدى الأيام القليلة، حتى إن البعض منهم كان يحدد يوم المؤامرة.
بدأت الأردن بحشد قوات عسكرية على الحدود السورية، وأُعطيت مهمات لهذه القوات المحتشدة.
وحينما حُقق مع أحد المعتقلين الرجعيين الذي تربطه صلات ود وصداقة مع موظفي السفارة الأميركية في دمشق، طُرحت عليه أسئلة واستفسارات تتعلق بتصريحات السفير الأمريكي في سورية التي جاء فيها: "إن هذا العهد ذاهب خلال أيام"، أجاب المُحقَق معه: أنه لما قيل للسفير الأميركي، بأن تصريحاتك العلنية، وتأكيدك بزوال العهد، أمر مناف للأصول الدبلوماسية، وخاصة أن هذه الأقوال ستصل إلى المسؤولين، أجاب: لم يعد يهمني العرف الدبلوماسي، لأن البعث سيذهب عمّا قريب.
وكان قد صدر أمر بمنع دخول أحد المطارنة المعروف بعمالته للمخابرات المركزية الأميركية، إلى سورية فقال هذا المطران: ما قيمة هذا المنع، إذا كان الوضع سوف ينهار خلال عدة أيام؟، فليضبطوا أنفسهم قبل أن يمنعونا من دخول البلد، وفي اعتراف لجلال السيد، "أحد مؤسسي البعث وأحد الشخصيات البارزة في تاريخ السياسة السورية"، قال: "في المقابلة التي تمت بيني وبين أكرم زعيتر وزير خارجية الأردن، أخبرني بأن الوضع في سورية سينهار، خلال فترة قريبة، ومصير سورية إما إلحاقها بالأردن، أو تقسيمها وضمها للدول المجاورة، وذلك للتخلص من النظام البعثي الشيوعي الذي أصبح سائداً في سورية".
في هذا الظرف المشحون بالتآمر، تم تهريب الأستاذين صلاح البيطار وشبلي العيسمي من مكان احتجازهما في استراحة وزارة الدفاع بمنطقة القصور في دمشق إلى بيروت، ورغم معرفة القيادة بأن هذا الهرب قد تم بمعرفة الرائد مصطفى الحاج علي رئيس شعبة المخابرات العسكرية، والرائد سليم حاطوم، لأن عناصر الحراسة من وحدته العسكرية، ولكن القيادة لم تول الأمر اهتماماً لأن المحتجزين سيتم إطلاقهم قريباً.
في العشر الأخير من شهر آب 1966، صرح الرائد مصطفى الحاج علي في اللاذقية أمام بعض أصدقائه من البعثيين أننا سنقضي على القيادة القطرية في وقت قريب جداً، كما تم الكشف عن تنظيم عسكري سري لقلب نظام الحكم، اعتقل على إثره الملازم كافي العباس من معسكرات قطنا، والرائد محمد أحمد النعيمي مع عدد من أفراد الخلية من القطاع الأوسط في الجبهة ورُحّلوا إلى دمشق للتحقيق معهم.
شكلت القيادة لجنة للتحقيق من بعض الضباط برئاسة العقيد أحمد المير محمود ومن أعضائها الرائدين سليم حاطوم ومصطفى الحاج علي، وكان حث القيادة على السرعة بإنجاز التحقيق لمعرفة المنضمين إلى التنظيم، دون جدوى، ولما وصلت إلى القيادة معلومات عن تورط بعض أعضاء هذه اللجنة في ذلك التنظيم، قررت تشكيل لجنة جديدة من رئيس مكتب الأمن القومي عبد الكريم الجندي ووزير الداخلية محمد عيد عشاوي وقائد الجيش الشعبي محمد رباح الطويل ورئيس الأركان اللواء أحمد السويداني، وكشف التحقيق عن تورط سليم حاطوم ومصطفى الحاج علي في هذا التنظيم، وهما ممن كانوا يلحون ويطالبون القيادة القطرية المؤقتة لاتخاذ قرار بتحرك عسكري لإنهاء الأزمة في الحزب، وهو القرار الذي نُفذ صبيحة 23 شباط.
تبين من التحقيق أن هدف هذا التنظيم العسكري السري هو القيام بحركة التفاف على حركة شباط، وبالتالي، ضربها والإطاحة بها وبكل الأسس التي قامت عليها، وتم الاتفاق بين قادة التنظيم على وضع خطة عسكرية شملت جميع المناطق والوحدات العسكرية، وأصبح كل شيء جاهزاً، ووزعوا المناصب الرئيسية في الجيش والسلطة فيما بينهم، كما أن خطتهم للتعاون مع الفئات السياسية المختلفة أصبحت منتهية، وأصبح الكل في حالة تأهب للانقضاض على الحزب وثورته.
ساعد هذا الكشف المبكر على اعتقال سريع للرؤوس المتآمرة، وأدى إلى إحباط المؤامرة الواسعة، ولكن القيادة لم تعتقل الرائدين سليم حاطوم ومصطفى الحاج علي وأنصارهما، ودعتهما إلى حضور جلسات نقد ذاتي تقوم بها القيادة، وعاملتهما كعضوين من أعضائها.
تبدأ قصة الاتصالات بين الأطراف المتعددة، بعد حركة 23 شباط بأيام، وتتحرك أياد خفية لتجمع الخيوط المشدودة لها، إذ نشط كل من خالد الحكيم ونبيل الشويري
ومحمود نوفل وأحمد أبو صالح وآخرون (3). نشط الأشخاص المذكورون، كما نشط الرائد شريف الشاقي بإقناع الرائد حاطوم للالتقاء مع الدكتور منيف الرزاز(4)، ونجحت جهودهم وتم اللقاء في منزل خالد الحكيم في دوما، وبعد اجتماعات متعددة تم الاتفاق على تشكيل مكتب سياسي برئاسة الدكتور الرزاز ومن أعضائه محمود نوفل وخالد الحكيم، ومكتب عسكري مهمته القيام بتنظيم سري لضباط الجيش –يُستبعد منه الضباط العلويون– والتحضير لانقلاب على النظام القائم.
كان الرزاز قد شكل المكتب العسكري من: (اللواء المتقاعد فهد الشاعر، العقيد المتقاعد صلاح نمور، العقيد إسماعيل هلال، الرائد مجلي القائد، الرائد شريف سعود، النقيب علي سلطان، النقيب علي الضماد). وكان هذا المكتب مرتبطاً بالدكتور منيف الرزاز بواسطة المحامي نسيم السفرجلاني، ثم أضيف إليه الرائد سليم حاطوم، والرائد شريف الشاقي، والرائد مصطفى الحاج علي، ولقد تم الاتفاق، أيضاً، في حال نجاح انقلابهم أن يكون اللواء الشاعر وزيراً للدفاع، والرائد الحاج علي رئيساً للأركان، والرائد سليم حاطوم قائداً للواء السبعين المدرع المرابط في الكسوة، إضافة إلى كتائب المغاوير، وتبين أنه قد تم تشكيل مكتبين عسكريين، أحدهما دون الحاطوم والشاقي، وأن النية مبيتة عند الرزاز والشاعر على التخلص من حاطوم ومجموعته فور نجاح انقلابهم.
 
يتبع
كتاب البعث وثورة آذار - مروان حبش