خالد محمد جزماتي: الجيش العربي ومعركة ميسلون.. كيف سارت المعركة في الجانب الفرنسي؟
2020.08.09
في المقالات السابقة تم الاعتماد في شرح معركة ميسلون في الجانب العربي على عدة مراجع اعتمدت على مذكرات وكتابات القادة الذين اشتركوا في تلك المعركة ودققها بشكل رئيسي عدد من الضباط الأكاديميين اشترك معهم كل من الدكتور سهيل زكار والدكتورة خيرية قاسمية، وقد اعتمد اولئك المؤرخون في تأريخ المعركة وسيرها في الجانب الفرنسي على مذكرات قائد القوات الفرنسية التي زحفت باتجاه دمشق الجنرال "غوابيه" والتي دونها في كتاب عنوانه "من ستراسبورغ الى دمشق"، وأيضا على الكتاب الفرنسي الشهير "الكتاب الذهبي لوحدات الشرق" الذي تم فيه شرح الحركات العسكرية لجيش الشرق .....ويصف الجنرال "غوابيه" معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920 قائلاً: عند بزوغ الشمس بدأت طلقات النيران ولعلعة الرشاشات في التقطة التي يتقاطع فيها وادي "زرزر" مع طريق دمشق، وسرعان ما فتحت البطارية 75 مم التي يقودها "روبير" النار لدعم تقدم المشاة، وكانت هذه البطارية متمركزة في مكان منبسط قليلا داخل وادي القرن شمالي الطريق العام، وقد علّم (حدد) مكانها أحد المدافع الشريفية وأصلاها نارا حامية فأُصيبت بخسائر ملحوظة، ولكنها تابعت رميها، وعندما تدخلت البطارية الثقيلة عيار 155 مم / قصير / بأمرة الكابتين "ماميسييه"، وأصلت البطاريتين العربيتين اللتين تم كشفهما بنيرانها، فأسكتتهما مؤقتا على الأقل، ولكن النيران العربية تكثفت بشدة عندما مهد الجيش الفرنسي للهجوم، فأصبح تقدمه وئيدا وبدأ يتكبد الخسائر.. وفي الساعة السادسة صباحا تقدمت كتيبة "اّبوت" التابعة لفوج الرماة الثاني واجتازت المضيق، وفي السابعة والنصف اجتازت المتاريس المقامة عند منفذه، فيما كانت المدفعية تصب حممها على المواقع العربية، والطائرات تمنع بقصفها المتواصل الجنود العرب من رفع رؤوسهم.. وفي أقصى اليمين كانت بعض عناصر السباهيين تظهر على الجوانب العليا لحوض وادي "زرزر"، وهذا ما يدل على أن قائدها الكولونيل "ماسييه" قد نفذ الأوامر المعطاة له بشكل جيد، وفي اليسار كانت بعض عناصر فوج الرماة الثاني المكونة من كتيبتي "اّبوت وباوليتي" قد اجتازت وادي "زرزر" وابتدأت تتسلق منحدرات الموقع العربي تحت نيران البنادق والرشاشات الكثيفة..
وفي القلب قامت الدبابات التي يقودها الليوتننت "ديفار" ومعها سرية مشاة من الكتيبة 415 وعناصر سرية الهندسة بقيادة "موباسان" في اجتياز وادي "زرزر" والمواقع العربية هناك.... و أثناء ذلك كانت الأوامر قد أعطيت لاحدى الكتائب بالتقدم، ولكنها لم تتقدم، فقام الجنرال غوابيه على الفور باعطاء أوامره الى كتيبة أخرى بالتقدم مكان الكتيبة المتأخرة وبذلك تجاوز الخلل بشكل سريع، ثم قام بتدعيم خطته العسكرية باستدعاء الكولونيل "بوليه" قائد الفوج السنغالي الحادي عشر، وأمره باستلام قيادة الكتيبتين المتأخرة في التقدم والأخرى التي زجها معها، وبهذا التصرف العسكري السريع عزز قوة الهجوم الرئيسية التي يقودها الكولونيل "دوزاك".... و في الساعة العاشرة والنصف بدأت كفة القوات الفرنسية ترجح على القوات العربية، عندما ابتدأت الدبابات الفرنسية في الصعود الى التلال التي تحتلها القوات العربية، ثم قامت المشاة الفرنسية بالتقدم الى الخنادق العربية، وكان هناك تل انسحبت منه قوات المشاة العربية واّخر تم احتلاله من قبل الفرنسيين بعد اشتباك شديد مع القوات العربية بالسلاح الأبيض، وهنا سقط القائد العربي يوسف العظمة قتيلا بمفعول قذيفة اطلقتها احدى الدبابات الفرنسية بلا ريب، واضطرت بقايا القوات العربية للانسحاب باتجاه دمشق تاركة 15 مدفعا وحوالي 60 رشاشا، و كانت الطائرات تقوم بقصف القوات العربية المنسحبة ولاعاقة أي مجهود بإقامة خط دفاعي في الهامة... و تابع الجنرال "غوابيه" سير المعركة، فأمر قواته بمتابعة السير نحو خان ميسلون ونبعه حسب التشكيلة التالية:

-- كتيبتان في الأمام احداهما على يمين الطريق والأخرى على يساره.
-- فوج للاحتياط عرضة لطلب التدخل المباشر غرب الهضبة الأولى لخان ميسلون.
- بقية القوات كلفت بالسير متسلسلة بالعمق خلف هذه الوحدات.
وما أن بدأت القوات بالتحرك أتت التقارير للجنرال "غوابيه" تشرح له عمليات الميمنة الفرنسية، وكيف لاقت صعوبات كثيرة قي التقدم نحو دير العشائر، مما اضطرها الى طلب الدعم من بطاريات المدفعية لقصف القوات العربية، ومع ذلك لم تستطع التقدم الا ببطء شديد حتى المرتفعات الكائنة غربي خان ميسلون ...ويصف الجنرال غوابيه وصوله الى نبع ميسلون بالقول: "وقد وصلت راكبا، مع هيئة أركاني الى خان ميسلون، واتخذنا في الحال جميع التدابير للحصول على الماء هناك، حيث الحرّ كان قد بلغ أشده وجنودنا يرشحون عرقا، وأسقيتهم فارغة منذ وقت طويل بعد سيرهم في الشمس المحرقة، وكانت البغال والخيل تنقض على الماء باندفاع وهي مقطورة بالرغم من جهود سائقيها لكبحها، وأما معظم الفرقة فقد بقي في ميسلون حيث فتشت المنازل القليلة الموجودة في المكان فوجدت فيها كمية كبيرة من " القمر الدين توازعها الجنود الفرنسيون فورا"..
كما أن الطيران قام يوم 24 تموز بقصف القوات العربية بدون توقف، وقد نفذ ذلك أربعة أسراب، أحد تلك الأسراب للاستطلاع وثلاثة منها للقصف. وقد تمكنت القوات العربية من اسقاط واحدة منها تم أسر قائدها الكابيتين "دانجلجان" ومساعده السيرجان "انجالبرت" قرب الديماس، ثم اطلق سراحمها في اليوم التالي بعد احتلال دمشق....
أخيراً: قامت القوات العربية المنسحبة بمحاولة اقامة خط دفاع ثان في الديماس، ولكن شدة القصف المتتالي من الطائرات الفرنسية حال دون ذلك، فأتمت القوات العربية انسحابها الى دمشق... ولبحث صلة حول خسائر الطرفين ومحاولة التعرف على بعض الدروس المستفادة مما حدث.. وأيضا معرفة بعض تفاصيل معارك أخرى حدثت أثناء معركة ميسلون..