د. عبد الله حنا: الدكتور عبد الرحمن الكيالي
(1877-1969)
من قادة الكتلة الوطنية.. رئيس الحزب الوطني.. مؤلف عدد من الكتب
ولد عبد الرحمن ابن الشيخ عبد القادر طه الكيالي في حلب عام 1877, وبعد أن تخرج من المكتب السلطاني في حلب انتسب إلى الجامعة الأميركية في بيروت ونال منها عام 1914 شهادة م ط.
انتخب بوصفه من زعماء الكتلة الوطنية نائباً عن حلب في ثلاث دورات: 1928، 1936و 1943. وشغل وزارة العدلية والمعارف والأشغال (1936-1938) في حكومة جميل مردم بك، وهي حكومة الكتلة الوطنية، التي وقعت معاهدة 1936 مع الفرنسيين واستلمت جزءاً من السلطة. كما تقلد منصب وزارة العدل في 19 آب 1943 في حكومة سعد الله الجابري، وهي أول حكومة وطنية بعد الاستقلال وإلغاء الانتداب. وفي عهد وزارة فارس الخوري 14 تشرين الأول 1944 تقلد حقيبتي وزارتي العدل والأشغال العامة وعهد إليه بشؤون الأوقاف والإفتاء.
كما اشترك الكيالي بتمثيل سورية في منظمة الأمم المتحدة في دورة أيلول 1948، وأسهم في الميدان الاقتصادي وكان نائباً لرئيس مجلس إدارة شركة الغزل والنسيج بحلب في الخمسينات. ورئيس جمعية العاديات في حلب وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق.
ارتبط اسم الدكتور عبد الرحمن الكيالي، مع عدد من الوطنيين، بالكتلة الوطنية، التي قادت النضال الوطني في الثلاثينات بعد انتهاء فترة الكفاح الوطني المسلح عام 1927.
ألقى الكيالي في 1932 أمام لجنة الانتدابات في جنيف بياناً رد فيه على بيان المفوض السامي. وقام بطبع هذا البيان في حلب سنة 1933 تحت عنوان "رد الكتلة الوطنية على بيان المفوض السامي للجمهورية الفرنسية في سوريا ولبنان"، حمل فيه الكيالي بجرأة على سياسة الانتداب الفرنسي وعلى أنصار الانتداب في الداخل ومنهم الشيخ تاج الدين الحسني قاضي دمشق.
بعد انفراط عقد الكتلة الوطنية قام الكيالي مع عدد من الأعضاء السابقين في الكتلة بتأسيس الحزب الوطني في نيسان 1947. وأصبح رئيساً لهذا الحزب فترة من الزمن. ولكن النجاح لم يحالفه في انتخابات 1954. فانصرف إلى ميدان التأليف والكتابة عن تاريخ النضال الوطني والدعوة إلى أفكار عصر النهضة.
ألّف الكيالي كراساً من 18 صفحة نشره في حلب عام 1957 تحت عنوان: "رسالة عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه". وقام بتأليف كتاب آخر تحت عنوان "شريعة حمورابي: أقدم الشرائع العالمية" نشره في حلب عام 1958. ونلاحظ في هذا الكتاب اهتمام الكيالي بالأوضاع الاقتصادية السائدة أيام حمورابي وإلقاء الأضواء على الحياة الاجتماعية ودور العبيد.
ألّف الكيالي كتاباً آخر تحت عنوان: "أضواء وآراء" نشره في حلب عام 1959 تناول فيه فيسيولوجيا الوعي وفرويد ومذهب التحليل العقلي، الرؤيا، الجرائم، فكرة الألوهية وكيف نشأت. ولنقرأ ما كتبه في الصفحة السابعة:
"ومع أن الإسلام دين العقل والبرهان فإن المسلمين في مصر وسوريا والعراق والهند وتركيا والعجم وفي غيرها من الممالك الإسلامية لا تزال لهم عادات وعنعنات وطقوس يمارسونها كأنها من مقتضيات الإسلام وهي في الحقيقة خارجة عنه وعن تقاليده. ومن بقايا الوثنية القديمة ومن بقايا المسيحية واليهودية والقبطية والفينيقية التي كانت سائدة في البلاد التي فتحها الإسلام".
عالج الكيالي في كتابه هذا أوضاع الإسلام وغيره من الديانات وقال عن الديانة المسيحية إنها "كانت تؤمن في أول عهدها وتطور اعتقادها بالإله الواحد" ثم تطورت "إلى القول بالتثليث".
انتقد الكيالي اعتقاد من يصرون ان دينهم وحده على حق. وأشار إلى أن "اختلاف العقائد سبب الثورات الدموية". ولهذا فهو يخاطب الطلاب والطالبات قائلاً: "إنكم ورثة الأجيال وآمال المستقبل الذهبية" ودعاهم إلى "مقاومة التفرقة والتعصب الطائفي والجنسي".
وعلى الرغم من اعتماد الكيالي على التاريخ العربي الإسلامي واستمداد الأمثلة منه، إلا أنه يُكثر في الوقت نفسه سوق الأمثلة والوقائع الكثيرة المستقاة من الغرب.
مع هذا النتاج الثرْ للكيالي فإن أهم عمل قام به الكيالي وأنجزه في السنوات الأخيرة من حياته هو كتابة تاريخ الحركة الوطنية السورية مستنداً على ما يملك من صحف وثروة وثائقية هامة من جهة، ومعتمداً على ما تختزنه ذاكرته من أحداث شارك فيها مشاركة فعلية. ويبدو واضحاً من هذا السِفر أن الدكتور عبد الرحمن الكيالي كان سياسياً أكثر منه طبيباً. مُؤلَّف الكيالي ضمّ أربعة مجلدات صدرت في حلب في أعوام 1958، 1959، و1960 تحت عنوان: "المراحل في الانتداب الفرنسي ونضالنا الوطني". بين عامي 1916، و1939. ولا بدّ لكل من يؤرخ لسورية في مرحلة الانتداب الفرنسي الاستعماري من الرجوع إلى هذا السفر الغني بالوثائق والغزير بالمعلومات والشروح المستندة إلى خبرة الكيالي الشخصية.
تبدو الروح القومية العربية واضحة جيّاشة في كتابات الكيالي وفي مقدمتها كتاب "المراحل.." فقد اختتم الدكتور عبد الرحمن الكيالي "عضو اللجنة العليا للكتلة الوطنية" و"رئيس الحزب الوطني العام سابقاً" مقدمة كتابه بالعبارات التالية: "وكل ما أتمناه أن أكون قد وفقت لتقديم تاريخ صادق وصورة صحيحة عن جهادنا القومي ونضالنا الوطني".
***
لم تكن عائلة الكيالي من كبار ملاك الأرض الكبار كعائلة الجابري والمدرّس، ولكن العائلة كانت من أعيان حلب ووجوهها. وبسبب أن اللغة الثانية لعبد الرحمن الكيالي كانت الانكليزية لتخرجه من الجامعة الاميركية في بيروت 1914 فإن الفكر السياسي للكيالي كان فكرا ليبراليا متحررا يعبّر عن انتمائه للكتلة الوطنية، ومن ثم ترؤسه للحزب الوطني وريث الكتلة. وهذا الحزب ضمّ شتاتا إقطاعيا بورجوزيا ممثلا لقسم من التجار والبورجوازية الصناعية الناشئة. وتوزعت ولاءاته السياسية في اتجاهات متعددة.
***
عام 1955 توزع الحزب الوطني في ثلاث جهات: جهة "قعدت" في بيوتها ومنها عبد الرحمن الكيالي، الذي انصرف إلى البحث الاجتماعي والتاريخي، وجهة انضمت إلى محور حلف بغداد وعلى رأسها محائيل ليان، وجهة انضمت إلى التجمع الوطني المناهض لحلف بغداد ترأسها صبري العسلي نائب دمشق، والذي اختير رئيسا لمجلس الوزراء المعادي لحلف بغداد في حكومة ضمت خالد العظم وحزب البعث وقوى ذات منحى يساري.
ومن طرائف فترة الخمسينات أن مخائيل اليان الشخصية الآتية في الحزب الوطني في حلب ونائبها في برلمان 1954 أتُهم في خريف 1956 مع بعض قادة الحزب الوطني وغيرهم بالتآمر على سلامة البلاد من حلف بغداد وعراق نوري السعيد الموالي للانكليز. وتبدو الطرافة أن مخائيل اليان الملاحق بسبب تعامله مع حلف بغداد هرب إلى لبنان بسيارة رئيس مجلس الوزراء صبري العسلي رفيقه في الحزب الوطني.
***
منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين بدأ الفكر السياسي لليبرالية السورية ممثلا في الحزب الوطني وحزب الشعب بالتراجع. وجاءت الاصلاحات الزراعية التي قصمت ظهر كبار ملاك الارض الاقطاعيين وانبتت في الارياف أطياف جديدة. ورافق ذلك تأميم الرأسمال الكبير، الذي لم يكن ضرورة اقتصادية ليمهد الطريق أمام تيارات أخرى سيأتي الحديث عنها.