كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

فكرة الاغتيال السياسي بين أكرم الحوراني ووديع حداد

أدناه مقتطفات هامة من مخطوط "دفاتر المنفى" للأستاذ عدنان بدر الحلو, وهو قيد الطباعة (تمت طباعة الكتاب لاحقاً)..

الأمر الذي دفع "فينكس" للطلب من الأستاذ عدنان (والناشر- نون4) السماح بنشر هذه المقتطفات، هو: تسليط الضوء على رفض فكرة الاغتيال السياسي من قبل أهم معارض سياسي سوري طوال عقدي ستينات وسبعينات القرن الماضي، أعني الأستاذ أكرم الحوراني (ويمكن للقارئ هنا، إجراء مقارنة بين مواقفه الوارد ذكرها، وهي مواقف تتجلّى فيها أسمى آيات الولائين الوطني والقومي وتقديمهما على المصلحة الذاتية والخلافات الشخصية والحزبية، وبين مواقف ما يسمى بمعارضة (الخارج) في الوقت الراهن (ومن ضمن هذه المعارضة، مع الأسف، نجل الأستاذ أكرم، أعني السيد جهاد الحوراني وشقيقته الدكتورة فداء).

إذ سبق للدكتور وديع حداد (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) أن طرح أمام الأستاذ الحوراني مسألة اغتيال الرئيس حافظ الأسد، فكان أن انتفض الأستاذ أكرم رافضاً الفكرة بالمطلق، مبيّناً أسباب رفضه للاغتيالات. و من المعروف أنّ علاقة الرواي (الأستاذ عدنان الحلو) كانت قوية بكل من الدكتور وديع والأستاذ أكرم، و هو لا يذكر هذه الحادثة (و سواها) كي يرفع من شأن هذا أو يقلل من قدر ذاك.. إنّما يكتب للتاريخ مع حفاظه على احترام جميع من يرد ذكرهم.

في سياق آخر، قد يجد القارئ تفسيراً مقنعاً لفشل مشروع الوحدة السورية- العراقية (الذي طُرح عام 1978) وتشجّع له بعض معارضي الخارج في ذاك الزمن كالأستاذ أكرم الحوراني والأستاذ عدنان بدر الحلو.

يبقى أن نؤكّد، ينبغي على القارئ, أخذ السياق التاريخي للأحداث الوارد ذكرها بعين الاعتبار، وكذلك الأمر بخصوص المذكرات (الوارد ذكرها) والمرفوعة للقيادة العراقية في النصف الثاني من عقد سبعينات القرن الماضي، والأمرّ ذاته فيما يتعلّق بخلاصة التجربة مع الثورة الفلسطينية التي كتبها بعض معارضي تلك المرحلة (و هو هنا الأستاذ عدنان بدر الحلو)؛ بمعنى النظر إلى بعض جوانب النصّ الذي أمامنا بمنظور تاريخي والتعامل معه وفق هذا المنطوق، إذ قد نتفق معه في أماكن ونختلف معه في مواضع، على أمل أن نأخّذ جميعنا العبر مما مضى بما له وبما عليه، وليس للحكم عليه.

فينكس  

 مع أكرم الحوراني

عام 1977أصيب الأستاذ أكرم بسرطان الرئة وتم نقله إلى باريس حيث أجريت له عملية جراحية. وفي الفترة ذاتها عقد في أثينا مؤتمر تضامن مع الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، شارك فيه وفد كبير من السوريين الموجودين في بغداد وكنت بينهم ممثلا للجنة الدفاع عن المعتقلين السياسيين في سورية. وقد اتفقت مع الدكتور عبد الرحمن منيف على أن ننتقل بعد المؤتمر لزيارة الأستاذ أكرم في باريس.

 كانت العملية الجراحية قد تكللت بالنجاح، وكان الأستاذ أكرم قد غادر المستشفى واستأجر شقة صغيرة ليمضي فترة نقاهة تحت إشراف الأطباء. فطلب مني أن أبقى برفقته بعض الوقت على أن نعود بعد ذلك سوية إلى بغداد.

 وجدت في فترة بقائي مع الأستاذ أكرم في باريس فرصة للكتابة، فبادرت إلى تسجيل خلاصة لتجربتي في الشأن الفلسطيني ونظرتي له بعد سنوات العمل في "الهدف"، وعندما قرأه الأستاذ أكرم أثنى عليه وطلب تطويره وربطه بمنظور إستراتيجي حول دور سورية في القضية الفلسطينية خصوصاً والعربية بشكل عام. وبعد انتهائه وافق عليه وتم طبعه (مائة نسخة) من قبل مكتب "الجبهة الشعبية" في بغداد الذي كان يشرف عليه آنذاك نائب الأمين العام الرفيق أبو علي مصطفى، وحمل عنوان "المنهاج الديمقراطي الثوري" مذيلا باسم "حركة الاشتراكيين العرب"، وجرى توزيعه على نطاق محدود.

 وقد يكون من المفيد إلقاء نظرة على تلك المادة لما جاء فيها من استشراف أكدت صحته الأحداث التي جرت لاحقا بما فيها ما هو جار عند كتابة هذه السطور (خريف 2016).

يبدأ  الكراس، الذي بلغ ثلاثا وأربعين صفحة على الآلة الكاتبة ويحمل تاريخ حزيران 1977، بعودة إلى تقرير وزير المستعمرات البريطاني بنرمان الذي دعا في القرن التاسع عشر لإقامة دولة غريبة تفصل بين آسيا وأفريقيا لمنع وحدة البلاد العربية.

تليه مقدمة طويلة حول الصراع العربي الإسرائيلي غرضها تأكيد أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ما هو إلا بعد واحد من الصراع الأول والأشمل، وأن أزمة الثورة الفلسطينية نابعة من تركيزها (بتشجيع من الأنظمة العربية) على "فلسطينية" الصراع، وعزله بالتالي عن العمق الحقيقي للمعركة أي الشعب العربي، لاسيما في البلدان المحيطة وفي مقدمتها تلك الدول الأساسية، أي سورية ومصر والعراق. وأن هذه "الاستقلالية الفلسطينية" تحولت بالضرورة إلى استقلال عن الشعوب العربية وارتهان للأنظمة بهذا الشكل أو ذاك.أ عدنان بدر حلو

 ضمن هذا الشرح يرد ما يلي:

"إن هذه الحقيقة جعلت أمريكا وإسرائيل تضعان في رأس جدول أعمالهما السعي لإلحاق الهزيمة السياسية والحضارية الشاملة بالعرب وبأسرع ما يمكن.. هذه الهزيمة تتمثل بتحقيق المشروع الصهيوني الإستراتيجي القاضي بتمزيق المنطقة العربية إلى دويلات وكيانات عنصرية وطائفية ومذهبية متناحرة يوفر وجودها حزام أمن إستراتيجي للكيان الصهيوني وفرصة تاريخية لتحقيق الهيمنة الإمبريالية الصهيونية الكاملة على المنطقة." (ص 22).

  "إن مشاريع التسوية المطروحة حاليا، لا تستهدف تصفية قضية فلسطين فحسب، بل تستهدف بالإضافة لذلك تصفية كافة قضايا التحرر العربي الأخرى وكافة القوى الوطنية والتقدمية في المنطقة. إن هذه المشاريع، سواء بصيغها والمسار السياسي الذي تتحرك من خلاله، أم بجوهرها ومضامينها، هي الإطار الحقيقي لكافة أهداف المخططات الإمبريالية والصهيونية وأطماعهما في وطننا العربي.

 ومن أجل فهم جوهر هذه التسويات وحقائقها، لا يجوز الوقوف فقط أمام القرارات الدولية التي تقوم عليها كالقرارين 242و338، أو أمام الحدود الإقليمية التي تنصّ عليها هذه القرارات، فالمسألة الأساسية ليست مسألة هذه الكيلومترات التي تنسحب منها قوات العدو أو لا تنسحب فحسب، بل هي كذلك مسألة الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية التي تتضمنها مساعي هذه التسويات وتعمل لفرضها على المنطقة.

 وإذا كانت الأنظمة العربية المستسلمة تطلق على هذه المساعي اسم "المساعي لإزالة آثار عدوان 1967" فإن ما أكدته الأحداث حتى الآن وبشكل شديد الوضوح، هو أنها مساع لتوسيع آثار ذلك العدوان على الأمة العربية وتثبيتها.

 إن الأمور على الصعيد الواقعي تأخذ الشكل التالي:

 في عام 1967، وفي ظل غياب- أو بشكل أدق بعد تغييب- الحركة الجماهيرية العربية الواعية والمنظمة والنشيطة، ضمن سجون أنظمة عربية رجعية وديكتاتورية، قام العدو الصهيوني، بالتنسيق والتخطيط الكاملين مع الإمبريالية الأمريكية، بشن ذلك العدوان لتوجيه ضربة قاصمة لحركة التحرر الوطني العربية، ولاحتلال أراض فلسطينية وعربية والاحتفاظ بها كرهينة من أجل الضغط على الوضع العربي برمته للحصول على تنازلات كبرى ومتواصلة تتيح للتحالف الإمبريالي- الصهيوني أن يحقق كافة مراميه وأطماعه في المنطقة.

 ولا يتضح لنا حجم التطابق فيما بين مساعي التسوية السياسية منذ ذلك العدوان وبين الأهداف المشار إليها، إلا بعد أن نشخّص تلك الأهداف ونلمس ما حققته منها مساعي التسوية السياسية المذكورة حتى الآن:

الأهداف الإمبريالية:

 إن الإمبريالية العالمية، وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية بالطبع، تنظر لوطننا العربي من خلال عدة محاور متداخلة:

أ‌-       كمخزون هائل للنفط يشكل المصدر الرئيسي للطاقة وللعديد من المواد الأولية التي يعتمد عليها الاقتصاد الرأسمالي برمته، وتزداد الحاجة الماسة إليها يوما بعد يوم حتى في الولايات المتحدة نفسها.

وما من شك في أن حماية السيطرة على النفط العربي، وضمان تدفقه إلى العالم الرأسمالي، وضبط أسعاره ضمن حدود المصالح الإمبريالية.. كل ذلك يشكل هدفا رئيسيا للإمبريالية العالمية وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية.

ب‌-  كسوق واسعة وغنية لتصريف المنتجات الرأسمالية العالمية تتضاعف أهميتها بصورة كبيرة في ظل حالة الأزمة العامة التي يعاني منها الاقتصاد الرأسمالي العالمي. ويدخل في هذا المحور اهتمام الاحتكارات الإمبريالية باستعادة الثروات الضخمة التي تشكلها عائدات النفط. 

ج- كموقع استراتيجي بالغ الأهمية والخطورة في خريطة الصراع الدولي.. ولذا فقد احتلت مسألة تصفية العلاقات بين البلاد العربية والمعسكر الاشتراكي البند الأول على جدول نشاطات الإمبريالية الأمريكية في المنطقة (كان أول إعلان لكسينجر في تعاطيه مع مساعي التسوية هو تصريحه الشهير بأن هدف الولايات المتحدة الأول هو طرد السوفييت من المنطقة).الشهيد القائد وديع حداد

الأهداف الصهيونية:

إن الحركة الصهيونية تحمل في طبيعتها منذ نشوئها بعدين متمايزين من جهة ومتداخلين من جهة أخرى، هما: البعد الكولونيالي (الاستعمار الاستيطاني)، والبعد الإمبريالي (الاستعمار الحديث).

أ‌-       بالنسبة للبعد الأول تعتبر القضية الرئيسية هي إقامة "الوطن القومي" الصهيوني التوسعي، ويستحوذ الاستيلاء على الأرض وتهويدها على الأهمية القصوى في منظور أصحاب هذا البعد. وهم الصهاينة التقليديون (أو ما يسمى ب"الصقور") والمتعصبون أمثال كتلة "الليكود" والأحزاب الدينية.

ب‌-  أما بالنسبة للبعد الثاني, فيجري تركيز أكبر على توظيف هذا "الوطن القومي" في خدمة المطامع الاقتصادية "للإمبريالية الصهيونية" في المنطقة العربية. بحيث تكون "التسوية السياسية" فرصة تاريخية لفتح أبواب هذا العالم العربي على مصاريعها أمام الرساميل الصهيونية الكبرى. ويتمثل أصحاب هذا البعد بمن يسمون "الحمائم" وعلى رأسهم ناحوم غولدمان وكبار البيوتات المالية الصهيونية في إسرائيل وأوروبا وأمريكا.

آخذين بعين الاعتبار هذا التمايز النسبي فيما بين بعدي الصهيونية، نستطيع أن نرى التداخل القائم في الأهداف الصهيونية تجاه مسألة التسوية السياسية.

فمن جهة هناك ضغط صهيوني كبير من أجل تهويد أقصى ما يمكن من الأراضي التي احتلت عام 1967 والاحتفاظ بها، وحتى الحصول على المزيد (في جنوب لبنان).. ومن جهة أخرى هناك ضغط صهيوني آخر من أجل الحصول على تسوية سياسية تفتح أبواب المنطقة أمام "الإمبريالية الصهيونية".

الضغط الأول يركز على الضمانات الإقليمية (الجغرافية) للحدود الآمنة التي يجب أن توفرها التسوية، في حين يركز الضغط الثاني على الضمانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يجب أن تقوم عليها التسوية، أي السيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على المنطقة المحيطة بالكيان الصهيوني. (من ذلك مخطط تمزيق المنطقة إلى دويلات طائفية وعنصرية ومذهبية مختلفة ومتناحرة).

 إن التمايز بين هذين المحورين في الأهداف الصهيونية لا يبلغ حدود التعارض.. بل إن حيزا كبيرا من التلاؤم والتنسيق يقوم بينهما، بحيث يتحول الموقف الصهيوني العام إلى المعادلة التالية:

 الانسحاب من أقل ما يمكن من الأراضي المحتلة عام 67 وعام 73 مقابل الحصول على أقصى ما يمكن من التنازلات العربية (في كافة المجالات). مع توفير أقصى العوامل التي تساعد على هضم تلك التنازلات وتحويلها إلى وقائع غير قابلة للتغيير.

  إن التنسيق بين الموقفين الأمريكي والصهيوني هو الذي يحكم مساعي التسوية منذ عام 1967، ويزداد هذا التحكم "خطوة- خطوة"، بغض النظر عن حجم العوامل الأخرى الداخلة في تفاصيل هذه المساعي.. فالمحصلة العامة جاءت مؤكدة لحقيقة التحكم الأمريكي- الصهيوني.. وها هي الوقائع.

1-    جرى إخضاع المنطقة بصورة شبه كلية للنفوذ الأمريكي، وباتت الأكثرية الساحقة من الأنظمة العربية تدور في فلك هذا النفوذ.

2-    جرى إنزال ضربات قاصمة بالعلاقات بين البلاد العربية والمعسكر الاشتراكي عامة والاتحاد السوفييتي خاصة.

3-    جرى إخضاع النظامين المصري والسوري للرجعية العربية، بحيث أصبح "التضامن العربي" الراهن برمته محكوما بنفوذ الرجعية السعودية خاصة والرجعية النفطية عامة، وذلك كله تحت مظلة الولايات المتحدة الأمريكية.

4-    جرت تحولات داخلية في ظل النظامين المشار إليهما سابقا لصالح تحالف طبقي جديد يشكل قاعدة للانحراف وللارتباط بالسوق الإمبريالية، وهذا التحالف يضم الرجعية التقليدية جنبا على جنب مع البرجوازية الجديدة شديدة الشراهة وشديدة البعد عن أية طموحات إنتاجية أو إنمائية، وبالتالي عن أية طموحات وطنية أو قومية تحررية.

5-    جرى تطويق القوى الثورية العربية، وفي مقدمتها حركة المقاومة الفلسطينية، وفرضت شروط هذا الوضع العربي الجديد عليها.. كما جرى تعميم المناخ الديكتاتوري في المنطقة العربية.

6-    جرى التحكم شبه المطلق بسياسة النفط والعائدات لصالح الاحتكارات الإمبريالية.أ حافظ الأسد

هذا بالنسبة للأهداف الإمبريالية، أما بالنسبة للأهداف الصهيونية فقد جرى ما يلي:

1-    مرت حتى الآن عشر سنوات (أي ما يعادل نصف عمر الكيان الصهيوني حتى عام 1967) دون أن تكون قوات الاحتلال قد انسحبت إلا من بضعة كيلومترات على الجبهتين السورية والمصرية. في الوقت الذي تتعاظم فيه وتتعمق سياسة التهويد وزرع المستعمرات في الأراضي المحتلة.

2-    أصبح الاستعداد للاعتراف بالكيان الصهيوني معلنا، بصورة مستمرة، على ألسنة معظم الحكام العرب.. وحتى على لسان قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.. وانتقل هؤلاء الحكام من رافضين للمفاوضات والصلح مع العدو الصهيوني (قرارات مؤتمر الخرطوم عام 1967)  إلى مستميتين في سبيل تلك المفاوضات وذلك الصلح.

3-    جرى إجهاض حرب تشرين وتبديد إيجابياتها التي كان يمكن أن تشكل منطلقا لنهوض نوعي واسع في الموقف العربي.

4-    جرى "فصل القوات" على الجبهتين المصرية والسورية ووضع الفنيين وأجهزة الإنذار المبكر الأمريكية في سيناء، بحيث يتضاءل الأمل أمام الشعب العربي باحتمالات أية حرب عربية جديدة بعد حرب تشرين.

5-    جرى المرور الحر للبضائع الصهيونية في قناة السويس وتخفيف قيود المقاطعة العربية في مصر، وترسيخ سياسة الجسور الاقتصادية المفتوحة في الأردن (ومؤخرا عبر جنوب لبنان) وفتح البوابات في الجولان.

6-    أعلن عن اتفاق رسمي بين وزارة التربية والتعليم في الكيان الصهيوني ووزارة التربية والتعليم في مصر، للتعاون وتبادل الخبرات في "شؤون التربية الوطنية ومناهج التعليم" بين الوزارتين. كما أن السادات أبلغ واشنطن خلال زيارته لها في نيسان 77 أنه على استعداد لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل خلال خمس سنوات من توقيع اتفاق بإنهاء حالة الحرب!

7-    جرى استخدام الأنظمة العربية لضرب الثورة الفلسطينية وتنفيذ المجازر الدموية ضدها وضد الحركة الوطنية اللبنانية. الأمر الذي كانت تعجز عنه قوات العدو الصهيوني (صرح اسحق رابين خلال أحداث لبنان "أن القوات السورية قتلت من الفدائيين الفلسطينيين في أسبوع واحد أكثر مما كان يمكن أن تقتله القوات الإسرائيلية في سنتين").

8-    جرت إثارة المشاعر والعصبيات الطائفية والمذهبية والعنصرية في الوطن العربي، بشكل لم يسبق له مثيل، كما جرى تفجيرها بشكل دموي مريع في لبنان, وهناك مساع واضحة لتفجيرها في الأقطار العربية الأخرى.صدام حسين

كل هذا- وغيره كثير- جرى في ظل مساعي التسوية السياسية ومن ضمنها، ودون أن يكون قد استعيد من الأراضي المحتلة إلا بضعة كيلومترات على الجبهتين المصرية والسورية كما قلنا سابقا.

 إن سياسة الأنظمة  العربية تجاه مساعي التسوية  السياسية، هي بشكل واضح، خضوع لقواعد اللعبة التي يتحكم بها التحالف الإمبريالي- الصهيوني.. فهذه الأنظمة تعمل لاستعادة بعض الأراضي المحتلة عام 67 عن طريق كسب رضا ذلك التحالف بتقديم التنازلات الكبرى له.

 وهذه بالضبط هي قواعد اللعبة الأمريكية الصهيونية. وليست التنازلات في ظل هذه القواعد إلا تفريطا بأوراق القوة العربية لصالح المزيد من الاختلال في موازين القوى المحكومة أصلا بتفوق الطرف الآخر.. بالرغم من ضخامة الإمكانيات العربية التي تكبلها هذه الأنظمة وتعطلها".(ص4و5و6و7).

 "أما التصدي الجاد والفعال لمشاريع التسوية السياسية هذه بوصفها مخططا إمبرياليا صهيونيا يستهدف المنطقة ككل فهو المهمة المركزية والمشتركة لكل القوى الوطنية والتقدمية والثورية على اتساع المنطقة العربية. وهذه القوى تملك، في الحقيقة، طاقات وإمكانات لا حصر لها، كما تملك تراثا من الخبرات النضالية.. إلا أن ذلك كله تعطله حالة التشتت والتبعثر وغياب الإستراتيجية الموحدة.. ومن هنا فإن أول بند على جدول أعمال المجابهة الثورية يجب أن يكون وحدة الصف الوطني التقدمي على اتساع الساحة العربية، الأمر الذي يستوجب الوصول إلى برنامج ثوري شامل ومشترك تلتقي عليه كل القوى الوطنية والتقدمية العربية.. وهو لا يمكن أن يكون إلا البرنامج النقيض للمخطط الإمبريالي الصهيوني الرجعي الذي تقوم إستراتيجيته على أساس تمزيق هذه المنطقة والسيطرة عليها بصورة كلية وترتكز هذه الإستراتيجية على النقاط التالية:

1-    إن النقطة المركزية الأولى التي استند إليها لتحقيق ضربته عام 1967 وللاستمرار في هجمته اللاحقة وتحقيق مكاسبه المعلومة، هي حذف دور الجماهير في الحياة السياسية العربية، سواء في ظل ديكتاتورية الأنظمة العسكرية "التقدمية؟" أم في ظل ديكتاتورية الأنظمة الرجعية.

2-    والنقطة الثانية هي تبعية الأنظمة العربية وخضوعها للمخطط وتضامنها لتنفيذه.

3-    والنقطة الثالثة هي تنشيط ودعم التحالف الطبقي الرجعي المعادي للمصالح الشعبية على الصعيدين القطري والقومي (الإقطاع والبرجوازيتين التقليدية والحديثة). وتثبيت نظم هذا التحالف الديكتاتورية هنا وهناك وتعميق تبعيتها من خلال ربط مصالحها الطبقية الضيقة بشبكة المصالح الإمبريالية الصهيونية في المنطقة."(ص24)

أما عن مخطط المجابهة فيرد التالي:

"لا بد أن يلتزم بما يلي:نزار حمدون

1-    تحديد معسكر الثورة محليا، قطريا وقوميا، وهو تحالف كل القوى الوطنية والتقدمية. وهذا لا يعبر عنه إلا من خلال جبهات وطنية قطرية تضم القوى السياسية التقدمية.. ثم من خلال جبهة قومية تقدمية عريضة تنبثق عن هذه الجبهات الوطنية القطرية وتنسق فيما بينها وتنظم نضالاتها على الصعيد القومي الشامل في مواجهة مخطط العدو.

2-     تحديد صيغة العلاقات داخل هذه الجبهات الوطنية ثم داخل الجبهة القومية وكذلك بينها جميعا وبين الشعب.. وهذه الصيغة لا يمكن أن تقوم إلا على أساس الوحدة الوطنية، والديمقراطية.  فبغير الوحدة الوطنية والديمقراطية لا يمكن أن يكون هناك حضور حقيقي للجماهير ومشاركة فعالة من قبلها في المعركة. ولا يمكن بالتالي تفجير طاقاتها الكامنة التي هي المصدر الأساسي لإمكانيات تغيير موازين القوى والصراع. إن هذه النقطة يجب أن تكون واضحة وإستراتيجية وملتزما بها من قبل كافة القوى الوطنية والتقدمية، وبكل ما يحمله تعبيرا الوحدة الوطنية والديمقراطية من معاني سياسية واجتماعية وحضارية"(ص25).

"إن البرنامج الديمقراطي الثوري يجب أن يوضح الموقف من الوضع الدولي بكل وضوح:

1-    التحالف الإستراتيجي الثوري مع المعسكر الاشتراكي وخاصة الاتحاد السوفييتي.

2-     التحالف مع حركات التحرر الوطني وهي تخوض معركتنا نفسها في مواجهة العدو الإمبريالي وملحقاته.

3-     التحالف مع القوى الديمقراطية والتقدمية واليسارية في البلدان الرأسمالية عامة والأوروبية خاصة."(ص26) 

"لا يكون تصحيح المسار إلا بالعودة لتعريب القضية الفلسطينية ومدخل هذا التعريب يبدأ من سورية البلد الذي يحتل الموقع الإستراتيجي الأهم في المنطقة والبلد الذي ارتبط تاريخ شعبه بالنضال القومي وفي مقدمته النضال الفلسطيني. والتغيير في سورية يجب أن يكون في إطار جبهة وطنية ديمقراطية عمادها الوحدة الوطنية والديمقراطية، لا بالنسبة للنظام السياسي فحسب بل أيضا في العلاقات الجبهوية وداخل كل فصيل من فصائل تلك الجبهة وسيفتح (هذا التغيير) أبواب اللقاء القومي والوطني المتحرر، لأول مرة فيما بين القطرين السوري والعراقي، بكل ما يشكله هذا اللقاء من قاعدة إستراتيجية هائلة لحركة الثورة العربية ماديا وبشريا وجغرافيا". (ص33).

 وقد يكون من المفيد التذكير بأنه قبل ظهور غورباتشيف وإعلانه شعار (البيروستويكا) "الشفافية"، كنا قد أعلنا في ذلك الكراس شعار "الدولة العلنية" إذ ورد حرفيا: "من كل ما  تقدم يتضح أن منهاج الجبهة الوطنية الديمقراطية والقومية التقدمية في سورية، يجب أن يتوجه في سياسته الداخلية نحو بناء الدولة العلنية  ... دولة الشعب الديمقراطية كبديل عن دولة المخابرات والأجهزة السرية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية" (ص 46).

أمضيت مع أكرم الحوراني قرابة الشهر، وكانت تلك المرة الأولى التي أقضي فيها وقتا طويلا في دولة غربية! ما يثير الخوف من احتمال التعرض لمخاطر معينة بعد عملي السابق في مجلة "الهدف" وتولي الحديث مراراً (صحافياً وتلفزيونياً) كناطق بلسان "الجبهة الشعبية". وهذا ما دفع أحد قادة الجبهة للاتصال بزوجتي في بغداد والطلب منها أن تتصل بي وتبلغني رسالة بأن الرفاق يطلبون مني العودة بأسرع ما يمكن وهم لا يريدون "باسلاً آخر في باريس"! في إشارة للشهيد الدكتور باسل الكبيسي الذي سبق أن تم اغتياله في أحد شوارع العاصمة الفرنسية.

وبالفعل حجزنا معا مقعدين على الطائرة العراقية إلى بغداد، لكن الأستاذ أكرم تلقى قبل موعد سفرنا بيومين اتصالاً من الأخ  يحيى (حمدان) أحد قادة "فتح" ليتفق معه على اللقاء في جنيف بسويسرا، فطلب مني إلغاء الرحلة إلى بغداد لمرافقته إلى ذلك الموعد. وعندما وجدني مصمماً على العودة، قال لي سأحاول أن أقترح على الصديق أحمد محفل أن يرافقني، وإذا وافق تسافر أنت قبلي إلى بغداد. وهكذا كان.

 ولعله من المواقف الإنسانية التي لا تنسى المرتبطة بمرض الأستاذ أكرم وعلاجه، وكنت شاهدا عليها بعد عودته إلى بغداد، هو مبادرة شقيقته إلى القدوم من حماه للقاء شقيقها بعد انقطاع دام أكثر من اثنين وعشرين عاماً إثر إقدام ولدها غالب الشيشكلي على قتل شقيقها واصل في العام 1955، ثم إقدام الجماهير على قتل القاتل على الفور. فقضت حياتها في حزن مركب على ولدها وشقيقها وما أعقب ذلك من قطيعة مع أهلها. غير أن مرض الأستاذ أكرم كان القطرة التي طفح فيها كيل الحزن فلم تعد تحتمل المزيد.. وهكذا بادرت إلى تلك الرحلة التي شهدنا خاتمتها بعناق بين الشقيق وشقيقته يحاول أن يطفئ نيران سنين من الحزن بالدموع.

 بعد عودتنا إلى بغداد وإنجاز طباعة الكراس وتوزيعه بشكل محدود، تم التوافق مع الأستاذ أكرم والرفيقين الدكتور عبد الرحمن منيف والمحامي سركيس ركيس، على الشروع بمحاولة جادة لإحياء تنظيم "الاشتراكيين العرب" في الخارج على ضوء المفاهيم الواردة فيه وكذلك على ضوء التجارب الماضية. وقد عقدنا من أجل ذلك سلسلة من الاجتماعات في منزل الدكتور منيف كنا نسجل فيها حوارنا ونقاشاتنا على أشرطة كاسيت بلغ عددها عشرة أشرطة.

 مع ذلك لم نقطع في هذا الحوار فترة طويلة حتى تأكد لنا أن ما نطلبه هو المستحيل فلم يكن النظامان العراقي والسوري جادّين، لا في وارد اللقاء فيما بينهما ولا في وارد العمل على التغيير هنا أوهناك! وبالإضافة للحدود التكتيكية في تعاملهما تجاه مسألة العلاقة مع موسكو، وربما موقف الاتحاد السوفييتي غير البعيد عن ذلك تجاه العاصمتين. ولم نكن نجد تفسيراً لعدم جدية مواقف النظامين من بعضهما البعض، لا على صعيد اللقاء ولا على صعيد الخلاف، سوى أنه يعكس هاجس كل منهما تجاه تحمل مسؤولية الحكم في القطرين الأمر الذي يمكن أن "يورطهما" في مجابهة مع إسرائيل هما غير مستعدين لتحمل أكلافها! وللتاريخ يجب أن نذكر للأستاذ أكرم أنه كان، رغم حدة مواقفه وراديكاليته، يبتعد عن مواقف "التخوين" التي كانت تتبادلها وسائل الإعلام هنا وهناك. وهكذا ارتأى في النهاية أن مواصلة العمل لإعلان ذلك التنظيم لن تؤدي إلى أية نتيجة إيجابية مقابل ما سيرتبه على رفاقنا في الداخل من  تبعات  وتضحيات جسيمة. فتقرر التوقف عن مواصلة تلك المبادرة. أ سركيس سركيس الاشتراكيين العرب

 في تلك الفترة بالذات طلب الأستاذ أكرم مني أن أرتب له لقاء مع الدكتور وديع حداد. وقد تم ذلك في مكتب تابع للأخير بحضوري وحضور ثلاثة من رفاق وديع. حيث جرى استعراض للوضعين الفلسطيني والعربي. وكان ثمة تطابق في وجهتي نظر الرجلين حول أن تراكم الوجود الفدائي الفلسطيني في لبنان لا يحقق أي هدف جدي للثورة الفلسطينية، في الوقت الذي يشكل فيه خطراً على لبنان وعلى الثورة الفلسطينية وقضيتها، لاسيما في ظل الدور الذي يقوم به النظام السوري على الأراضي اللبنانية، وأن سورية متحررة وديمقراطية وملتزمة بالقضية الفلسطينية وثورتها هي الموقع الطبيعي لانطلاق عمل فدائي فلسطيني وعربي قادر بالفعل على تحمل مسؤولية المجابهة مع إسرائيل وتغيير موازين القوى في الصراع العربي- الصهيوني كله.

وفي سياق هذا الحديث تساءل الدكتور وديع عن جدوى القيام بعملية لاغتيال الرئيس حافظ الأسد.. فكان جواب الأستاذ أكرم سريعا وحاسما: إياكم ثم إياكم. أولا إن الاغتيال السياسي مرفوض بالمبدأ. وثانيا إن هذا الاغتيال بالذات لا يغير النظام أبداً، فشقيقه وغير شقيقه حاضرون للحلول محله واستئناف الدور، بعد أن تشعل عملية الاغتيال مجازر لا حدود لها في سورية، قد تتحول إلى حرب أهلية طائفية!

   بعد فترة قصيرة كنت عند الدكتور وديع، فطلب الاتصال بالأستاذ أكرم لتحديد موعد رد الزيارة له، فكان جوابه: "تفضلوا في أي وقت، أهلا وسهلا".. وقد رحب باقتراح وديع أن نقوم بها على الفور. وهكذا كان.. فتوجهنا مباشرة إلى هناك حيث وجدنا بعض المعارضين السوريين عنده، فاقتصر الحوار، رغم الجو الودي، على أحاديث عامة تتعلق بالأوضاع الفلسطينية والعربية عامة.

هذه الزيارة أصبحت فيما بعد مدارا للغط كثير يتعلق بعملية اغتياله، حتى وصل الأمر إلى نشر الرفيق بسام أبو شريف في كتابه عن وديع رواية تقول إن السم قد دس للدكتور وديع، من قبل المخابرات العراقية، خلال حفلة في حديقة منزل الأستاذ أكرم في بغداد. وقد نشرت  بتاريخ 14-1-2014 ردا على هذا الادعاء في صحيفة "الأخبار" اللبنانية التي كانت قد نشرت تلك الرواية. جاء فيه ما يلي:

"نشرت «الأخبار» مقالاً للأستاذ أسعد أبو خليل يعقّب فيه على كتاب الرفيق بسام أبو شريف عن المناضل وديع حداد. وقد ورد في الكتاب والتعقيب أنّ وفاة الدكتور وديع كانت نتيجة تسمم أصابه في منزل الأستاذ أكرم الحوراني في بغداد. بما أنني كنت برفقة الدكتور وديع في تلك الزيارة الفريدة، كما كنت قبلها برفقة الأستاذ أكرم في زيارته للدكتور وديع، أجد من الضروري الإدلاء بشهادتي حول الموضوع، الذي كان مدار لغط شفوي طوال الفترة الماضية، قبل أن يضعه الرفيق بسام بصورة كتابية توثيقية.

                كان برفقة الدكتور وديع ثلاثة من رفقائه، كما حضر خلال الزيارة ضيوف آخرون من المعارضين السوريين الذين كانوا يقيمون في بغداد. وعندما قدمت أم جهاد (زوجة الأستاذ أكرم) القهوة في صالون البيت، لا في الحديقة (كان الوقت شتاء)، قدمتها على صينية كبيرة، وقد تناول كل من الحاضرين فنجانه بيدهوبناءً عليه كان مستحيلاً على أي جهة تقدير الفنجان الذي سيتناوله وديعأما في حال تسميم القهوة كلها، فكان من الطبيعي أن يتسمم الآخرون.

          بالنسبة إلى الاستخبارات العراقية، كان بإمكانها تسميم الدكتور وديع في أي وقت وبأي شكل، طالما أن البيوت والمقارّ التي كان يستخدمها في بغداد كانت تحظى كلها برعاية الأمن العراقي.

          الواقعة الصحيحة فعلاً هي أنّ الدكتور وديع شعر بالألم في معدته بعد تناوله تلك القهوة، لكن القهوة قد تكون محفزاً للألم لا سبباً له. وانطلاقاً من هذه الواقعة، دار الحديث في بعض أوساط المقربين من الدكتور وديع حول هذا الأمر، وتحول على نحو عفوي وساذج إلى فرضية أن التسمم قد حصل في بيت الأستاذ أكرم، لكن هذا لا ينفي أن تكون ثمة جهات وجدت في ذلك فرصة للفت الأنظار عن الجهة الحقيقية التي سممت الدكتور وديع، والمكان الحقيقي الذي جرى فيه التسميم بنوع من السم لا يمكن أن يكون من ذلك الذي يوضع في فنجان قهوة، وإلا لكانت الفحوص الطبية في ألمانيا قد كشفته. مع كل محبتي وتقديري لـ«الأخبار» وللرفيقين العزيزين  بسام وأسعد".

                             

ما بعد زيارة السادات لإسرائيلأنور السادات و كيسنجر

 لا شك أن زيارة الرئيس أنور السادات للقدس المحتلة وما تلاها من تطورات (اتفاقيات "كامب ديفيد" ومعاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية) قد أحدثت تغييرا زلزاليا في الخريطة الجغرافية- السياسية للمنطقة برمتها. وبالذات على صعيد الموقف في الجبهة الشرقية.. فقد أتاح خروج مصر من معادلة الصراع  فرصة أن تستفرد إسرائيل بتلك الجبهة وأن تصبح دمشق في موقف شديد الخطورة تحت رحمة التفوق العسكري الصهيوني... كما أن بغداد نفسها لا يمكن أن تكون بمنأى عن تداعيات مثل ذلك الخطر.

 وما من شك في أن هذا الأمر كان موضع قلق لدى كل من يعنيه مصير وطنه في عموم أنحاء الوطن العربي، وبشكل خاص في سورية والعراق وفلسطين.

 بالنسبة لي، كسوري واشتراكي عربي وإعلامي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كان طبيعيا جدا أن أشعر بالقلق الشديد في ظل هذا الوضع المستجد ومخاطره، فقمت بصياغة مشروع مذكرة (تحمل تاريخ 25-1-1978) موجهة من "الاشتراكيين العرب" إلى القيادة العراقية تشرح رؤيتنا للأمر ومخاطره وما يمكن أن يكون عليه الموقف في دمشق سواء على صعيد القطاعات الشعبية أو العسكرية أم على صعيد القيادة التي لا بد وأن تكون مستشعرة لخطورة وقوفها وحيدة في مواجهة التهديد العسكري الإسرائيلي. وتخلص تلك المذكرة في النهاية إلى اقتراح أن تقوم القيادة العراقية بمبادرة تجاه سورية تدعو قيادتها إلى طي صفحة الخلاف وفتح صفحة جديدة من التعاون الوحدوي لبناء جبهة شرقية موحدة في مواجهة الخطر الداهم...فإما أن يكون جوابها الرفض وهذا ما يحرجها أمام شعبها وجيشها والعرب أجمعين، ما يساعد على إضعافها لصالح المعارضة.. وإما أن تقبل فيكون ذلك أفضل بكثير وهو المرجو.. لينفتح الأفق واسعا أمام مشروع بناء جبهة شرقية جادة ومؤثرة في الوضع العربي كله.

 وقمت بعرض ذلك المشروع على أكرم الحوراني فتبناه بحماس وقام على الفور بالاتصال مع  نزار حمدون مدير المكتب السوري في القيادة القومية، وطلب منه الحضور إلى بيته حيث أطلعناه على المذكرة ليرفعها إلى القيادة العراقية باسم "الاشتراكيين العرب". فقرأها بحضورنا وتحمس لها، هو الآخر، ووعد بأن يرسل نسخة منها لكل عضو في القيادة، مشددا على رجائه أن يبقى الأمر سرا بيننا نحن الثلاثة.. (والملفت أنه لم يعمد إلى طباعتها، بل قام بتصويرها وهي بخط يدي! وأعاد لنا نسخة منها لنحتفظ بها).

  بعد فترة قصيرة حدثت المفاجأة بالإعلان في كل من بغداد ودمشق عن اتفاق على الشروع بمفاوضات من أجل مشروع وحدوي بين البلدين نجم عنها توقيع "ميثاق العمل القومي" بينهما في تشرين أول  تشرين الأول\أكتوبر 1978.

  بالتأكيد لا يمكن القول إن تلك المذكرة، التي أشار إليها الحوراني في مذكراته، هي التي صنعت ذلك الموقف، وإن كانت قد ساهمت- على ما يبدو- في حوار كان يجري داخل كل من القيادتين حول سبل مواجهة الموقف الخطير الذي نشأ عن مبادرة السادات.. وقد يكون رجّح لدى البعض أن مخاطر الإقدام على عمل وحدوي في ذلك الظرف قد تكون أقل من مخاطر عدم الإقدام عليه، آخذين بالاعتبار أن إسرائيل ربما تكون حريصة، في تلك الفترة على الأقل، على عدم تعريض نظام السادات والفوز بالسلام معه والخروج بمصر من معادلة الصراع، لضغوط كبيرة قد يثيرها شن حرب ضد سورية والعراق. وقد ورد في المذكرة حول هذا الموضوع ما يلي:

"نستبعد احتمال أن يشن العدو الصهيوني حربا ضد الجبهة الشرقية قبل استكمال مقومات صمودها، لأن إقدامه على ذلك، قبل أن يضمن السيطرة على مصر، يهدد كل ما حققه من إنجازات على صعيد السعي لتحقيق تلك السيطرة.. فإمكانات تمرد الجيش والشعب في مصر ما تزال قوية جدا"..

أما خطر أن تتدخل إيران بشكل عدواني في هذا الأمر فقد استبعدناه هو الآخر. وقد ناقشته المذكرة على الشكل التالي:

 "وهنا لا بد من تأكيد الحقائق التالية:

1-    إن إيران تعتبر من أكثر المجتمعات تفككا من الناحية القومية حتى ليقال إن الإيرانيين هم أقلية بالنسبة لمجموع الأقليات القومية والعرقية الأخرى، وهي كلها أقليات تعاني الأمرين من اضطهاد النظام الشاهنشاهي القومي الشوفيني والطبقي. وهذا ما يشكل عامل ضعف كبير يحد من قدرات النظام الإيراني الهجومية.

2-    إن المعارضة التقدمية داخل إيران قد تعاظمت خلال السنوات الأخيرة ووصلت ذروتها في المرحلة الحالية مع قيامها بمظاهرات علنية بعد ثلاثة عقود من أبشع صنوف الإرهاب. وما من شك في أن هذه المعارضة التقدمية الصديقة تعتبر من أكثر قوى المعارضة بسالة في العالم بعد أن امتحنتها العقود المشار إليها.. كما أن لها أذرعا ممتدة في كل أنحاء العالم.

3-    إن موقع إيران بين الاتحاد السوفييتي من جهة والجبهة الشرقية المأمولة من جهة أخرى يقلص إلى حد بعيد من قدرتها على الحركة، كما أن هذا الوضع يهدد أخطر منطقة في العالم (الخليج) بالاشتعال في حالة الانفجار العسكري فيها، وهو أمر تحسب الإمبريالية ألف حساب قبل أن توعز به أو تأذن له.

4-    إن التحرك العسكري الإيراني المكشوف في المنطقة لا بد وأن يثير حساسية وخشية قوى عربية هي الآن ضمن المعسكر الرجعي، ما يهدد بأن يفتح أمام الامبريالية الأمريكية صراعا مشابها للصراع التركي – اليوناني الذي هدد حلف الأطلسي برمته، وما يزال الغرب كله يعاني من نتائجه.الملك حسين بن طلال

5-    إن ضخامة التسلح الإيراني لا تشكل قدرة قتالية بنفس الحجم.. فالقوات الإيرانية ليست بمستوى هضم تلك الترسانة التي تقدمها لها الإمبريالية الأمريكية كوسيلة احتيال لتصريف إنتاج مصانعها الحربية على حساب شعوب إيران وثرواتها، كما تستخدمها في الوقت نفسه كأداة إرهاب دعائية ضد المعارضة الداخلية وضد الشعوب المجاورة".

وما من شك في أن العودة إلى تلك الأيام وقراءة الأحداث على ضوء مناخاتها ستؤكد أنه كان لوهج اللقاء الوحدوي بين العراق وسورية تأثير إيجابي مهم على صعيد رفع معنويات المعارضة الإيرانية ووتيرة نضالاتها وتظاهراتها وصولا إلى الإطاحة بنظام الشاه بعد أشهر قليلة من الشروع بتحقيق ذلك اللقاء.

  في الحقيقة ما أن أعلن عن المبادرة الوحدوية بين القطرين العراقي والسوري حتى عمت الفرحة ومظاهر التأييد في مختلف أرجاء الوطن العربي، فقد اعتبرتها الجماهير في كل مكان  (وبالذات في البلدين المعنيين) الرد العملي والجدي والمباشر على ما أحدثه الموقف الساداتي من انهيار في وضع المواجهة العربية. وما يزال مشهد الحشود الشعبية العراقية التي انصبت على معرض تجاري سوري أقيم في معرض بغداد آنذاك، خير معبر عن حجم الشوق التاريخي لجماهير القطرين للقاء بينهما وإزالة الحدود المصطنعة التي تحول بينهما وبين مثل هذا اللقاء. (وقد أطلقنا في حينه مقولة أن الوحدة بين سورية والعراق لا تحتاج لجهود وحدوية من قبل الدولتين، بل يكفي وقف إجراءاتهما ومواقفهما المعطلة والمانعة للوحدة، كي تقوم الجماهير في البلدين بالاندماج الفوري).

لقد تجسدت فورا صورة كيان قومي عربي يمتد من المتوسط إلى الخليج، يوحّد الإمكانات العسكرية والاقتصادية والبشرية لأهم قطرين من أقطار المشرق.. والدليل على ذلك كان انصياع كل الأنظمة العربية للدعوة المشتركة التي أطلقها البلدان لعقد قمة عربية في بغداد من أجل دراسة الموقف بعد خروج مصر السادات من المعركة، فلم يجرؤ أي نظام عربي (بمن في ذلك الذين كانوا قد وعدوا السادات بتأييده، وربما باللحاق به) على التخلف عن تلك القمة.

  لقد فرض اللقاء العراقي- السوري نفسه على الجميع، وفي هذا المناخ خرجت القمة التي انعقدت ما بين 2و5 تشرين الثاني (نوفمبر) 1978 بموقف داعم لدول المواجهة (وبتقديم دعم مالي لمدة عشر سنوات لكل من سورية والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية).

  لقد كنت أنا والأستاذ أكرم من أشد المتحمسين للمشروع الوحدوي، خلافا للاجئين السياسيين السوريين في بغداد الذين لم يخفوا مواقفهم السلبية منها. وعندما بدا للأستاذ أكرم أن المفاوضات التي بدأت بين البلدين تكاد تغرق في التفاصيل الحزبية، وراودته مخاوف كبيرة على المبادرة، طلب مني كتابة مذكرة أخرى، حملت تاريخ 20-12-1978 (قمت بكتابتها تحت إشرافه المباشر). وتم رفعها (كما السابقة) إلى القيادة العراقية، تلقي الضوء على بعض تلك المخاطر وتحذر منها. وكان في صلب تلك المذكرة الدعوة لعدم الانزلاق بالمشروع الوحدوي إلى متاهة المشاكل الحزبية (التي كنا نعرف مدى تعقيدها، وبالتالي مدى خطورتها على الوحدة المنشودة) داعين إلى التعامل من منظور وطني وقومي واسع مع الأولويات الأجدر بالاهتمام والأكثر جذبا للتأييد الشعبي في البلدين لتحقيق خطوات عملية وجدية في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها، قبل الغوص في مشكلات الوحدة الدستورية وعملية توحيد الحزب مثلا. وقد ورد فيها ما يلي:

"إن النجاح في بناء التجربة الوحدوية الحالية بين العراق وسورية له أهمية حاسمة بالنسبة للنضال العربي كله وعلى امتداد حقبة زمنية طويلة.. فنجاح هذه التجربة لا يقتصر على مسألة توفير القدرة الدفاعية الآنية في وجه مخاطر راهنة فحسب، بل هو يتعدى ذلك إلى مسألة توفير القدرة الإستراتيجية غير المحدودة لحركة التحرر العربي، أي قدرتها على صياغة مستقبلها ومستقبل المنطقة العربية برمتها ودورها الحضاري الإنساني.

 هذا في حين أن أي فشل في هذا التوجه ستترتب عليه آثار وانعكاسات سلبية كبيرة جدا، بعد فشل العديد من المشاريع الوحدوية والاتحادية التي عرفناها في العقدين الماضيين، وفي مواجهة الأخطار المصيرية التي تتهدد الأمة.

 وفي سبيل التحصين ضد الانتكاسات، وضمان النجاح المطلوب نرى أن تأخذ عملية البناء الوحدوي الراهنة دروس الماضي بعين الاعتبار، وندعو تخصيصا إلى ما يلي:

1-    الاهتمام أولا ببناء القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية للوحدة. ومن ثم تأتي الخطوات الوحدوية على الصعيد الدستوري ترجمة طبيعية للنجاحات التي تكون قد تحققت على هذه الصعد القاعدية.

2-    أن يأخذ البرنامج الوحدوي في كافة مجالاته، أن الوحدة هي عمل ثوري كبير له أعداء وله أصدقاء، وذلك على كافة الأصعدة الداخلية والقومية والإقليمية والدولية... وأيا كانت الضرورات التكتيكية، يبقى العمل الثوري محصنا طالما كان برنامجه الاستراتيجي واضحا في وعيه لمواقع الأعداء ومواقع الأصدقاء.

3-    إن الوحدة بهذا المفهوم هي فعل نضالي وثوري وجماهيري. فالجماهير هي قوتها وهي معينها الذي لا ينضب لأنها صاحبة المصلحة الحقيقية والمستمرة فيها.. أي لأنها صاحبة الوحدة بالمعنى الحقيقي والشامل.. فلا تكون هذه الوحدة حكرا على فئة أو حزب أو حتى طبقة، بل يجب أن يشعر الشعب كله بأن الوحدة هي ملكه.

4-    الوحدة هي فعل ثوري مستمر، فهي بقدر ما تتحمل مسؤولية صياغة العلاقات الوحدوية بين القطرين العراقي والسوري بصورة سليمة، بقدر ما تكون مؤهلة ومسؤولة عن الاستمرار بالنضال الوحدوي لجذب الأقطار الأخرى نحو التحرر والانضمام للوحدة.. وعلى هذا الأساس تكون هذه الوحدة نواة الوحدة العربية الكبرى، كما تكون صورتها المبكرة في الارتباط مع كل نضال تقدمي وتحرري في العالم.

لهذا فإننا نرى أن صيغة البناء الوحدوي يجب أن تضع نصب عينيها وعلى الدوام مسألة المصالح المشتركة للشعبين وفي مقدمتها بالطبع مصلحة القضية القومية. فتنجز من الخطى ما يحقق تلك المصالح ويعززها ويحميها.. فاستلهام هذه المصالح في كل الخطى هو ما يحصن البناء الوحدوي ضد كل احتمالات الانتكاس. حيث تصبح كل الخلافات سواء داخل الحكم أو خارجه، في هذا القطر أو ذاك، عاجزة عن التأثير على البناء الوحدوي.. إذ لا يمكن لتلك الخلافات أن تتحول إلى خلافات مع الوحدة بل تبقى خلافات ضمن حدود الوحدة".

 حتى رفيقنا سركيس سركيس لم يكن يشاطرنا هذا الحماس، بل على العكس (ربما متأثرا بأجواء أصدقائه الكثر من اللاجئين السوريين الآخرين) كان يبدي موقفا سلبيا. وقد نقل لي في حينه أن نزار حمدون استدعاه إلى مكتبه وفاتحه خلال الحديث أنه هو الآخر معارض لهذه "الوحدة". وبسبب شعوري بخطورة أن يكون شخص في هذا الموقع الحساس والمقرب من صدام مباشرة (مسؤول المكتب السوري في القيادة القومية) معارضا إلى درجة الحديث الصريح مع الرفيق سركيس بهذا الأمر، قمت بنقل الحديث للأستاذ أكرم. وقد سألني (كما هو وارد في مذكراته) إذا ما كنت على استعداد لمواجهة سركيس بحضور نزار حول هذا الموضوع. أجبته: "إنني على أتم الاستعداد".

بعد فترة قصيرة كان انعقاد مؤتمر قمة بغداد. وقد توفرت لدى الأستاذ أكرم بعض الشكوك من خلال أحاديث متواترة داخل صفوف المعارضة السورية بأن ثمة احتمالا لتدبير مؤامرة لاغتيال الرئيس حافظ الأسد في بغداد من أجل إحباط المشروع الوحدوي. ومما زاد تلك الشكوك حدة (وربما جعله يستعيد سؤال الدكتور وديع المار ذكره فيما سبق) أنه في صباح اليوم المقرر لوصول القادة العرب إلى بغداد، اتصل الفدائي الشهير كارلوس به هاتفيا، طالبا زيارته لأمر هام. فاعتذر عن استقباله بحجة ارتباطه بمواعيد أخرى.

أمام هذه الشكوك، ارتأى الأستاذ أكرم أنه ربما يكون من الأفضل تحذير المسؤولين، واختار (بدهائه المعهود) أن إيصال هذا التحذير عن طريق نزار حمدون الذي قد يكون مطلا (بحكم موقعه وبحكم موقفه غير المؤيد للوحدة) على بعض ما يدور، ما سيؤدي بالفعل إلى إحباط هذه المحاولة قبل أن تبصر النور.

قبيل الظهر من اليوم المشار إليه وصلني هاتف من الأستاذ أكرم يطلب مني فيه التوجه إلى منزله على الفور حيث ينتظرني هو ونزار. كان الوصول صعبا فمعظم الطرق مقطوعة بالإجراءات الأمنية. فلم أستطع الوصول إلى أكثر من نصف المسافة ما جعلني أمرّ هناك على مكتب "لجنة الدفاع عن المعتقلين" لأتصل به من هناك وأبلغه بتعذر الوصول، فأعطى الهاتف لنزار كي يرشدني إلى الطرق والزواريب التي باستطاعتي عبورها للوصول إليهما.

 بعد إلقاء التحية وجلوسي معهما فاجأني الأستاذ أكرم بالقول إن ثمة مؤامرة لاغتيال الرئيس الأسد في بغداد يعدّها بعض اللاجئين السوريين، و"ربما يكون صديقك كارلوس مشاركا فيها! وربما أيضا رفيقنا سركيس"!

أصابتني الدهشة.. والتفت إلى نزار محاولا استكشاف ما لديه من تعقيب على هذا الكلام الخطير، فلفت نظري أنه كان هادئا ولا يبدو عليه أي رد فعل!!.. وبعد لحظات التفت الأستاذ أكرم إليّ وسأل: ألم يقل لك سركيس إن الأستاذ نزار معارض للوحدة؟

كان السؤال محرجا بالتأكيد.. وكنت أمام موقف لا أحسد عليه فإما أن أنفي واضعا نفسي أو الأستاذ أكرم في موقع الكذب! وإما أن أقول الحقيقة!  فترددت لبرهة، ثم أجبت: نعم.

صمت نزار بعض الوقت وتوجه بالحديث في منحى آخر. ثم عاد بعد قليل ليقول: " بالنسبة لسركيس وطول لسانه، سوف أوقفه". وكرر هذه العبارة أكثر من مرة، كأنه كان يريد معرفة موقف الأستاذ أكرم من إقدامه على هذه الخطوة! لكن الأخير تجنب إبداء أي رد فعل. وربما يكون هذا ما شجع نزارا على توقيف رفيقنا سركيس في اليوم التالي لعدة أيام في المكتب السوري. ثم نصحه في نهايتها بمغادرة العراق. وهكذا كان، فقد سافر فورا إلى باريس حيث تدبر أمر الإقامة هناك ثم سارع إلى نقل عائلته من العراق.

                    

ماذا عن حقيقة المؤامرة؟

 لم تمض سوى أشهر قليلة حتى كانت المفاجأة بإعلان العراق عن اكتشاف "مؤامرة" لقلب نظام الحكم اتهم بإعدادها والتورط فيها عدد من أعضاء القيادة (مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية والحكومة) وعدد من العناصر الحزبية في مختلف الصفوف المتقدمة! وجرى اتهام النظام السوري بالوقوف وراء تلك المؤامرة! فانقلبت العلاقات مجددا إلى خلاف حاد بين النظامين. ووئدت تلك التجربة الوحدوية بين القطرين.. وتبخرت معها الآمال العربية الكبيرة التي علقت عليها.

ما من شك في أن حقائق كثيرة حول هذا الأمر ما تزال مغلقة، فلا القيادة العراقية أذاعت ما هو أكثر من المعروف في ذلك الشريط المسجل، صوتا وصورة، للمؤتمر الاستثنائي الذي كشف فيه صدام حسين عن "المؤامرة" (ربما لئلا يجري تعريض الرئيس البكر لأية التباسات خارج نطاق التفاهم الذي انتهى بتنحيه حبيا)، ولا القيادة السورية أذاعت ما هو أكثر من النفي المطلق للأمر، والقول بأن القصة بكاملها "مفبركة" للتملص من مشروع الوحدة (ربما أيضا لعدم الإدلاء بأية معلومات تشير بشكل من الأشكال إلى معرفة بالأمر أو تورط فيه)!

 هنا لا بد من محاولة استقراء بعض الوقائع:

1-     بتاريخ 15تموز\يوليو 1979، يسافر السيد صدام حسين فجأة إلى الأردن تلبية لدعوة عاجلة من الملك حسين، ويعود على عجل (في وقت مبكر من صباح اليوم التالي) مصحوبا بإجراءات أمنية غير عادية! إذ يغادر العاصمة الأردنية جوا إلى إحدى القواعد الجوية العراقية على طريق عمان – بغداد! لينتقل من هناك برا إلى العاصمة العراقية! متجنبا العودة عن طريق مطار بغداد! وفي اليوم نفسه يعقد مجلس قيادة الثورة اجتماعا ماراتونيا يدوم عدة ساعات وينتهي بتنحي الرئيس البكر وتولي نائبه صدام حسين لمنصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس قيادة الثورة. (وقد نقل وزير الداخلية وعضو مجلس قيادة الثورة سعدون شاكر الذي كان مشاركا في الاجتماع لأخوة فلسطينيين كانوا على موعد معه في الليلة نفسها أن "المشكلة انتهت حبيا" حسب تعبيره).  ثم يتم، بعد ذلك عقد المؤتمر الاستثنائي أو الاجتماع الموسع الذي أعلن خلاله عن اكتشاف "المؤامرة" وتم توقيف الأعضاء المتهمين بالمشاركة فيها، وقد أجريت لهم فيما بعد محاكمة حزبية قضت بإعدام عدد كبير منهم في مقدمتهم السيدان عبد الخالق السامرائي وعدنان حسين الحمداني! كما طرد من الحزب وفصل من الوظائف الحكومية جميع أقاربهم حتى الدرجة الرابعة. وكان من بين المفصولين رئيس التحرير حسن العلوي الذي كان متزوجا من شقيقة عدنان حسين.

2-    كان القريبون من القيادة العراقية (من عراقيين وسوريين وآخرين) يستشعرون، منذ فترة غير قصيرة، وجود حساسية من نوع ما بين الوسطين المحيطين بكل من الرئيس البكر والسيد النائب...(وقد تحدث الأستاذ أكرم في مذكراته بشكل مطول عن هذه الحالة)... على سبيل المثال كان رئيس التحرير حسن العلوي يحدثنا، نحن قلة من المحررين الذين كان يثق بهم، عن بعض هذه الحساسيات.. فعندما كان يزور الرئيس البكر الذي يأنس لمجالسة حسن وأحاديثه، كان يتلقى مباشرة بعد عودته اتصالا من بعض المقربين من السيد النائب يفهمونه فيه، بين الجد والمداعبة، أنهم على علم بزيارته ل"الشايب" (كما كانوا يطلقون على الرئيس البكر في مجالسهم) وحتى بما  يكون قد دار خلالها من أحاديث! ولم تكن بعيدة عن ذلك محاولات إغرائه من قبل السيد برزان، الأخ غير الشقيق لصدام ومدير المخابرات آنذاك، بتقريبه وإغداق الوعود عليه بتحويل مجلة "ألف- باء" من ملحق بجريدة "الجمهورية" إلى مؤسسة ضخمة ومستقلة، كما أن صدام نفسه استدعاه مرات عديدة في تلك الفترة، وقد خصه في إحداها بمرافقته في رحلة نهرية (كتب عنها تقريرا صحافيا شهيرا بعنوان: مائة ساعة مع صدام حسين).

3-    عام 1977 قام الأستاذ صلاح الدين البيطار بجولة على السعودية والكويت والعراق، قبل أن يعود إلى سورية بعد عفو خاص من الرئيس الأسد الذي استقبله آنذاك وانتهى الحوار بينهما إلى عدم اتفاق غادر بعده البيطار إلى باريس حيث أصدر جريدة "الإحياء العربي" المعارضة للنظام السوري، وقد حدثني الأستاذ أكرم أكثر من مرة عن لقاء له مع السيد البيطار (خلال مروره المشار إليه في بغداد) ورفيقنا المحامي عبد الفتاح الزلط (أحد قادة "الاشتراكيين العرب") الذي تولى منصب مستشار قانوني في مجلس قيادة الثورة. فقد حدثه الاثنان بسلبية واضحة عن السيد صدام حسين وأشارا إلى أن لدى عدد من أعضاء القيادة العراقية الموقف نفسه! ولما سألهم الأستاذ أكرم عمن يمكن أن يكون  بديلا له، طرحا اسمي صلاح عمر العلي وعدنان حسين على سبيل المثال! ولكون الثلاثة المذكورين قد انتقلوا إلى رحمة الله ولا يمكن الاستشهاد بهم، أذكر أنني أطلعت السيد صلاح عمر العلي على الواقعة بعد ذلك بأكثر من عام عندما التقيته في مكتبه بمدريد خلال الزيارة المذكورة سابقا.

4-إن مدى التخالط الذي جرى بين المسؤولين العراقيين والسوريين خلال فترة شهر العسل لا بد وأن يكون قد أتاح لبعض المسؤولين السوريين أن يطلعوا على هذا الوضع.. فبدا لهم على الأقل أن تلك المجموعة المتحلقة حول البكر أو"المتبرمة" من صدام، هي أكثر حماسا لمشروع الوحدة معهم من المجموعة المحيطة بالسيد النائب. وقد يكون دخل في حساباتهم أن مشروع الوحدة ماض في مسيرته، وهذا خير. وإذا ما حصل تغيير من قبل المجموعة المذكورة فسيكون أيضا لصالح الوحدة وهذا مزيد من الخير!

5-    هنا قد تكون جهات في سورية أو في العراق أو حتى جهات عربية أو دولية أخرى لعبت على هذا الوتر وتداولت أنباءه... ليصل الأمر في النهاية إلى الملك حسين الذي دعا صدام على عجل و"أطلعه" على ما لديه من "معلومات" بشأن "المؤامرة"!! قناعة منه وممن يمكن أن يكون وراءه، أن هذا "السر" سيشكل القنبلة التي تفجر مشروع الوحدة العراقية–السورية وتنهيه. وهذا ما حصل!! فالمسألة لدى هذه الجهات ليست من يحكم العراق: البكر أم صدام؟ بل هي ألا يكون هناك لقاء بين العراق وسورية!

6-والجدير بالذكر هنا أن علاقات وثيقة جدا قد نشأت منذ ذلك التاريخ بين الرئيس صدام وبين الملك حسين استمرت حتى استقبال الأخير لصهري الرئيس العراقي حسين كامل وشقيقه صدام في أوائل شهر آب\أغسطس عام 1995 إثر انشقاقهما عن النظام وفرارهما إلى عمان. ولم تتعرض تلك العلاقة للأذى قبل ذلك حتى في فترة احتلال القوات الإيرانية لشبه جزيرة الفاو في شباط\فبراير 1986 بعد معركة طاحنة دامت 45 يوما دون أن يقوم الملك حسين (خلافا لعادته في كل المعارك الكبيرة التي شهدتها الحرب العراقية-الإيرانية) بزيارة بغداد أو حتى بالاتصال الهاتفي مع الرئيس صدام حسين!! بل أكثر من ذلك استغل الوضع العراقي الصعب والمهدد بقطع طريق الكويت (فيصبح العراق أسير ممر وحيد مع العالم الخارجي هو طريق الأردن) ليعلن قطع العلاقة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية السيد ياسر عرفات الذي كان يعاني آنذاك من مقاطعة رسمية عربية شبه شاملة ولم يبق له من داعم جدي غير العراق! وكأن الحسين أراد، باختياره لذلك التوقيت، أن يضع القيادة العراقية أمام خيارين: الاختناق وهي في أتون الحرب، أو التخلي (لصالحه) عن دعم عرفات! لكن خطته هذه لم تنجح لأن العراقيين احتووا الهجوم الإيراني وحالوا دون قطع طريق الكويت- البصرة الحيوي.

7-    لا يستبعد البعض، مع ذلك كله، أن يكون التدخل الأردني في موضوع "المؤامرة" قد ترافق مع ما قد يكون أصاب حماس صدام حسين من تردد بشأن متابعة المشروع الوحدوي مع سورية، بعد استشعاره لمخاطر التطورات التي حصلت في إيران عقب الإطاحة بالشاه وعودة الخميني، وتجدد احتمالات التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية العراقية- بما في ذلك احتمالات الصدام العسكري بين البلدين- لاسيما بعد أن فشلت كل مساعي وقف التوتر بينهما سواء بالمبادرات المباشرة من قبل القيادة العراقية، أو غير المباشرة عن طريق "الوساطة" السورية التي لم يوح له "فشلها" بالثقة، بل ربما بالشكوك الخطيرة!!

أجواء 1979:

 لقد حمل هذا العام تطورات كثيرة كان لها تأثير كبير على أجوائنا في بغداد.

فبالرغم من محاولة النظام حصر مسألة المؤامرة ضمن حدود "الحدث الحزبي الداخلي" كان لها آثار لا يمكن تجاهلها على أكثر من صعيد:

1-    فلم يكن من السهل أبدا ذلك الإحباط الذي أصاب آمالا كبيرة علقناها، نحن وغيرنا، على المشروع الوحدوي بين سورية والعراق، وما كان مأمولا أن يحدثه في الأوضاع العربية كلها وبالذات على صعيد تعديل موازين القوى في الصراع العربي- الإسرائيلي. وكان من نتيجة ذلك أن الأستاذ أكرم، الذي آلمه هذا الأمر كما آلمته عملية الإعدام التي قضى نتيجتها عدد كبير ممن كانوا حتى الأمس القريب أصدقاء له (وبشكل خاص إعدام عبد الخالق السامرائي الذي كان سجينا منذ سنوات سابقة على زمن المؤامرة) قد أخذ يتعمد قضاء فترة أطول في باريس بحجة مراجعة الأطباء.

2-    كما أن عملية الإعدام الجماعي، وإن كانت "حزبية"، قد خلقت جوا إرهابيا إلى حد كبير كانت آثاره تظهر في الوجوم المسيطر على وجوه الناس. وفي هذا المجال أذكر أن حزبيا بعثيا اسمه حسن هاشم كان صديقا لرئيس التحرير ويتردد من وقت لآخر على المجلة، وكان أصدقاؤه يسمونه "المصعد" لأنه كان كثيرا ما يرتقي في صفوف الحزب ليعاد إنزاله إلى مراتب أدنى بسبب قلة انضباطه. قد جاءنا في يوم الإعدام الجماعي إلى المجلة وحدثنا عن العملية التي كان من بين من اختيروا للمشاركة فيها.

قال إنه قد تم اختيار مفرزة إعدام مشكلة من رفاق من معظم فروع البعث (ليتوزع الدم على الحزب كله). وعندما أحضر المحكومون إلى ساحة التنفيذ كانت أفواههم مغلقة بلاصق لئلا يستطيع أي منهم أن يتفوه بأية كلمة. ثم وصف لنا كيف تم إطلاق النار عليهم بصورة وحشية.

3-    ولسبب لا يعلمه أحد حصل في صيف ذلك العام حالة غريبة من فقدان شبه كامل للمواد الغذائية بشكل عام والخضروات والفواكه بشكل خاص، مما زاد في النقمة العامة إلى أن أوعز صدام حسين شخصيا بتخصيص مبلغ كبير لاستيراد تلك المواد من أي مصدر، فتدفقت المواد المستوردة من كل حدب وصوب. كما بدأت مدارس الروضة تقدم للأطفال فطورا صباحيا يتضمن الحليب والبيض ونوعا واحدا من الفواكه على الأقل.

في تلك الأجواء كانت العلاقات بين حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي قد دخلت في منعطف سلبي وتزايدت الملاحقات ضد قادة الثاني وكوادره. الأمر الذي كان محرجا لنا لأنه أصاب الكثير من الأصدقاء، وأضر بصورة الدولة التي كنا، نحن اليساريين، ضيوفا عليها. وقد كان هذا الأمر موضوع حوار دائم بيني وبين الرفيق عبد الرحمن منيف في لقاءاتنا التي صارت شبه يومية في مكتبه بمجلة "النفط والتنمية" التي كان رئيسا لتحريرها. وكان يؤلمنا أنه ليس هناك من مكان آخر نلجأ إليه!

في أواخر شهر كانون الأول من ذلك العام حصل الدخول العسكري السوفييتي المباشر إلى أفغانستان. حيث قامت مجموعات من القوات الخاصة الروسية (اعتمادا على نصوص اتفاقية الصداقة والتعاون المعقودة بين البلدين) بإنزال مظلي في العاصمة كابول، وتم احتلال النقاط الحيوية فيها، كما جرى اقتحام القصر الرئاسي حيث جرت معركة عنيفة قتل فيها الرئيس حفيظ الله أمين. وجرى في نهاية الأمر استقدام بابراك كرمال من السلك الدبلوماسي (كان قنصلا في براغ) ليتم تعيينه رئيسا للبلاد.

لقد كان لهذا الحدث أصداء دولية كبيرة في مختلف أنحاء العالم. غير أن وقعه في بغداد كان مختلفا. فقد انتابت القيادة العراقية المرتبطة بمعاهدة "صداقة وتعاون" مع الاتحاد السوفييتي، خشية من أن يتكرر معها السيناريو الأفغاني، كأن تستولي مجموعة مسلحة (عسكرية أو مدنية) على منطقة أو موقع ما في العراق الذي لا تفصل مناطقه الشمالية عن الحدود الجنوبية للاتحاد السوفييتي إلا مسافة بسيطة جدا، ثم تقوم بطلب المساعدة من موسكو بموجب معاهدة "الصداقة"، فيستجيب الكرملين بإنزال عسكري سريع وكثيف في العاصمة بغداد وغيرها من المدن العراقية، يؤدي في النهاية إلى إسقاط حكم البعث وإقامة حكم شيوعي بديل وموال لموسكو!

 في تلك الأجواء زار الرئيس صدام "دار الجماهير" التي تصدر صحيفة "الجمهورية" ومجلة "ألف-باء" وعقد ندوة مع جميع العاملين فيهما بعد أن تم جمعهم في الكافيتيريا القائمة في الطابق السابع من البناء. أدار الرئيس في تلك الندوة حوارا مسهبا دعا فيه المحررين السياسيين بشكل خاص إلى تحدي الرقابة والإقدام على عرض تحليلاتهم ومواقفهم بكل حرية وجرأة حتى أنه طرح شعارا هو "اقتلوا الرقيب الذي في داخلكم"! وتعهد لهم بأن أحدا لن يجرؤ على مساءلتهم. وختم بالقول من يسألكم قولوا له: هكذا قال لنا صدام حسين. وقد تطرق صدام حسين في ذلك الحوار إلى غزو أفغانستان وأشار إلى ما يشكله هذا الأسلوب من خطر جديد على العلاقات الدولية.

لقد فاتني حضور تلك الندوة. وعندما سأل الرئيس عني باعتباري المسؤول عن القسم السياسي في المجلة ذكروا له أنني مشغول بالاستعداد للسفر إلى باريس باعتبار أنه صدر قرار بتعييني مراسلا هناك.

وعندما وصلت متأخرا وجدت أن رئيس التحرير الجديد عبد القادر العاني الذي حل محل حسن العلوي، قد استبقى وزير الإعلام لطيف نصيف جاسم لتناول الغداء مع هيئة التحرير في مكتب المجلة. وفي هذه الأثناء جرى اتصال هاتفي مع الوزير  من القصر الجمهوري أبلغوه فيه أن ما قاله الرئيس خلال الندوة عن غزو أفغانستان ليس للنشر لأن بيانا سوف يصدر عن مجلس قيادة الثورة يحدد الموقف الرسمي العراقي بصورة دقيقة. وعندما نقل الوزير لنا فحوى الاتصال فاتحه رئيس التحرير بأن لي مقالا عن الموضوع كنت قد سلمته إياه قبل يومين فكيف يتصرف تجاهه؟ كان جواب الوزير على الفور احذفوه!! وذلك بعد أقل من ساعة على توجيهات صدام بوجوب قتل الرقيب، مع أنه كان مقالا تحليليا فيه الكثير من الحيادية، ولا يمت بأية صلة لما ورد على لسان الرئيس في الندوة!

انطلاقا من شعور صدام حسين بخطر أن يتكرر السيناريو الأفغاني في العراق سارع إلى اعتقال عدد من العسكريين ذوي الرتب الصغيرة ممن يشك بوجود ميول شيوعية لديهم، وأصدر عليهم أحكاما بالإعدام جرى تنفيذها بسرعة قياسية. وذلك على أساس أنه كان من ضمن اتفاق "الجبهة الوطنية" مع الحزب الشيوعي، حظر أي نشاط لغير حزب البعث في صفوف الجيش وقوى الأمن.

 وقد ترافق مع هذا الإجراء الدموي تصعيد جديد للحملة على الشيوعيين ما زاد من شعورنا بالغربة في هذا الجو الثقيل.