كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل روسـيا قوة عالمية عظمى حقاً؟

أُبي حسن

هل روسيا الاتحادية يقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، قوة عالمية عظمى فعلاً؟ أم تراها مجرد "قوة إقليمية" وفق ما سبق أن قال عنها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في 25 آذار 2014؟ لعل المشهد السوري الممتد من عام 2011 حتى تاريخ زيارة الرئيس أحمد الشرع مؤخراً إلى موسكو (15 تشرين الأول 2015) تساعدنا في الإجابة على هذا السؤال.

بداية لم يدخل الروس، كما بات معلوماً، المستنقع السوري 30 أيلول 2015 لولا موافقة أمريكية ضمنية ومباركة إسرائيلية شبه علنية، وكانت توجد مؤشرات عدة إبّان تواجدهم في سوريا تصبّ في صالح من يعتقدون بذلك، ليس دونها عدم السماح لجيش النظام السابق استخدام صواريخ أس300 (التي سبق أن اشترتها سوريا من الروس) ضد غارات الطيران الإسرائيلي؟ (إذاً، لماذا باعوا هذه الصواريخ للنظام السوري الساقط؟). ومن نافل القول إن الدول العالمية العظمى لاتحتاج إلى موافقة من الآخرين -مهما بلغ جبروتهم- بغية الدفاع عن مصالحها من وجهة نظرها، وهذا مالم يحصل في التدخل الروسي في سوريا في عهد الرئيس السابق السوري بشار الأسد.

لنقارن حضور نيكيتا خروتشوف، رئيس الاتحاد السوفييتي السابق، أثناء الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 902 التي عُقدت في نيويورك يوم 12 أكتوبر عام 1960 وضربه طاولة الوفد السوفيتي بحذائه اعتراضاً على خطاب رئيس الوفد الفلبيني لورينزو سومولونغ، وبين قمة الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي بوتين في قاعدة إلمندورف- ريتشاردسون، في ألاسكا، بتاريخ 15 آب 2025.. إن مجرد انعقاد هكذا قمة في ألاسكا هو إهانة لروسيا، إذ لاننسى أن تلك الولاية والتي تشكّل خمس مساحة الولايات المتحدة الأمريكية، كانت بالأساس لروسيا التي باعتها عام 1867م لأمريكا بمبلغ 7،2 مليون دولاراً. طبعاً، لسنا مع التصرف غير الحضاري سابق الذكر لخروتشوف، لكنه شئنا أم أبينا يعبّر عن قوة لدولة عالمية عظمى لابل تتمتع بفائض قوة، فيما انعقاد قمة بوتين- ترامب في أرض روسية سابقة، هو احتقار ضمني للضيف ودولته، وهكذا احتقار لاتُعامل به دولة حال كانت عالمية عظمى.

سبق أن قال الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، قبل فترة، في معرض جوابه على سؤال حول كيفية إسقاط النظام الأسدي، أنه كان يوجد تفاهم بينهم (أي هيئة تحرير الشام) وبين الروس يقضي بعدم تدخّلهم (أي الروس) تحديداً عندما وصلت فصائل الهيئة إلى مدينة حماه (مطلع كانون الأول 2024). جواب الشرع، يدفع بالمراقب للاعتقاد أن تصرف روسيا، ليس تصرف قوة عالمية عظمى، لأن الدول العظمى لاتتخلى عن حلفائها بمثل الطريقة المخزية التي تخلّت فيه روسيا عن حليفها السابق بشار الأسد، بمعزل عن الرأي السلبي لعموم السوريين به، وبمنأى عن التاريخ الإجرامي له.

لسنا وحدنا من يعتقد أن روسيا وبالرغم من ترسانتها النووية (بالمناسبة: الهند دولة نووية) باتت مرتبتها حتى دون الدولة التركية التي عرف رئيسها رجب طيب أردوغان كيف يحوّلها إلى لاعب إقليمي، وحتى دولي معتبر، لم تستطع روسيا الاتحادية تجاوزه، ولهذه الحقيقة دلالتها التي لاتصب في خانة الروس بالتأكيد.

عطفاً على ماسبق، هل يعقل أن يزور سيرغي لافروف سوريا عام 2012 والاحتجاجات تعمّها كي يؤكّد وقوف بلاده مع نظام يعادي شعبه برمته، المؤيد له قبل المعارض؟ وبمعزل عن وجود مؤامرة أم لا، ألم يكن بوسع الروس -حال كانوا قوة عالمية عظمى- فيما لو توفر لهم بعض الذكاء السياسي إيجاد حل يرضي غالبية السوريين، مع الحفاظ على مصالحهم في المنطقة، بمنأى عن رغبات الأسد الولد الذي يُفترض أنهم عرفوا معدنه في السنوات اللاحقة من الحرب وكيفية إدارته لها، لابل وكيفية تعامله مع شعبه وخسرانه التدريجي لقاعدته الشعبية بسبب من فساده وطغيانه وأكاذيبه.. الخ؟ هل كانت تستحق حفنة من مليارات الدولارات نهبها الأسد الولد من خيرات بلاده ودماء شعبه، وأودع معظمها في البنوك الروسية كل هذا الغباء السياسي الذي جعل من الروس مكروهين ومرذولين من قبل الغالبية الساحقة من السوريين وبمختلف مكوناتهم الإثنية والطائفية؟

خسر الروس سوريا عملياً، مذ قبلوا على أنفسهم تبني الأسد الولد وبراميله ذائعة الصيت، وكان بمقدورهم الحفاظ على بعض المكاسب الجيوسياسية، فيما لو كان لديهم حقاً القليل من الرؤى السياسية الصائبة التي عادة ما تكون من سمات القوى العالمية العظمى. ولتعويضهم عن بعض خسارتهم يجري الحديث، ومنذ فترة، عن احتمال إعطائهم الساحل السوري كجائزة ترضية جرّاء خدماتهم المجانية، لإسرائيل من جهة، ورضوخهم للأمريكان من جهة أخرى.. وفي حال صحّ ذلك هاهم يعيدون انتاج غبائهم المعهود من خلال الإعلان، قبل بضعة أشهر، عن حزب سياسي يمثّل الساحل السوري وواجهته شخص منبوذ وهو من عائلة الأسد التي هي بدورها مذمومة في الضمير الجمعي العلوي (هل ينبغي تذكير "الفطاحل" الروس بالجرائم التي ارتكبتها تلك العائلة أفراداً ونظاماً بحق العلويين قبل عموم السوريين؟)

أضف إلى ماسبق أن سقناه، إن الدول العظمى لاتحتاج إلى بيانات مراهقي سياسية، كتلك التي يصدرها رجل الأعمال السوري المقيم في موسكو، ونعني رامي مخلوف، الذي يعتقد كثيرون أن ليس بمقدوره إصدار تلك البيانات التي تدعو للشفقة، فيما بات تكرارها يدعو للسخرية، لو لم يكن ثمة ضوء أخضر روسي بغرض ابتزاز دمشق، قبل وبعد زيارة الرئيس الشرع إلى الكرملين.

سبق أن خسر الروس، وفي يوم واحد خلال الحرب العالمية الثانية عام 1941 إبّان الحكم السوفييتي، وبسبب بلاهتهم السياسية مليون مواطن ومقاتل على يد قوات ألمانيا النازية، كما خسروا ما بين 20 إلى 27 مليون مواطن ومقاتل طوال سني تلك الحرب.. هل يمكن أن نضع كل تلك الخسائر المروّعة تحت يافطة "الذكاء" السياسي الخارق لقوة عالمية عظمى؟ وأي طعم لنصر حققوه على النازية بمثل هذا الحجم الباهظ من الخسائر؟ لنقارن خسائرهم بخسائر الولايات المتحدة الأمريكية مثالاً.

ختاماً: ألا يوجد عقل سياسي رزين لدى الروس (لا أدري إن كان "الكسندر دوغين" رشيداً فعلاً؟)، يعوّل عليه بغية القول للروس أنهم ليسوا قوة عالمية عظمى، وعليهم معرفة حدودهم، وإن اعتقدوا أنهم كذلك فهذا مؤشر كبير على غباء وبلاهة سياسية تذكرنا ببلاهة الأسد الولد وحماقاته؟