بيان رامي مخلوف وإعادة تدوير نفايات الأسد
أُبي حسن
بات من المؤكد أن البيان الذي أطلقه رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، أمس الأحد 27 نيسان 2025، هو له، وإلّا لكان نفاه صوتاً وصورة، لاسيما أنه بيان على درجة عالية من الخطورة.
يلاحظ أن البيان أتى بعد يومين فقط من جلسة مجلس الأمن التي عُقدت الجمعة 25 نيسان 2025، ومعروف أنه تم منع وزير الخارجية السورية المؤقت من حضور جلسة مغلقة خاصة بغرب سوريا! هل ثمة رابط بين منع الشيباني من حضور تلك الجلسة، وبين ماقد يكون أتى فيها، وبين بيان رامي مخلوف؟ الأرجح نعم.
معروف أن رامي مخلوف محسوب على روسيا الاتحادية، التي سبق لها أن اقترحته على الأسد رئيساً (ولو شكلياً) مكانه في خريف عام 2017، على أن يبقى الجيش والحزب بيد بشار الأسد، وذلك لدورة واحدة (كما سبق أن حصل في روسيا)، كي يكون لدى الروس أريحية في الدفاع عن النظام الحليف لهم في دمشق سنتذاك في المحافل الدولية. طبعاً، رفض الأسد الابن هذا العرض بشدة، وعلى الأغلب على خلفية العرض بدأ تحجيم نفوذ رامي مخلوف في سوريا قبالة تغول أسماء الأخرس وزبانيتها، وبقية القصة معروفة.
بالعودة إلى بيان رامي مخلوف، ثمة عدة نقاط يمكن التوقف عندها:
- قدّم نفسه زعيماً سياسياً للمكون العلوي في وقت لم يفوضه أي علوي سوري بالحديث نيابة عنه! والأنكى من ذلك، إن إحدى أهم أسباب مآسي العلويين راهناً هي الفساد الذي كان أعمدته آل الأسد وآل مخوف، ومسلسل فساد آل مخلوف بدأ مع الأب محمد (والد رامي) بُعيد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 وتعميمه للفساد في سوريا وفق برنامج ممنهج خلاصته "إفساد من لم يفسد بعد كي يصبح الجميع مُداناً وتحت الطلب" بلغة المفكر السوري الراحل طيب تيزيني.
- على الرغم من محاولته الحديث باسم المكون العلوي، مستغلاً جراحهم ومتاجراً بمآسيهم (والمتاجرة بدماء العلويين، غذاء أساسي بدني وروحي للمافيات الأسدية)، إلّا أننا لم نسمع أن رامي مخلوف أرسل قرشاً واحداً لمساعدة منكوبي الساحل عقب يوم الذبح العظيم الذي قام به المجرمون! (نعم، قيل أنه -أي رامي- وزّع بضعة ربط خبز على بعض الأسر المنكوبة! هل ينبغي شكره؟).
- عرضه للروس بوضع الإمكانات الاقتصادية للساحل تحت تصرفهم، حال قبولهم حماية الساحل السوري، دون أن يخوله أو يفوضه أحد بذلك! ولماذا الروس وليس دولة عظمى أخرى يتفق عليها سكّان الساحل حال حصول استفتاء؟ السبب كونه ينظر إلى الشعب السوري ومن ضمنه المكوّن العلوي مجرد قطيع، وهذا ليس غريباً عن هكذا "أناس"، وهو بذلك تجاوز سلطات الأمر الواقع في تجاوزاتها اليومية من خلال العروض التي تقدمها للخارج بغية ابقائها في السلطة!
- ترك في بيانه هامشاً للحل السياسي مع السلطة القائمة في دمشق، على أن يتولى معلموه الروس هذا الجانب حال رغبت دمشق به، دون أن يخبر "جمهوره" وعشّاق "كرمه" والمعجبين بـ"وطنيته" عن دوره في المرحلة المقبلة حال قبلت معه دمشق ذلك، أو حال فرض ذلك بعمل عسكري من خلال قوات تحدّث عنها ولاندري مدى صحة الأرقام التي ذكرها، وإن كانت مصادر مقربة منه أكدت لنا أنها ليست كلها من المكوّن العلوي، بل تشمل معظم مكونات المجتمع السوري بما في ذلك السنّة.
- من المؤكد أن بيان مخلوف، وبمعزل عن توقيته الذي بدأنا به مقالنا، أتى في ظروف مأساوية يعيشها أهل الساحل بفعل التجويع الممنهج الذي فرضته عليهم سلطات الأمر الواقع من خلال تسريح نسبة وافرة من العلويين من وظائفهم، ومن خلال الفلتان الأمني الذي يُترجم قتلاً على الهوية، وسبياً لنسائهم، وسط تعتيم وتستر -وغالباً إنكار- من قبل نسبة وافرة لدى طائفة الشقيق الأكبر في الوطن، ونعني أهل الاعتدال من السّنّة. وبهذا يبدو أن رامي مخلوف لايراهن فقط على مآسي العلويين، بل هو يراها تجارة رابحة، قد تزيد من أرصدته البنكية، كما قد تُظهره سياسياً وبذلك يحقق من خلال دماء العلويين طموحاً سبق أن أجهضه له قريبه بشّار الأسد.
- أخيراً: تساءل علويون كُثر، ترى هل سيكون من بين المقاتلين الذين تحدّث عنهم رامي مخلوف، ابنه محمد الذي يعيش حياة بذخ وترف في دبي؟ أم سيكتفي فقط بفقراء العلويين والسنّة وسواهما من فقراء المكونات السورية؟
- صحيح، أن العلويين، في واقع مأساوي لايحسدون عليه، وصحيح أيضاً أن لاثقة لغالبيتهم الساحقة بهذه الحكومة التي تتعامل معهم (أو معظمها) من منطق طائفي وثأري يطفح حقداً وينزّ غلّاً، ناهيك عن تخلفها وفرديتها، لا من منطق الدولة الراعية والضامنة لكافة أبنائها، لكن ألم يبق خيار لدى العلويين سوى إعادة تدوير نفايات الأسد، التي أين منها النفايات النووية الشهيرة لأبناء عبد الحليم خدّام؟.
- نختم بما سبق أن قاله أحد صائغي بيان رامي مخلوف، لبعض المقربين منه: "مارأيكم بهذه القنبلة التي رميناها؟" وفهمكم كاف.