كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الروس والغباء السياسي.. والساحل السوري

أُبي حسن

يعتقد بعض السوريين أن العقل السياسي الروسي محدود وبارد وربما جامد كالقطب المتجمّد الشمالي، هذا إن لم يكن أبلهاً (دعك أنّ بلاهتهم دون أو أكثر من بلاهة الأسد الولد الذي أتوا لمناصرته)، فهم لم يدخلوا المستنقع السوري 30 أيلول 2015 لولا موافقة أمريكية ضمنية ومباركة إسرائيلية شبه علنية، وثمة مؤشرات عدة ظهرت إبّان تواجدهم في سوريا تصبّ في صالح من يعتقدون بذلك، ليس دونها عدم السماح لجيش النظام السابق استخدام صواريخ أس300 (التي سبق أن اشترتها سوريا من الروس) ضد غارات الطيران الإسرائيلي! إذاً، لماذا باعوا هذه الصواريخ للنظام السوري الساقط السابق؟

في السياق ذاته، هل يعقل أن يزور سيرغي لافروف سوريا عام 2012 والاحتجاجات تعمّها كي يؤكّد وقوف بلاده مع نظام يعادي شعبه برمته، المؤيد له قبل المعارض! وبمعزل عن وجود مؤامرة أم لا، ألم يكن بوسع الروس فيما لو توفر لهم بعض الذكاء السياسي إيجاد حل يرضي غالبية السوريين، مع الحفاظ على مصالحهم في المنطقة، بمنأى عن رغبات الأسد الولد الذي يُفترض أنهم عرفوا معدنه في السنوات اللاحقة من الحرب وكيفية إدارته لها، لابل وكيفية تعامله مع شعبه وخسرانه التدريجي لقاعدته الشعبية بسبب من فساده وطغيانه وأكاذيبه.. الخ؟

ترى: هل كانت تستحق حفنة من مليارات الدولارات نهبها الأسد الولد من خيرات بلاده ودماء شعبه، وأودع معظمها في البنوك الروسية كل هذا الغباء السياسي الذي جعل من الروس مكروهين ومقرفين في سوريا عموماً والساحل السوري خصوصاً؟

خسر الروس سوريا عملياً، قبل 8 كانون الأول 2024، بكلمة أخرى خسروها مذ قبلوا على أنفسهم تبني الأسد الولد، وكان بمقدورهم الحفاظ على بعض المكاسب الجيوسياسية، فيما لو كان لديهم حقاً القليل من الرؤى السياسية الصائبة. ولتعويضهم عن بعض خسارتهم يجري الحديث، ومنذ فترة، عن احتمال إعطائهم الساحل السوري كجائزة ترضية جرّاء خدماتهم المجانية، لإسرائيل من جهة، ورضوخهم للأمريكان من جهة أخرى.. وفي حال صحّ ذلك هاهم يعيدون انتاج غبائهم المعهود من خلال الإعلان عن حزب سياسي يمثّل الساحل السوري وواجهته شخص مرذول من عائلة الأسد التي هي بدورها مذمومة في الضمير الجمعي العلوي (هل ينبغي تذكير "الفطاحل" الروس بالجرائم التي ارتكبتها تلك العائلة أفراداً ونظاماً بحق العلويين قبل عموم السوريين؟)! ألّا يدرك الروسي حقاً أن عائلة الأسد باتت أكثر من مكروهة في الساحل السوري عامة ولدى أبناء الطائفة العلوية خاصة أم تراهم (الروس) مصرون على تأكيد غبائهم الاستراتيجي في السياسة من خلال استفزاز الطائفة العلوية الجريحة؟! ألهذه الدرجة يحتقر العقل السياسي الروسي مشاعر الشعوب المنكوبة؟ ألم يكف العلويين خذلاناً من الروس أن المجازر التي طالتهم في آذار الأسود الماضي كانت تحت سمع وبصر الروس؟!

سبق أن خسر الروس، وفي يوم واحد خلال الحرب العالمية الثانية عام 1941 إبّان الحكم السوفييتي، وبسبب بلاهتهم السياسية مليون مواطن ومقاتل على يد قوات ألمانيا النازية، كما خسروا ما بين 20 إلى 27 مليون مواطن ومقاتل طوال سني تلك الحرب.. هل يمكن أن نضع كل تلك الخسارات المروّعة تحت يافطة "الذكاء" السياسي الخارق؟ وأي طعم لنصر حققوه على النازية بمثل هذا الحجم الباهظ من الخسائر التي كان من الممكن تدارك معظمها لو كان ثمة بصيص ذكاء لدى من نعني، مع بالغ الاحترام لدماء وأرواح ضحاياهم ضد النازية؟

ختاماً: ألا يوجد عقل سياسي رزين لدى الروس (الكسندر دوغين، مثلاً)، يعوّل عليه بغية النهوض بهم من مستنقع الغباء الذي يبدو أنهم سعداء به جداّ، وهو غباء وبلاهة تذكرنا ببلاهة الأسد الولد وحماقاته؟