كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن حافظ الأسد في ذكرى انقلابه.. بعض ما له وما عليه

أُبي حسن

يوم 13 تشرين الثاني من عام 1970م هو اليوم الفعلي لانقلاب حافظ الأسد على رفاقه، وهو ما أسماه الأسد "حركة تصحيحية"..

من المستبعد أن يكون انقلاب الأسد الأب قد تمّ دون دعم سوفييتي، وتسويق عربي خليجي، وربما دور بريطاني خفي، و(الأرجح) مباركة أمريكية ولو مبطنة، بهذا المعنى لم تكن حركته مطلباً جماهيرياً كما سوّقت أدبيات حركته وإعلامه، ومع ذلك لم يكن انقلابه استثناء في التاريخ السوري الحديث ولا حتى في تاريخ المنطقة العربية أو الشرق الأوسط عموماً، من حيث دعم الانقلابات من خارج ما.

وبمناسبة انتهاء الحقبة الأسدية، وذكرى انقلاب الأسد الأب، وسوريا محطمة الآن كلياً، لا بأس من تسجيل ملاحظات على حكمه بما له وما عليه..

انطلاقاً مما تتفق عليه أدبياتنا الشرقية، أي اذكروا محاسن موتاكم، نذكر:

نعم، شهدت سوريا طوال ثلاثين عاماً من حكم الأسد الأب استقراراً أمنياً (آخرون، ولكل أسبابه، يسمونه: استقراراً سياسياً) زعزعته نسبياً الأحداث التي قام بها الأخوان المسلمين.. استقرار وفر لها أن تحظى بنهضة عمرانية ونمو اقتصادي مقبول قياساً بظروفه وشروطه الزمكانية، وانعكس ذلك ايجاباً على حياة المواطنين، تحديداً في العقدين الأولين من حكم الأسد.

تحولت سوريا في عهده، من مفعول به إلى فاعل حقيقي في المنطقة، ومؤثر قوي في مجريات أحداثها، هذا إن لم تكن في بعض المحطّات هي صانعة الحدث.

شهدت سوريا، في العقدين الأولين من حكمه نهضة ملحوظة في البنية التحتية، من شبكة طرق وسكك حديدية وأتوسترادات، وتنوير الريف السوري عموماً وايصال شبكات المياه إليه وكذلك الصرف الصحي.. الخ.

كرّس الأسد الأب مجانية الطبابة والتعليم، وعزّز بناء المستشفيات والجامعات، والتزمت الدولة في عهده بتوظيف غالبية الخريجين.

شهدت سوريا، في عهده، انفتاحاً مقبولاً على العالمين العربي والغربي، بما في ذلك الانفتاح من مدّ وجزر فرضته الظروف والمتغيرات على الصعيدين الإقليمي والدولي.

نجح في إقامة توازن مقبول في علاقاته الخارجية، من قبيل علاقته مع المحيط العربي من جهة والفرس من جهة أخرى، ورغم علاقته الاستراتيجية بإيران بيد أنها اقتصرت في الداخل السوري على السياحة الدينية والتلاقح الثقافي مُحصّناً -بهذا المعنى- النسيج الاجتماعي السوري من العبث الخارجي؛ وكذلك وازن إلى حد مقبول في علاقته مع الاتحاد السوفييتي (سابقاً) من جانب وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي قدّم لها خدمات جليلة ضمن سوريا، فيما شاكسها أحياناً في لبنان، من جانب آخر.. التوازن ذاته، نجح فيه إلى حد كبير ضمن مكونات الشعب السوري الذي -باستثناء الأخوان المسلمين- لم يعارضه بسبب من خلفيته الطائفية.

استطاع، بعد حرب عام 1973، تجنيب سوريا دمار حروب -خاسرة حُكماً- مع إسرائيل، وعوّض عن ذلك بمناوشتها في لبنان، ومن خلال دعمه لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، مع لفت الانتباه أن أغلب الحركات التي دعمها لها طابع إسلامي جهادي.

أما سلبياته، فنكتفي بذكر أبرزها:

كان انتقامه من رفاق دربه مشيناُ وعير مسبوق، فقلّة هم حكّام العالم الثالث الذين وضعوا خصومهم السياسيين في السجن فترات طويلة تجاوز بعضها العقدين من الزمن دون محاكمة! والمعروف أن حافظ الأسد لم يطلق سراح معظمهم إلّا بعد أن تيقن أن موتهم بات قاب قوسين أو أدنى كـ (نور الدين الأتاسي وصلاح جديد ومحمد رباح الطويل.. الخ).

ولا نكون قد تجنينا على الأسد الأب إن قلنا أنّه ابتدأ حكمه بالاغتيال السياسي الجسدي، لا المعنوي فحسب، فهو متهم بمقتل اللواء محمد عمران (وزير الدفاع السوري الأسبق) في طرابلس اللبنانية 14 آذار عام 1972م، وقبيل ذلك تُشار إليه أصابع الاتهام بدفع عبد الكريم الجندي (رئيس مكتب الأمن القومي الأسبق) إلى الانتحار 2 آذار عام 1969م، فضلاً عن اغتيالات متفرقة طواها النسيان.

أمّا بخصوص سياسته الداخلية، فقد حوّل سوريا إلى مملكة رعب، فانعدمت المعارضات السياسية الصحية، زاجاً بالكثير من معارضيه -ومن مختلف التيارات السياسية وبمعزل عن خلفياتهم الدينية والاثنية- في السجون، إلى أن أصبح المجتمع السوري مُعاقاً سياسياً ومخص فكرياً. ونستدرك هنا، وليس من قبيل الدفاع عن الأسد الأب، لنقول: إن معظم -إن لم تكن جميع- دول المعسكر الاشتراكي كانت تحكم بالعقلية الأسدية ذاتها. وفي الحالات كافة، ها هو الشعب السوري يدفع ثمن إعاقته الفكرية ومنعه من العمل السياسي في سياقه الطبيعي طوال عقود.

مأسس الفساد وعممه، كي "يصبح الجميع مداناً وتحت الطلب" بلغة الطيب تيزيني، وهنا لايمكن الفصل بين مأسسته للفساد وبين استمراره في الحكم طوال ثلاثة عقود، ومن جملة مفاسده تقديمه الولاء على الكفاءات، واحتكاره وعائلته وبعض كبار مسؤوليه (خاصّة الصف الأوّل) لمعظم خيرات سوريا، فيما تركوا لعامة الشعب الفتات واجترار الشعارات التي كان يتاجر فيها هو ونظامه وكبار مسؤوليه.

اختزاله لسوريا، بعمقها التاريخي وتنوعها الثقافي وغناها الحضاري، بشخصه وبعائلته، ولتختصر مع تتالي السنين لتصبح مجرد مزرعة باسم آل الأسد الذين أفحش وأجرم معظمهم بحق سوريين كثر دون أن يكن لمن نعني من طغاة ذرة ضمير أو أي رادع أخلاقي.

سبق أن قلنا في معرض الإيجابيات أنّه وازن قدر الإمكان بين مكونات الشعب السوري، لكن هذا لاينفي حقيقة أنّه كان يمسك بيده، النظام الأسدي أعني، بالأوراق الطائفية والإثنية والمذهبية والعشائرية وغيرها من مفاهيم قبلية، يضبطها عندما يريد ويحركها متى شاء وبما يخدم النظام لا بما يخدم المجتمع السوري وتطوره الطبيعي.

تفويته لفرصة سلام مع إسرائيل، بذريعة بضعة أمتار، والمنطق يقول لو أنه قبل بالسلام، لكان حصّن سوريا لاحقاً وبالآتي لبنان، وإن كنّا لانجزم بأن إسرائيل كانت ستلتزم بذلك السلام الذي نفترضه.

ونختم سلبيات حكمه بتوريثه لنجله بشّار، مع معرفته بأنّه غير متزن ومريض، وكان يرسله للعلاج في لندن بصحبة المدير الأسبق للخدمات الطبية في الجيش العربي السوري (سابقاً) كما كان بتعالج أحياناً في مشفى تشرين العسكري (اضطر الطبيب الذي كان يشرف على علاجه للهرب خارج سوريا خشية أن يصّفوه)، وهذا التوريث بحدّ ذاته جريمة أخلاقية ووطنية كبرى وعظمى تكاد توازي بمفردها -من وجهة نظرنا- بقية الكوارث التي ذكرناها ولم نذكرها.

صحيح أن حافظ الأسد، لم يكن استثناء في طريقة حكمه، إذ معظم دول المعسكر الاشتراكي (حينها) كانت تحكم بطريقة مشابهة لحكمه كما أسلفنا، ولئن كان قولنا صحيحاً، فهذا لا ينفي حقيقة أن كل ديكتاتور هو مريض نفسي، لذا يعمل على ذاته وتضخيمها أكثر مما يعمل لأجل شعبه، وهذا ما يفسّر لنا أننا كنّا كسوريين أقزاماً -وربما كائنات غير مرئية- داخل سوريا الأسد، على نقيض ما كان بعض الخارج ينظر إلينا متوهماً أننا نعيش بكرامة واعتداد بالنفس وبكبرياء وطني منقطع النظير! وهي -الكرامة والكبرياء والاعتداد بالنفس- مكتسبات لايحظى بها سوى المواطن الحرّ قولاً وفعلاً، وهي أبعد ما تكون عمن عاش كالعبد أو مجرد رعية في ظل سوريا "التصحيح".. "التصحيح" الذي كان أحد الأسباب التي أوصلتنا كسوريين إلى ما نحن عليه الآن.