دعوة للتعقل بغية بناء الوطن
أُبي حسن
يوجد على الأراضي السورية مئات -وربما آلاف- المقامات الدينية التابعة لمختلف مكونات الشعب السوري، وعمر بعض هذه المقامات والمزارات يزيد عن الألف عام، كمزار القديس مار مارون في منطقة براد قرب جبل سمعان بمحافظة حلب، ناهيك عن المقام المنسوب للشيخ الحسين بن حمدان الخصيبي في حلب أيضاً، أضف إلى ذلك وجود عشرات الكنائس الأثرية المتناثرة في عدة مناطق سورية، وحقيقة الأمر قائمة أسماء المقامات والمزارات الدينية تطول، وهي تشمل عموم جغرافية بلادنا.
لماذا ما سبق ذكره؟ ألم يلحظ بعض من انقادوا لغرائزهم أمس في بعض مناطق الساحل السوري وحمص، أنه بالرغم من مضي مئات السنين على وجود تلك المقامات والأديرة أن أحداً من السوريين (أياً كانت خلفيتهم الدينية أو المذهبية) لم ينتهك حرمتها؟ وبكلام أوضح نقول: ان وجود مقام مار مارون في ريف حلب موجود في منطقة معظم سكانها من الأشقاء الكورد السنة، فيما وجود المقام المنسوب للشيخ الخصيبي كائن في منطقة غالبية سكانها من الأخوة العرب السنة، على الأقل بعد سقوط الدولة الحمدانية في حلب.. وأكثر من ذلك، أليس مقام السيدة زينب (ع) بريف دمشق، هو في منطقة بمجملها من الأخوة السنة؟ فهل سمعنا أو سجل التاريخ أن أحداً من أهلنا السنة هنا وهناك أساء لهذا المقام أو صاحب ذاك الضريح؟ على الأقل بعد الانتهاء من مرحلة الصراع السياسي في الإسلام بين أبناء العمومة، وأعني الجناحين الطالبي والأموي؟ قطعاً لم يحصل شيء من هذا، لا بل بقيت حرمة تلك المقامات مصونة وزيارتها بغية التبرك بها متاحة لمن أراد، وإن حصلت تجاوزات في العقد المنصرم، فقد كان سببها الاحتقان السياسي وطبيعة التحالفات التي كانت موجودة بين المتحاربين..
وإن كان ثمة إضافة في هذا المجال، أفيد أن من أشاد مقاماً لضريح الشيخ إبراهيم الطرطوسي، في مدينة طرطوس، وهو من الأولياء الخاصين بالطائفة الإسلامية العلوية، هو أحد السادة الأفاضل من المسلمين السنة في مدينة طرطوس، وقد قام بهذه اللفتة النبيلة من قبله طوعاً دون أن يطلب منه أحد ذلك.. قام بهذا العمل في وقت يتبجح الكثير من المسلمين العلويين أنهم من أتباعه فيما هم في حياتهم لم يدخلوا مقامه وإن كانوا على مقربة منه سكناً أو مروراً!
أسوق ما سقته، بغية الاستغراب من الهمروجة التي شاهدناها بالأمس هنا وهناك بدافع من "الغيرة" الدينية (هل هي غيرة دينية حقاً؟)، من يغار على دينه لايسعى إلى فتنة (والفنة أشدّ من القتل)، ولا ينجر خلف خطابات (والمقصود بالخطاب هنا: القول والفعل) الغوغاء أياً كانوا، بل يحتكم للغة العقل، ويسعى لوأد الفتنة، فقد عانى وطننا من خراب ودمار (أسدي) بما يزيد عن قدرتنا كسوريين على تحمله، وجميعنا يدرك ان وطننا يمرّ بمرحلة حرجة وحساسة، وثمة أياد خارجية عدة لاتريد الخير لنا كسوريين، وأضعف الايمان أن لانقدم لها التبريرات كي تزيد من خراب وطننا وسفك دمنا.
ندرك حجم الخراب الذي خلّفه الاستبداد الأسدي وعلى مختلف الصعد، ونذكّر من نسي إن (العاهة) بشار الأسد هو صاحب التصريح الشهير بعيد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري: "إما نحن وإما الفوضى"، وليس سرّاً لكل متبصر أن بشّار الأسد خان وطنه وشعبه، والجميع يعرف (خاصة من كانوا تحت سيطرة حكمه بعد عام 2017) كيف كان وزوجته يسرقان علناً قوت السوريين إلى أن أوصلا الشعب لمرحلة المجاعة الحقيقية لا المجازية، كما كانا يقومان بالتشبيح على التجار والصناعيين السوريين دون تمييز بين طائفة وأخرى، أو دين وآخر، وأغلبنا دفعه الخوف للصمت.. لذا الواجب الوطني، لمن لديه وطنية، أن يمدّ يده متعاوناً بصدق ومحبة مع النظام الجديد بما فيه خير البلاد والعباد، مع النظر إلى الإيجابيات الكثيرة التي لمسناها وعشناها خلال الأسبوعين المنصرمين بعد سقوط الطاغية، دون إغفالنا أن ثمة تجاوزات حدثت، لكنها -والشهادة لله- كانت دون المتوقع بما لايقاس، والأهم أن القيادة الجديدة لسوريا تأخذ معظم الشكاوى -إن لم يكن كلها- التي تصلها حول التجاوزات بعين الاعتبار.. ترى هل كان المجرم بشار الأسد يأخذ شكاوى السوريين ومعاناتهم بعين الاعتبار؟ وألم يقم البعض من أنصاره بتجاوزات مخجلة لابل يندى لها جبين البشرية؟
من حقك كسوري، بمعزل عن خلفيتك الدينية والاثنية، أن تتفق أو تختلف سياسياً مع النظام الحالي لوطنك، لكن ليس من حقك الوطني ولا الأخلاقي أن تعاديه طالما هو يعمل لصالح عموم السوريين، ولما فيهم خيرهم.
ختاماً: كان هناك نهر، اسمه نهر التاريخ السوري، وثمة صخرة كبيرة مضمخة بالفساد والاستبداد.. الخ، اسمها صخرة حكم آل الأسد، تحتجز مياه ذلك النهر وتمنعها من التدفق الطبيعي، فكان أن لوثت المياه المحتجزة خلفها.. أتى من أزال هذه الصخرة من مجرى النهر، فدعونا نتعاون جميعاً كي ننظف تلك المياه الآسنة التي كانت محتجزة (والتي باتت هادرة الآن) مما أصابها من تلوث أسدي، بغية المساهمة في بناء الوطن عوضاً أن نقوم بالمزيد من تخريبه.
فينكس