كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قراءة في قرار وقف القتال.. العدو فشل والمواجهة من الميدان إلى السياسة..

أحمد رفعت يوسف- فينكس

أما وقد بدأ تنفيذ قرار "وقف القتال" في جنوب لبنان، فقد يكون من الصعب بهذه العجالة، الإحاطة الكاملة به، لكن يمكن قراءة أهم خطوطه العريضة، والظروف التي أحاطت بالتوصل إليه.
بداية لابد من الإشارة، إلى أن القراءة الموضوعية، تتطلب أن نتجاوز، محاولات نتنياهو وبعض أعضاء حكومته، وإعلام التطبيع، تصوير الأمر، وكأنه هزيمة للمقاومة (وشبه انتصار) للعدو، وأن تتجاوز أيضاً، المشاهد المؤلمة، لعمليات القتل والدمار، واستشهاد القادة، وفي مقدمتهم السيد حسن نصر الله، لأن قوانين الحروب والصراعات، لا تعترف بالعواطف، والقوانين والأخلاق، وإنما بما يحققه الميدان فقط.
فحكومة الاحتلال، لا يمكن أن تطلب إيقاف القتال، وهي بحالة تفوق، وتحقق أهدافها في الميدان.
وما جرى، هو قرار بوقف القتال فقط، وليس اتفاقاً جديداً، وجاء بعد اليوم الطويل والمرعب، الذي دكت فيه المقاومة الكيان، بأكثر من أربعمئة صاروخ، طالت كل مدنه ومستوطناته الرئيسية، ومواقعه العسكرية والاستراتيجية، وبعد استنفاذ العدو، لكل ما يمكنه من إمكانات عسكرية، وبعد تحذيرات أمريكية، بأن القتال سيأخذ منحى خطيرا، لن يكون في مصلحة الكيان، وهو ما دفع المبعوث الأمريكي هوكشتاين، للتهديد بانسحابه من جهود الواسطة، إذا لم توافق حكومة نتنياهو على وقف القتال.
القرار لم يتضمن أي من الشروط، التي كان يتحدث عنها العدو الصهيوني وهوكشتاين، والذي كان يريد استسلام المقاومة، ووضع لبنان تحت الوصاية الإسرائيلية، فهو محصور، في منطقة جنوب الليطاني فقط، ولا يتضمن نزع سلاح الحزب، أو تفكيك ترسانته، خارج جنوب الليطاني.
كما لا يتضمن، حرية التدخل العسكري الإسرائيلي، ضد ما تعتبره أي خرق للقرار 1701، ولا أي وصاية، أو تدخل مباشر، للجنة الدولية، ولا تدخل عسكري أميركي مباشر، وإنما مراقبين أمريكيين وفرنسيين، وتم استبعاد البريطانيين والالمان، بناء على رفض المقاومة بسبب انحيازهم للعدو.
أما التفاوض حول القرار 1701، والترتيبات على تطبيقه، فسوف تكون بعد وقف القتال، وليس تحت النار، كما كان يحاول الاحتلال فرضه.
الأوهام الإسرائيلية، تساقطت بسرعة، من تغيير الشرق الأوسط، وفق الخرائط التي رفعها نتنياهو في الأمم المتحدة، إلى محاولة استعادة القرار 1559، وربطه بالقرار 1701، وإيجاد ملاحق للقرار، لفرض استسلام المقاومة، والوصاية على لبنان، إلى محاولة التفاوض تحت النار، لينتهي الأمر، إلى استجداء وقف القتال، بشروط أخف من القرار 1701.
القاعدة الميدانية، الأقرب لوصف ما انتهت إليه المواجهة، يمكن وصفها كالتالي "المقاومة لم تنهزم، وإسرائيل لم تنتصر" أما في السياسة، وتداعيات ما جرى، فهذا ستكون له حسابات اخرى، ونستطيع التأكيد، أنها ستظهر حجم الإنجاز الكبير، الذي حققته المقاومة.
ردود الفعل، على وقف القتال، يمكن قراءتها من المشهد العام، على طرفي القتال.
ففي الكيان الصهيوني، لم نسمع ولا مسؤولاً واحداً، سواء من المعارضة، وحتى الحكومة، ومن المراقبين والمحللين، ووسائل الإعلام، ورؤساء بلديات المستوطنات، وخاصة الحدودية، من يقول ان قرار وقف القتال، يعكس صورة انتصار لكيانهم، وهو ما عبر عنه، رؤساء بلديات ومستوطنات الشمال، الذين وصفوا الاتفاق، بأنه "مذل ولا عودة المستوطنين اليها الآن" كما كان لافتاً، ما قاله أحد وزراء الحكومة الإسرائيلية، بأن "هناك اسباباً، معقدة وسرية، دفعت إسرائيل للقبول بالاتفاق، رغم عيوبه".
أما أهل الجنوب، وجمهور المقاومة، فقد سارعوا من الصباح الباكر، للعودة إلى قراهم، لتفقد بيوتهم، والبدء بعمليات الترميم، وبدأت الآليات والورشات، العمل لفتح الطرقات.
النتائج التي تحققت في الميدان، ثبتت وقائع جيوسياسية، وحقائق هامة على الأرض، أكثر خطورة على كيان العدو من الميدان، وهي:
فقدان الشعور بالأمان، لدى المجتمع الإسرائيلي، وفقدان ثقته بقدرة جيشهم على حمايتهم، وهذا سيترجم، تسارعا في هروب المستوطنين، من فلسطين المحتلة، وضرب اهم مقومات وجود الكيان.
الأموال والاستثمارات التي توقفت، او هربت من القتال، لن تعود أبدا، وهذا سيضعضع، الركن الثاني من أركان وجود العدو، وهو الاقتصاد المتطور، الذي يؤمّن الرفاهية للمستوطنين.
أنظمة التطبيع، وخاصة السعودية، ستتردد كثيراً، في المضي قدما بعملية التطبيع، بعد فشل الكيان في حماية نفسه.
بعد وقف القتال، سنسمع كثيراً، عن الحجم الكبير للخسائر، التي أوقعتها المقاومة داخل الكيان، والتي حاول قادة الكيان إخفاءها، كما سنرى لجان تحقيق، في عملية طوفان الأقصى، وأسباب الفشل في تحقيق أهداف العدوان، وسنرى تقاذف للمسؤوليات عن ذلك.
سيلي الاتفاق، الانتقال الى معركة سياسية ودبلوماسية، لن تكون أقل شراسة من الميدان، وستكون انعكاساً لنتائجه، وهذه النتائج تقول، إن العدو، لن يستطيع أن يأخذ في السياسة، ما فشل بأخذه في الميدان.
الاتفاق سينعكس على بقية الجبهات، والنقاط الساخنة، في المنطقة، لمحاولة منع العودة إلى القتال، وتمدده وهذا سيعني، ان هناك محاولات ستجري، لإيجاد تفاهمات، على النقاط الساخنة، وخاصة في غزة، وسورية واليمن، والملف النووي الإيراني.
كما سيلي الاتفاق، قراءة واستخلاص العبر، لأدوار كل الأطراف والدول، سواء في محور المقاومة، أو أنظمة التطبيع، وستكون لهذه القراءة، تأثيرات كبيرة، على الصورة التي ترتسم للمنطقة، على المديين المتوسط والبعيد.