ما بعد الزلزال
أُبي حسن:
كان يُفترض أن ترى هذه الكلمات النور قبل زلزال مساء أمس 20 شباط الجاري، و ما نجم عنه من تكريس لحالة الهلع و الخوف لدى طيف واسع من السوريين بدليل حالات الوفيات بالسكتة القلبية ليلة أمس و فجر اليوم بسبب الرعب، يأتي ذلك في ظل شح بالكهرباء (على خلفية ظروف معروفة للجميع) ما يعني عدم إمكان الاستفادة من القنوات التلفزيونية بغية اللقاء مع الخبراء الجيولوجيين و المعنيين لبث الطمأنينة في نفوس المواطنين، و بهذا خلت الساحة لفرسان الفيسبوك و للمنجم الهولندي الذي يذكرني بالأخطبوط الذي كان "يتنبأ" بالفريق الرابح في مباراة كأس العالم ذات مونديال.
ليس ثمة داع لإعادة الحديث عن المواقف التي تضج نخوة و شهامة و تطفح نبلاً و كرماً و مروءة تلك التي جسّدها السوريون على مختلف مشاربهم عقب الزلزال الأوّل المدمر، و هي مواقف تعبّر عن حقيقة هذا الشعب العظيم، و تستحق أن تكتب بماء الذهب.
و الأمر ذاته، في المواقف النبيلة و المشرّفة للدول الشقيقة و الصديقة و الهيئات و الأحزاب العربية.. الخ. و كذلك الإشادة بطريقة إدارة الحكومة السورية لتبعات الزلزال، و هي تستحق الثناء و الشكر على جهودها.
لكن، و بمعزل عما سبق ثمة أسئلة سألها و يسألها الكثير من السوريين تتعلق بضابطة البناء و كود البناء السوري المتبع في بلادنا، و هل ثمة تقيّد به فعلاً من قبل متعهدي البناء؟ و إن كان الجواب نعم، فلماذا كانت أغلبية الأبنية المنهارة من عمل متعهدي القطّاع الخاص؟ و من ثمّ من يشرف على عمل هؤلاء المتعهدين عدا "ضميرهم" طبعاً؟
والأهم: لماذا لم تتم مساءلة أو الحجز على أي متعهد بناء من الذين انهارت الأبنية التي بنوها فوق رؤوس ساكنيها في أوّل زلزال 6 شباط 2023؟ طبعاً، لا يمكن أن ننتظر من المتضررين القيام بخطوة المحاسبة و المساءلة، فهم ما زالوا تحت صدمة ما جرى لهم، ناهيك عن أن عائلات بأكملها أكلها الركام الذي خلّفه الزلزال! بمعنى تقع المسؤولية -مسؤولية توقيف المتعهدين المعنيين- على المؤسسات المعنية في الدولة.
نسوق ما سقناه، و نحن نتذكّر كيف أوقفت سلطات رجب طيب أردوغان أحد متعهدي البناء الأتراك في إحدى المطارات التركية، ملقية القبض عليه، في حين تتناقل ألسن الناس عندنا أن أحد متعهدي البناء في المناطق المنكوبة في الساحل السوري هرب إلى لبنان! و الرواة ذاتهم يتحدثون كيف رأوا أنقاض بعض الأبنية (فبل إزالتها، و تحليلها في المخابر المختصة) و هي تفتقر إلى مادتي الأسمنت و الحديد! ما يعني، و حال صدق الرواة، فإن هؤلاء الضحايا لم يقضوا نحبهم بفعل القضاء و القدر بل بفعل السيد (و السائد) الفساد مع الأسف.
من جانب آخر، أعلن أحد البنوك السورية عن تقديمه قروضاً بقيمة 18 مليون ليرة سورية دون فوائد لمتضرري الزلزال، بغية ترميم المنازل المتصدعة، و حقيقة إن الإعلان عن هذا القرض هو قمة الاستخفاف بمشاعر السوريين عموماً و المتضررين خصوصاً، لاسيما أن طائرات المساعدات من الدول الصديقة و الشقيقة (و التي ما تزال مستمرة حتى لحظة كتابة هذه الأسطر) إضافة إلى الأموال المقدمة من نشامى سوريا و غيارى الدول الشقيقة كفيلة بإعادة ترميم الأبنية المتضررة كلها، و إعمار ما تهدم، ناهيكم عن أن دولة الإمارات الشقيقة تكفلت بتجهيز عشرات الوحدات السكنية، فلماذا الإعلان عن قرض مجرد الإعلان عنه في هكذا ظرف إهانة لمشاعر المواطنين؟
أياً يكن الأمر، أفاد البارحة 20 شباط 2023، وزير الأشغال العامة و الإسكان المهندس سهيل عبد اللطيف في مؤتمره الصحفي، مشكوراً، أن جميع ما تضرر ستقوم الدولة بمعالجته على نفقتها.
عود على بدء: لا ينبغي التقليل من حالة الهلع و الخوف التي سببها الزلزال الأول و التي كرّسها زلزال الأمس، و لا بأس من الإشارة هنا إلى الحالة النفسية لأهالي الطلاب و التلامذة الصغار في المناطق المتضررة من الزلزال، و من المفيد أن تنظر وزارة التربية في تمديد تعليق التعليم إلى أن تهدأ النفوس، خاصة أن للزلزال تبعات ارتدادية سيكون أثرها سلبياً على الصعيد النفسي.
ختاماً حفظ الله سوريا و شعبها