ثروة سورية المهددة من يصونها؟
فينكس:
أفادت وزارة التربية السوريّة، أمس 19 تموز 2022، أن عدد المتقدمين إلى شهادة التعليم الأساسي دورة 2022 بلغ 306796 تلميذاً وتلميذة نجح منهم 241189 تلميذاً وتلميذة بنسبة نجاح 78.62 بالمئة بينما كانت نسبة النجاح العام الماضي 76.24 بالمئة.
وبلغ عدد التلاميذ الذين حصلوا على العلامة التامة 3100 درجة في شهادة التعليم الأساسي 97 تلميذاً وتلميذة موزعين على 25 في دمشق و9 بريف دمشق و2 في كل من القنيطرة وحماة ودير الزور و5 في كل من السويداء والحسكة وحلب و3 في حمص و1 في درعا و7 في اللاذقية و31 في طرطوس.
لن نتطرق إلى الشهادة الثانوية كعدد طلّاب متقدمين و من ثمّ ناجحين، و لا من حازوا العلامة التامة فيها.. الخ، لكن و من بعد تهنئتنا للمتفوقين و الناجحين بما حققوه، يحق لنا أن نتساءل عن التكاليف الباهظة التي قدمتها و تقدمها الدولة بغية تعليم الطالب لديها منذ المرحلة الابتدائية حتى تخرجه من الجامعة، وصولاً لتهيئته إلى سوق الإنتاج و العمل؟ طبعاً هي تكاليف مرتفعة جداً، نسوق ذلك بمعزل عن الثغرات التي قد تتخلل نظام التعليم لدينا في جميع مراحله، و بمنأى عن بعض الملاحظات السلبية للغيارى على مجرى العملية التعليمية؛ و المفترض أن هذا الطالب الذي تعبت و صرفت عليه الدولة إلى أن يصبح في موقع يقدّم فيه لدولته خبرته و خدمته لها في مجال تخصصه، و عملياً هذا ما يحدث في معظم بلدان العالم، على الأقل المتحضّر منه و بعض النامي، لكن مع الأسف بات الطالب عندنا، و بفعل الحرب و مفرزاتها، يفكّر بالهجرة حتى قبل أن يتخرّج من جامعته.
ليست الحرب و ما خلّفته هي من يدفع بطلابنا الشباب إلى الهجرة فور تخرجهم دون أن نقلل من عامل الحرب، بل ثمة عوامل أخرى تتعلق بالروتين و البيروقراطية و المحسوبيات و الفساد و ما يتفرّع عنه، و هي عقبات و عراقيل تدفع بخريجينا للهجرة ليست فقط لدول الاتحاد الأوربي أو الولايات المتحدة و كندا إن تمكنوا، بل حتى إلى "جيبوتي" و "الصومال" و"أربيل" و "ليبيا"!
قبل أكثر من عقد و نصف، قالت الدكتورة التي نحترم، أعني الدكتورة بثينة شعبان، و في تصريح شهير لها: "إن في ألمانيا نحو خمسة آلاف طبيب"، كان ذاك التصريح قبيل الحرب على وطننا بنحو الخمس سنوات؛ و كان الأجدر حينذاك التساؤل عن سبب وجود ذلك العدد الكبير من الأطباء السوريين في ألمانيا، و لماذا ليسوا هم في سوريا التي كانت آمنة؟ طبعاً الآن من العبث تقدير عدد الكفاءات السورية التي هاجرت و التي في طريقها للهجرة، لكن المؤكّد أن الدولة تخسر مرتين في هجرة تلك الكفاءات: مرة إبّان تعليمها لهم، و الثانية من خلال خسارتها لهم.
لا يخامرنا الشك أن ثروة أي دولة، كائنة في الدرجة الأولى، في عنصر شبابها، أمل حاضرها و صنّاع مستقبلها، و بعد هذه الثروة، ربما بدرجات، تأتي الثروات الأخرى من باطنية و غيرها. و نحن في سوريا، نفخر كوننا من البلدان الفتية و الشابة على نقيض بعض الدول الأوربية، كألمانيا، التي تفتقر لهذا العنصر، و هذا كان أحد أسباب قبولها لاستقبال بعض المهاجرين من سوريا و غيرها، بذلك عرف الألمان كيف يستثمرون ثرواتنا التي تعبنا عليها و خسرناها.
طالما عبّر الشعب السوري، قبل الحرب و خلالها، و ما زال يعبّر عن حيويته و نشاطه و شدة اندفاعه للعلم، هذا على الأقل ما ترجمته هذا العام -مثالاً لا حصراً- نتائج الشهادتين الثالث الإعدادي و الثالث الثانوي، و شعب بمثل هذه الحيوية و النشاط و يحقق فتيانه و شبابه هذا التفوق الخارق علمياً في ظل ظروف أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها غير طبيعية و غير إنسانية، شعب كهذا يستحق حكومة جديرة به تدرك كيف تستثمر الطاقات الجبّارة لدى شباب الوطن و كفاءاته عوضاً عن تهافت تلك الكفاءات على أبواب السفارات بما في ذلك سفارتي الصومال و جيبوتي.