ملاحظاتٌ سوريَّةٌ على هامش الحرب الروسية- الأوكرانية
2022.02.25
يحيى زيدو- فينكس
قبل أن تحتفل أوكرانيا بالذكرى المئوية لتأسيسها (تأسست كجمهورية عام 1923)، عاجلها الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بعملية عسكرية يوم الخميس 24/2/2022.
وسواء بقيت العملية العسكرية محدودة، أم اتسعت في الزمان والمكان، فإن بوتين يدرك في العمق أسبابها وأبعادها ومخاطرها ونتائجها، كما يدرك خصوم "روسيا" ذلك وإن اختلفت زاوية الرؤية والتقييم.
العملية العسكرية الروسية في "أوكرانيا" تأتي ترجمة لسنوات من الصراع والتوتر والتنافس مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، في إطار محاولات "روسيا" للحفاظ على أمنها القومي، وخلق عالم متعدد الأقطاب بدلاً من عالم القطب الواحد الذي تصر الولايات المتحدة على بقائه.
وبصرف النظر عن العداء التاريخي بين "روسيا وأوكرانيا" مع أنه كانت تجمعهما دولة واحدة حتى العام 1991هي الاتحاد السوفياتي، وبعيداً عن العوامل التي أدت إلى هذه الحرب، فإن ما يلفت النظر هو انقسام مواقف السوريين حولها.
فئات واسعة من السوريين أيدت وبلا تحفظ موقف "روسيا"، لأن "أوكرانيا" كانت جزءاً من التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة في الحرب على سورية، وهؤلاء يعتبرون أن انتصار "روسيا" هو هزيمة للولايات المتحدة التي ما تزال تحارب السوريين، وتحاصرهم وتجوعهم، وتمنعهم من التوصل إلى الحل السياسي الذي ينهي أزماتهم.
وقسم آخر من السوريين استنكر العملية العسكرية "الروسية" وأعلن تضامنه مع "أوكرانيا"؛ فئة من هؤلاء تنتمي إلى المعارضة التي تعادي "روسيا" لتحالفها مع الدولة السورية، وفئة أخرى تتضامن مع "أوكرانيا" بسبب خيبتها من الدور "الروسي" الذي لم يلجم الاعتداءات "الإسرائيلية" المتكررة على السيادة السورية، ولم يسهم في تحسين، أو تحصين، الوضع الاقتصادي.
وهناك فئة استنكرت العملية لأنها ترفض بالمبدأ فكرة شن الحروب لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية.
لكن، ومهما كانت مواقف السوريين من الحرب الحالية في "أوكرانيا"، فإن ذلك لن يغير مسار الحرب، لأن العوامل التي أدت إلى اندلاعها أكبر من التضامن العاطفي أو الاستنكار المبدئي.
إن زيارة وزير الدفاع الروسي "سيرغي شويغوإلى" سورية في 15/2/2022 لحضور المناورات المشتركة للقوات الروسية، ولقاءه الرئيس "بشار الأسد"، حمل رسالة واضحة مفادها أن سورية هي جزء من منظومة الأمن القومي الروسي، وهي تشكل خط الدفاع الثاني عنه بحكم موقعها الاستراتيجي، وتواجد القوات المسلحة الروسية على الأرض السورية، فضلاً عن أن بُعد سورية عن أوروبا يعطي هامشاً أوسع لروسيا في صراعها مع حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة.
إن إدخال سورية في استراتيجية الأمن القومي الروسي، يعني أن سورية ستتأثر بنتائج الحرب الدائرة مع "أوكرانيا"، وبنتائج الصراع والتنافس مع الولايات المتحدة.
وهذا سينعكس، بطبيعة الحال، على الأوضاع الاقتصادية الصعبة أساساً بسبب الحصار القاسي المستمر منذ سنوات.
ولعل هذا الأمر هو ما دفع الحكومة السورية إلى عقد اجتماع عاجل يوم أمس الخميس 24/2/2022 لاتخاذ مجموعة من الإجراءات الاستباقية تتعلق بإدارة المخزونات المتوفرة من القمح والمواد الغذائية والمشتقات النفطية، وقضايا أخرى وردت في بيان الحكومة يوم أمس.
هذا يعني أن الحكومة تتوقع مزيداً من الضغوط والصعوبات بسبب العقوبات الغربية على روسيا وحلفائها، وهذا يستلزم في الواقع الابتعاد عن الإدارة التقليدية للقضايا المعيشة، والعمل على ابتكار حلول واقعية، وفتح باب المبادرات وتشجيعها، وعدم الاكتفاء بالبيانات التي تدعو إلى الصمود والصبر، لأن الجائع لن يجد الصبر ولا القدرة على الصمود.
أما على المستوى السياسي، فإن الأزمة السورية قد تأخذ منحى تصعيدياً على الصعيد العسكري، فيما الحل السياسي قد يصبح ممتنعاً في المدى المنظور على الأقل، وذلك لعدة اسباب منها :١- تركيا التي ما تزال الطرف الأكثر تأثيراً في الأزمة السورية، والتي تؤيد "أوكرانيا"، قد تلعب درواً أكثر عدوانية في المرحلة القادمة لأنها ستكون رأس الحرية لتنفيذ الأجندة "الأمريكية" المعادية لروسيا في سورية".
فالولايات المتحدة ستبتلع هزيمتها في "أوكرانيا"، وستسعى للتعويض عنها في مكان آخر ولن تجد أفضل من سورية ساحة للتعويض عن ذلك من خلال تشجيع ودعم ودفع الثور التركي لمزيد من التصعيد، والعنف، ومحاولة قضم أراضٍ سورية في "إدلب" وريف "حلب" لإقامة منطقة عازلة يمكن إلحاقها بلواء اسكندرون المحتل لاحقاً.
وهذا سيعوض "تركيا" عن هزيمة حليفتها "أوكرانيا"، وقد تستغل تركيا الاستثمارات "الروسية" فيها للضغط على روسيا لتحيبدها في سورية"إنفاذاَ للأجندة الأمريكية الأطلسية في المنطقة.
٢- الاكراد وتحالف (قسد) و(مسد) حلفاء الاحتلال الأمريكي، الذين ستسند لهم أدوار الاعتداء على وحدات الجيش العربي السوري، والسيطرة على ما تبقى من سلة غذاء سورية في منطقة الجزيرة لحرمان السوريين الذين يؤيدون الدولة السورية من لقمة العيش، بما يسهم في تكامل الحصار الخارجي مع الحصار من الداخل لدفع الدولة السورية إلى الانهيار ما أمكن لهم ذلك.
٣- الدور التركي المتكامل مع دور (قسد) و(مسد) والتنظيمات الإرهابية الأخرى في "إدلب" وريفها وبعض ريف حلب وشرق الفرات، سيكون هدفه الأساسي منع استعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة تلك التنظيمات، ومنع الحل السياسي للأزمة السورية التي يراد لها أن تدخل (الثلاجة) في ظل استمرار الصراع والتنافس الروسي (ومعها الصين) مع الولايات المتحدة وحلف الناتو.
وفي ظل امتناع الحل العسكري للأزمة السورية، وتمنع الحل السياسي بدخول الأزمة ثلاجة العلاقات الدولية، فإن على السوريين الاستعداد لما هو أسوأ، ريثما يتفق اللاعبون الدوليون على تقاسم النفوذ والثروة في العالم، بعد تخلق العالم متعدد الأقطاب الذي لن يأخذ بالحسبان مصالح الشعوب المستهدفة بتقاسم ثرواتها، والسيطرة على مقدراتها، واستخدام أراضيها ساحات لتصفية الحسابات الاستراتيجية.
هذا الأمر يجب أن يدفع بأصحاب القرار إلى إبداع الحلول، وتحفيز وتشجيع المبادرات والإدارة الرشيدة التي تسهم في التخفيف من حدة الحصار والتجويع الذي يعاني منه "السوريون" منذ عشر سنوات، وها هم يدخلون العام الحادي عشر من الأزمة بعد أيام، وهم أكثر تعباً وجوعاً مما كانوا يتوقعون.