كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مِنَ المَغرِب إلى اليمن فسوريا.. الطفولة لا تتجزّأ..

أُبي حسن- فينكس:

حصدَ الطفل المغربيّ "ريان أورام" عبرَ وسائلِ الإعلامِ بمُختلفِ أجناسِها حملةَ تعاطُفٍ غيرِ مسبوقة.

وفعلاً، إنّ ما جرى معَ الطفل المذكور الذي قضى نحبَه في/6/ شباط 2022 بعدَ أن استطاعوا نشلَ جُثمانه من بئرٍ بعُمق 32 متراً أمرٌ يستحقُّ التعاطُف، على الأقلّ تحتَ عُنوان الطفولة التي لا تنتمي إلى أيّ مذهبٍ سياسيّ و لا حتى عرقيّ أو إثنيّ أو دينيّ.
استطاعت الطفولة مُجسَّدةً بِـ"ريان" أن تُوحّدَ المشاعرَ الإنسانيّة على امتدادِ مساحةِ الوطن العربيّ، وربّما العالم، من خلالِ مُتابعةِ الجماهير بقلوبٍ واجِفة لتفاصيلِ عمليّةِ الإنقاذ التي لم تُكلّل، معَ الأسف، بالنجاح.
صحيح أنَّ حوادثَ سُقوطِ الأطفال في آبارَ ارتوازيّة تكررت مِراراً عبرَ التاريخِ القريب، فقد سَجّلت وسائلُ الإعلام حادثةَ سُقوط الرّضيعة الأمريكيّة "جيسيكا" عام 1987 والتي تمكّنَت فِرَقُ الإنقاذ من انتشالها حيّة بعدَ نحوِ ستّينَ ساعة. وكذلك الطفل الإسبانيّ "يولين"، وكانَ عمرهُ عامين عندما سقطَ في بئر عام 2019 وانتُشِلَ جُثّة هامدة، و الأمرُ نفسُه مع الطفل السوريّ" حسن خضر الزعلان" (10 سنوات) الذي سقطَ في بلدة "كفر روحين" شمالي إدلب، ولقى حتفه، وغيرهُم الكثير كالطفل الجزائريّ "عياش المحجوبي" الذي قضى نحبَه في بئر في ولاية "المسيلة" جنوب شرق الجزائر عام 2021، والطفل العراقيّ الذي سقطَ في أكتوبر 2021 في بئر بعُمق خمسينَ متراً في "الموصل"، وكانَ عمره عاماً و نصف العام، و كُتبَت لهُ الحياة مُجدّداً.
اللافت للانتباه أنَّ حظّ مَن ذكرنا من حوادثَ و مآسٍ "أبطالُها" أطفال لم يكُن وافراً منَ المُتابعة الإعلاميّة و الجماهيريّة، بما يتبعُها من حملاتِ تعاطُفٍ مصحوبة عادةً بأدعيةٍ صادقة، ما يطرحُ سؤالاً بدهيّاً حولَ الاهتمامِ مُنقطعِ النظير الذي حَظِيَت به مأساةُ الطفل "ريان"!
طبعاً لا نريدُ أن نُسيّسَ مأساةَ الطفل المغربيّ، و لا أن نحرفَ المشاعر الإنسانيّة النبيلة لمَن تعاطفوا معه عن وجهتِها، فنزعُم أنّ سببَها كائنٌ في العلاقةِ الحميمة (والتاريخيّة) بينَ نظامِ بلاده والكيان الصهيونيّ، وما يبطلُ هذا الزعمَ (الباطل أساساً) أنّ حادثةَ" جيسيكا" الأمريكيّة و "يولين" الإسبانيّ، و الطفلة "لمى" السعودية التي قضت نحبَها في بئرٍ أيضاً عام 2019 لم تتجاوز حملاتِ التعاطُف معهُم صفحاتِ التواصل الاجتماعيّ لبُلدانهم (باستثناء جيسكا، إذ لم يكُن الموقع الأزرق قد وُلِدَ بعد)، وهيَ كلُّها بلدان لها علاقات أكثر من مميّزة معَ الكيانِ الإسرائيلي!
ليسَ منَ المُهمّ أن نُجيبَ عنِ السؤال أعلاه، بيدَ أنَّ قصّةَ الطفل السوريّ "محمد فواز قطيفان" المخطوف منذُ ثلاثةِ أشهُر من قِبَلِ إحدى العصابات بريف درعا لم تأخذ ذلكَ الاهتمام الذي لَقِيَهُ "ريان"، عِلماً أنَّ مأساة" قطيفان" سابِقة على حادثة "ريان" بأكثرَ من شهرين و نصف، و تعرُّض "قطيفان" لتعذيبٍ وحشيٌ لم يهزَّ شعرةّ لدى أيّ مُنظّمةٍ دوليّة، بما فيها تلكَ التي تزعُمُ الدفاعَ عن حُقوقِ الانسان أو تلكَ التي تُعنى بالطّفولة!
و منَ المُحزن فعلاً أنَّ العالمَ أجمع يعرِف أنَّ الحرب الظالمة التي يشنُّها الغرب وأذنابُه على سوريا منذُ أكثرَ من عشرِ سنوات التهمت آلافَ الأطفالِ الأبرياء، وأنَّ بعضَهُم تمَّ ذبحُه بدمٍ بارد، و معَ ذلك لم يهتزّ الضمير الإنسانيّ لا العربيّ و لا العالميّ لِما جرى ويجري لأطفالِ سوريا.. و ثمّةَ تقريرٌ أمَميّ صدرَ في يناير 2020 يؤكّد أنَّ من نتائجِ الحرب الدائرة في سوريا أن تشرّدَ نحو خمسةِ ملايين طفل داخلَ سوريا وخارجَها، بما يلحقُ ذاكَ التشرّد من مُعاناةٍ و آلامَ و مآسٍ قد تكونُ نهايةُ بعضها أفظعَ من نهاية الطفل "ريان"، ومعَ ذلك لم نجد أحداً اهتمَّ لمآسي الطفولة السوريّة.
و إذا ما عرجنا على أطفالِ "اليمن" مُعتمدينَ على بيانات الأمم المتّحدة سنجد أنَّ الحربَ الجائرة على اليمن من قِبَلِ الأعراب قبلَ الأغراب قتلت و شوّهت /2600/ طفل بينَ عامي /2019 و 2020/ وفقَ تقريرٍ منسوب للأمين العام للأمم المتّحدة، فيما تعترف منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة "اليونيسف" في /21/ تشرين الأول من عام 2021 أنَّ عددَ ضحايا الحرب اليمنيّة من الأطفال بلغَ عشرةَ آلافِ طفل!، و هؤلاء لم نسمع أنَّ أيَّ مُنظّمةٍ في المُجتمع الدوليٌ أو حتى مُجرّد فضائيٌة "أعرابيّة" اهتمّت لأمرهم أو أعلنت عن تعاطُفِها معهُم! و هل ثمّةَ حاجةٌ للتذكيرِ بأطفالِ "العراق" و "فلسطين" و حتى "لبنان" في (قانا1 و قانا2، و قبلها صبرا و شاتيلا)، و كلّهم قضَوا نحبَهُم، إمّا على يدِ الغرب المُتوحّش أو أداتهِ المِطواعة "إسرائيل"؟
ما سبق يستحضرُ السؤالَ البدهيّ: هلِ الطفولة تتجزّأ؟ وهلِ المشاعرُ حيالَها تكونُ مُتحيّزة؟ لا نؤمنُ بذلك، و كوننا لا نؤمن بتجزيءِ الطفولة فإنّنا نتعاطفُ مع" ريان" كتعاطُفنا معَ أطفالنا المُشرّدين و اليتامى، و مَن عاشوا مآسيَ الحرب و كانَ بعضهُم من ضحاياها في "سوريا" و "اليمن" و "لبنان" و "العراق" و قبلهم "فلسطين"، إذ لا يُعقَل أن تكونَ وفاةُ طفلٍ في" المَغرِب" أكثرَ من قضاءٍ و قدر، فيما مآسي أطفال المَشرِق العربيّ مسألةٌ فيها نظر!