بينَ الألمِ الشعبيّ والتخبّطِ الحُكوميّ.. الدعم في ورطة
2022.02.02
فينكس- أُبي حسن:
منَ الطبيعيّ أن يكونَ صدى رفعِ الدّعم عن شرائحَ واسِعة منَ السوريّين سلبيّاً في الشارع، وردّةُ الفعل لم تكُن على رفعِ الدعم من حيثُ المبدأ، بل على الطريقة الارتجاليّة (نربأ القول: الاعتباطيّة) في رفعِ الدعم!
والحُكوماتُ السوريّة تستحقُّ الدخولَ في مجموعةِ "غينيس" للأرقامِ القياسيّة فيما يتعلّق بالقراراتِ الارتجالية التي لم يكُن آخرُها اللغط الذي أعقبَ الإعلانَ عنِ المُسابقة المركزيّة، ومِن قبلِها قضيّةُ تعيينِ المُهندسينَ الجُدُد... الخ.
و قبلَ الخوضِ في نقاشِ بعضِ سلبيّاتِ رفعِ الدعم، وتناقُضِ ما جرى معَ تصريحِ السيد رئيس الحكومة إبّانَ لقائهِ التلفزيونيّ معَ ثلاثةِ إعلاميّين عبرَ فضائية الإخباريّة السوريّة بتاريخ 3/1/2022، لا بدَّ من أن نُشيرَ إلى أنَّ مبدأَ رفعِ الدعم عن غيرِ مُستحقّيه كانَ موضوعاً مَطروحاً في حُكومةِ المُهندس "ناجي العطري" قبلَ أكثرَ من /15/ عاماً، وكانَ مُبرّر إعادةِ النظرِ فيه هوَ الفسادُ الكبير الذي كانَ يتمّ تحتَ عُنوانِ الدعم، إذ تبيّنَ أنَّ حَجماً منَ الكُتلة النقديّة المُخصَّصة له لم تكُن تذهب إلى مُستحقّيها فعلاً، بل كانت تُهدَر في بعضِ زواريبِ المُؤسَّساتِ المَعنيّة.
وبالعودة إلى القرارِ الحُكوميّ الأخير والمُتعلّق بتحديدِ الشرائح التي تستحقُّ الدعمَ من عدمِها، نجدُ أنفُسَنا مُضطرّينَ للاستشهادِ بتصريحِ المُهندس "حسين عرنوس" عندما قالَ بمَا معناه: إنَّ في سورية نحو /4.5/ مليون بطاقة ذكية، وإنَّ الشرائح التي سيُرفَعُ عنها الدعم لا تتجاوز /300/ أو /350/ ألفَ بطاقة. وهُنا تساءلَ سيادتُه: "هل إذا رُفِعَ الدعم عن هذا العدد، هذا يعني أنَّ الحكومة تخلّت عن الدعم؟"، لكنَّ الذي تبيّن بعدَ صُدورِ القرار ودخولهِ حيّزَ التنفيذ أنَّ عددَ الشرائح التي تستحقُّ الدعمَ في سورية، ووفقَ تصنيفاتِ الحُكومة لا تتجاوز /350/ ألف عائلة في سورية، فيما الغالبية العُظمى منَ العائلاتِ السوريّة باتت خارجَ الدعم الحكوميّ! وإلّا ماذا يعني أن يكونَ مالكُ سجلٍّ تجاري منَ الفئة الرابعة أو العاشرة (إن وُجِد) شأنّهُ شأنُ حيتانِ المال وأثرياء الحرب؟ هل يُعقل أنَّ كِلاهُما منَ الشريحةِ ذاتِها؟ وهل يُعقل أن يُعامَلَ صاحبُ دُكّانٍ في إحدى القُرى النائية - بذريعةِ امتلاكهِ لسجلٍّ تجاريّ- كمُعاملةِ صاحبِ مول عِملاق في العاصمة أو سِواها من مُدُن كبيرة؟
ومن ثمَّ هل مِنَ المنطقيّ أن تكونَ سيّارةُ المرسيدس و الـ"بي إم دبل يو" و "الأودي" وشقيقاتُها محظوظةً بالدعم الحكوميّ حال كانَ تاريخها يعودُ إلى ما قبل عام /2007/، فيما سيّارات "الشام" و "السّابا" ستُمنع منَ الدعم إذا ما كانَ تاريخُها يعودُ إلى أعوام /2011/ و /2014/ و /2016/ مِثالاً لا حصراً؟ وهل مالكُ "المرسيدس 500" وإن كانَ تاريخُها يعود لعام /2000/ بات فقيراً ويحتاجُ الدعم، فيما منِ ابتسمَ لهُ الحظّ فاقتنى سيّارة "سابا" موديل /2008/ بمعونةِ بضعةِ قروض هوَ ثريّ ومُقتدِر، وسيّارتهُ تُحرَم منَ الدعم؟!
و هل من بابِ الوفاءِ لِدَمِ الشُّهَداءِ الذينَ لهمُ الفضلُ الأوّل في بقاءِ الوطن أن يتمَّ شملُ ذويهم بتلكَ القراراتِ القراقوشيّة؟ و هل ثمّةَ حاجةٌ للتذكيرِ بالحَيفِ الذي طالَ صِغارَ المُوظَّفينَ والكَسَبة جرّاءَ تلكَ القراراتِ الارتجاليّة؟..
وهل تعلمُ الحُكومة أنَّها بقرارتِها تلك تزيدُ الشَّرخَ بينَ أبنائِها المُواطنين من حيثُ لا تحتسب! إذ لنا أن نتصوّرَ مُواطنينَ على محطَةِ وقود أحدهُما يملأُ خزّانَ وقودِ سيّارتهِ بمبلغٍ (مَدعوم) فيما الثاني يملأُ خزّانَ وَقودِ سيّارتهِ دونَ دعم!
من نافلِ القول أنَّ مِن شأنِ مثلِ هذهِ الطريقة العشوائيّة والارتجاليّة (مُجدّداً، نربأُ بأنفُسِنا القول: الاعتباطيّة) في رفعِ الدعم أن تزيدَ منَ الهُوّة بينَ الحُكومة والشّعب، ولا نُبالغ إن قُلنا إنّها تكادُ تجعلُ الشعبَ يفقدُ ثقتهُ بالحُكومة وقراراتِها التي لا يراها تأتي في صالحه قدرَ ما يجدُ فيها قراراتٍ جائرة تزيدُ مِن مُعاناتهِ وبُؤسه، لا سيّما أنّهُ اكتوى بقراراتِ حُكوماتهِ التي قلّما كانت في صالحِه.
هَل ما سُقناه هوَ دعوةٌ للتشاؤم؟ قطعاً لا..، هل ثمّةَ بصيصُ أمل؟.. نعم، ثمّةَ بصيص، وأوّلهُ هوَ اعتذارُ وزيرِ التجارةِ الداخليّة وحمايةِ المُستهلك، بتاريخ 1 شباط 2022، منَ الشّعب عنِ الأخطاءِ التي رافقتِ القرار، وثانيها هوَ تقبّلُ الحكومة لانتقاداتِ مواطنيها حولَ اللغطِ الذي تسبَّبت به.
و يبقى القول إن ذلك الاعتذار، و ذاك التقبّل الحكومي للنقد ليس كافياً لحل المشكلة التي يأمل المواطن في ايجاد حل عادل لها، فهل حكومتنا فاعلة ذلك؟ الله أعلم!