كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن بوتين.. بمناسبة احتفاء ترامب به

عبدو فياض

 منظر استقبال ترامب لبوتين كان شديد المهانة.. ليس للرئيس الروسي، بل لحلفاء ترامب الأوروبيين، وكذلك العرب..
شيء من وراء الخيال.. سرب من طائرات B-2 الشبحية ترافق طائرة بوتين فور دخولها في أجواء ألاسكا، وترامب بنفسه يطلب من بوتين عدم ركوب سيارته الخاصة، ومرافقة ترامب، بدلًا من ذلك، في سيارته الكاديلاك المصفحّة.. وبينما كانت السجادة الحمراء مفروشة على الأرض أمام طائرة بوتين، حدثت بعض الأخطاء، فبادر الجنود الأميركيون، ثلاثة منهم، للانحناء أمام الكاميرات، من أجل إصلاح شكل السجادة لاستقبال الزعيم الروسي.. نحن نتحدث عن بوتين.. المطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية، والذي تسبّب في اندلاع حرب مع دولة محورية لاستراتيجية الأمن الأوروبي، بوتين الذي ضمّ بالقوة أربعة أقاليم أوكرانية أمام أعين العالم كله، ونظّم استفتاء صوري من أجل ترسيخ تبعيتها للفيدرالية الروسية.. بوتين الذي يخوض صراعًا مفتوحًا مع الغرب لمدة ثلاث سنوات وتكلّف فيه مئات ألوف من مواطنيه.. وبالتأكيد بوتين حليف كل من يُعادي المصالح الأميركية.. الصين وكوريا الشمالية.. بوتين هذا يحظى باستقبال لم ينله كل زعماء العالم مجتمعين.. وممن؟.. من عدوه اللدود.. أميركا..
بوتين فهم الدرس في التعامل مع الغرب جيدًا.. استلم فلاديمير فلاديمروفيتش السلطة في موسكو في 31 ديسمبر 1999.. كانت الدولة الروسية في حالة بالغة السوء.. سلفه بوريس يلتسين هرول وراء أميركا وأوروبا، كان يعتقد أن نهاية الحرب الباردة سوف تصلّح أخطاء الماضي.. أوروبا سوف تفتح الباب أمام روسيا من أجل الانضمام للمؤسسات الاقتصادية الواعدة، ويقينًا سوف تحترم واشنطن خصوصية روسيا كإمبراطورية سابقة ولن تحاول الاقتراب من فضائها الحيوي.. لكن ما جنته روسيا كان الإذلال الخام.. صعّد الغرب حثالات المجتمع الروسي بالمعنى الحرفي للكلمة.. موظفين بيروقراط سابقين في الجهاز الإداري الروسي يحصلون على مؤسسات حكومية روسية قيمتها عشرات مليارات الدولارات مقابل الفتات.. كان طبيعيا أن نرى الملياردير جوزينسكي وهو يمتلك محطة تلفيزيونية مثل NTV للتغطية على أمواله المشبوهة، وآخر مثل بيرزوفيسكي يتولى مهمة صناعة الملوك، وطبعًا خوداركوفيسكي وهو يسيطر على ثالث أكبر شركة نفط حكومية مقابل ملاليم حرفيًا.. والثلة مجتمعة وأفراد آخرين يخطّطون لمستقبل دولة عظيمة مثل روسيا على أمل واحد فقط.. التقارب مع الغرب..
ما هو ثمن الثقة في الغرب؟.. أن روسيا اقتربت من الإفلاس عام 1998، انخفاض حاد في قيمة الروبل، وعجز تام عن توفير السلع الأساسية، وزحام أمام المتاجر بالكيلومترات، والتخلف عن سداد الديون الخارجية.. لم تتلق موسكو دعمًا مهمًا من الغرب.. جاء من الصين لعدة مرات، وكان لذلك أثمان سياسية بالطبع.. كان الطرفان، موسكو وبكين، في خضم أزمة ساحقة.. روسيا للإفلاس الوشيك، والصين للعقوبات المفروضة على التمويل المالي من المؤسسات النقدية الغربية وكذلك صفقات السلاح بسبب أحداث الميدان السماوي.. كانت الصفقة عادلة.. السلاح الروسي وترسيم الحدود المتنازع عليها على مسافة 4300 كم مقابل 500 مليون$ من الصين.. ولك أن تتخيّل أن موسكو كانت تبيع مجمعات الألومونيوم العملاقة التي تجاوز قيمتها 25 مليار $ لقاء 100 مليون دولار، لاسترضاء الدول الغربية، وتذهب لتشحذ بعد ذلك من الصين.. كانت تلك هي النسخة الروسية المُحبّبة للكل.. دولة عاجزة وفاشلة برئاسة أحد أفسد الروساء في التاريخ تعاونه ابنته تاتيانا ورجالها من القطط السمان.. هل تتوقّف واشنطن؟.. أبدًا.. مزيد من الإضعاف ما يزال في الطريق..
روسيا للبيع.. والمشتري من يدفع الثمن الأكبر.. السعودية والإمارات تقاسمتا عام 1991 مبلغ 4 مليار$ من أجل الحصول على الموافقة الروسية في مجلس الأمن لتشكيل تحالف دولي لتحرير الكويت عقب غزو صدام.. لا يستحق العراق التضحية الروسية.. ربما.. لكن حينما يتعلّق الأمر بيوجوسلافيا.. لا.. كان الوضع مختلفًا.. يوجوسلافيا هي الظهير الروسي الثقافي والحضاري في البلقان، هي التي تتقاسم مع موسكو العرق السلافي وكذلك المذهب الأرثوذكسي الشرقي، والأيدلوجية الاشتراكية مع اختلاف التطبيقات.. وقبلت روسيا بمنتهى الاستسلام تقسيمها وفصل أجزائها الستّ ابتداءً من العام 1994.. وسوف تقبل لاحقًا انضمام معظم دول الكتلة الشرقية للتجمع الاقتصادي الأوروبي وبعدها للناتو.. لم تعد حتى واشنطن مهتمة بتقييم السياسة الخارجية الروسية بالمال كما حدث في مطلع التسعينات.. الضعف الداخلي سوف يُجبر موسكو على التخلي جبرًا عن كل مناطق نفوذها التاريخية، لتصبح محاصرة من كل مواطن إتيانها.. من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وحتى البلقان..
استلم بوتين تلك التركة الثقيلة.. بوتين المجروح شخصيًا من تبعات التراجع السوفياتي.. ضابط الاستخبارات الذي غادر ألمانيا الشرقية حيث كان يعمل كجاسوس في محطة دريسدن ليفاجأ بوضع بالغ السوء، اضطره لبيع أجهزة بيته المنزلية في سان بطرسبرج، حتى يتمكّن من إعالة زوجته لودوميلا وابنته التي سمّاها على اسم أمّه، ماريا.. بوتين الذي اضطر بعد أن كان ضابطًا في عليائه للتعامل مع المافيا الروسية حتى صار حلقة الوصل بين فساد المال وفساد السياسة.. عندما عاد لوطنه، هاتف بوتين العقيد المسئول عنه أوليج كالوجين، الذي طلب منه التوجه لقصر مارينسكي حيث مقر عمدة سان بطرسبرج أناتولي سابوتشاك.. وهناك نال بوتين منصبه السياسي الأول.. مدير مكتب العمدة ومسئول التواصل الخارجي.. شاهد بوتين للمرة الأولى روسيا الجديدة.. المال الحرام والعلاقات المشبوهة بين الجميع.. وانخرط حتى النخاع.. عيّن إثنين مستشارين.. لا تعرف الاسم الأول ‘‘فاليري موسين‘‘.. لكنك تعلم الإسم الثاني جيدًا، الرجل الذي سوف يصبح دمية بوتين المفضلّة ‘‘ديمتري ميدفيدوف‘‘.. وذهب بهما إلى هامبورج، يُجيد بوتين الألمانية، ولن يجد صعوبة تذكر في فهم ما يدور في أحد أشهر كازينوهات القمار في الولاية الألمانية.. كازينو ريبربان..
عاد بوتين مفتونًا، وأنشأ اللجنة الحكومية لصناعة القمار في سان بطرسبرج، وسلّم قيادتها للمافيا، على شرط تقاسم العوائد بحصة 51% للحكومة المحلية، والباقي يوُزّع بين أفراد العصابات..احتكار القمار سوف يمتد للبنزين، بوتين سيتدخل لمنح الامتياز كاملًا في بطرسبرج لصديقه فلاديمير كومارين.. بدأ الكل يلتفت للزعيم المحلي الجديد.. ومن هنا جاء تعيينه في شركة بطرسبرج للأصول العقارية المملوكة لفلاديمير سميرنوف.. كانت الشركة واجهة لغسيل أموال عصابات كالي الكولومبية المتاجرة في الكوكايين.. راكم بوتين خبرة هائلة في إدارة شئون المدينة بالمعايير الروسية الجديدة، وبنى حاشيته، وسوف يخطيء بلا شك في رحلة الصعود.. تلك النوعية من الأخطاء التي تكلّف المرء حياة أسرته.. وكان ذلك تحديدًا عندما منح بالأمر المباشر عقد تشييد ميناء نفطي للإمبراطور جينادي تيموتشينكو بقيمة 15 مليار $، فاندلعت حرب عصابات ساحقة، اضطر بوتين على إثرها لإرسال زوجته وابنته إلى الخارج.. هامبورج تحديدًا..
كان بوتين حاكم سان بطرسبرج الحقيقي.. وتلك المرّة سوف يلفت الأنظار ليس في موطنه بطرسبرج، بل في قلب الحكم.. موسكو.. حيث استدعاه الرئيس يلتسين وعيّنه نائب رئيس هيئة الأركان الرئاسية.. عاد بوتين من جديد.. ليس مجرد ضابط يكتب التقارير في المعارضين الألمان.. ليس مجرد رجل يدير توازنات المال والسياسة في بطرسبرج.. أصبح موقعه إلى جوار رئيس الجمهورية مباشرة.. ولأنه بوتين.. فسوف يُقدم على ما يعتبره كل سكان الأرض جنونًا.. كان ذلك عندما تعرّض ولي نعمته السابق، عمدة سان بطرسبرج، أناتولي سابوتشاك لأزمة كاسحة أودت به إلى المعتقل، بعد أن اكتُشف أمر فساده.. قرر يلتسين التضيحة بسابوشتاك لإثبات أن روسيا جادة في مكافحة الفساد المالي.. كان الضحية المناسبة للتغطية على الفساد الأكبر الذي تديره إبنة الرئيس.. الخيار العقلاني هنا على الفور هو أن ينأى بوتين بنفسه عن زعيمه السابق.. أن يمتثل لقرار ولي نعمته الحالي.. رئيس الجمهورية.. لكن بوتين سوف يتدخّل لتأجير طائرة خاصة من جيبه بقيمة 30 ألف $ لنقل صديقه أناتولي سابوتشاك من مستشفى السجن العسكري إلى مطار بولكوفو ومنه إلى فنلندا قبل أن تستقر الطائرة في باريس.. لم يهتم بوتين بمنصبه.. فقط الولاء.. والثمن سيكون مدهشًا..
مخالفة أوامر الرئيس لم تود ببوتين إلى التهلكة.. بل إلى منصب رئيس جهاز الأمن الفيدرالي (الإسم الروسي الجديد للاستخبارات السوفياتية KGB )... وجد يلتسين في بوتين ضالته.. هذا هو نوع الولاء الذي يحتاجه للإفلات من المحاسبة بعد مغادرته السلطة.. ولا شك أن بوتين سوف يمنحه - حال ما أصبح رئيسًا للجمهورية من بعده - معاملة ممتازة كالتي حظي بها سابوتشاك.. وقد كان.. ترقّى بوتين من الصفر وأصبح المرشح الأول، ثم الأوحد لخلافة يلتسين.. وفي آخر يوم من القرن العشربن أصبح بوتين ما لم يكن يحلم به قبل عشر سنوات فقط وهو شريد في شوارع بطرسبرج.. أصبح رئيسًا لجمهورية روسيا الاتحادية.. الوفاء بالوعد لم يتأخّر.. ومنح بوتين سلفه يلتسين حصانة قانونية كاملة من الملاحقة هو وأفراد أسرته..لكن على عكس ما كان يتوقع بوتين، أتت بداية حكمه كارثية.. حادث غرق الغواصة النووية كورسك وفناء الطاقم بأسره، ثم مسرح دوبروفكا وسقوط ألف روسي تقريبا وفشل مهمة التحرير التي قامت بها قوات الأمن.. انكفأ بوتين على الداخل الروسي المنهار، وتجنب أي صدام مع الولايات المتحدة، حتى في قرار غزو العراق، اكتفى بوساطة أخيرة بإرسال يفحيني بريماكوف إلى بغداد لمحاولة إقناع صدام بتسليم السلطة قبل الغزو الأميركي بثلاثة أسابيع.. كانت تلك هي أقصى حدود القوة الروسية..
حتى تلك اللحظة، أي منتصف الولاية الأولى لبوتين، لم يكن هو الرجل الأقوى في روسيا، وإنما نخبة يلتسين النافذة التي كانت ما تزال ممسكة بمقاليد الثروة.. والآن حان وقت التخلص منها..عواقب تسليم الموارد المالية للغرب كانت وخيمة.. أجبر المتنفذون على التخلي عن ثرواتهم لصالح الدولة.. بريزوفيسكي طُرد إلى لندن وهناك سيلقى حتفه.. جوزينسكي سيمضى عقد التنازل عن إمبراطوريته الإعلامية وبنك موست، وتل أبيب ستكون وجه فراره.. خودراكوفيسكي سيتلقّى حكمًا بالسجن لخمسة عشر عامًا، والحل الوحيد هو التنازل عن شركة النفط يوكوس، حتى يسمح له بوتين بركوب طائرة جورج بوش الإبن إلى واشنطن.. هناك فيديو شهير يختصر كل شيء.. بوتين يجلس في مواجهة عشرات من رجال الأعمال في سان بطرسبرج، ينتقد جشعهم وإغلاق مصانعهم من أجل الضغط لتسريح العمالة.. بعد التوبيخ نظر بوتين إلى النسخة النهائية من اتفاق أبرمه معهم من أجل إعادة تشغيل المصانع، فوجدها خالية من توقيع أحد كبار المليارديرات وهو أوليج ديريباسكا، ناداه بوتين للتوقيع وألقى له بالقلم بطريقة مهينة، واستجاب ديريباسكا صاغرا أمام كاميرات العالم كله.. هنا روسيا الجديدة، وهذا قيصرها الجديد..
هدم بوتين ميراث الماضي.. أو بالأدق أعاد تأميم الفساد.. التصعيد ومنح الامتيازات يكون برضاء الأوليجاركية العسكرية-الأمنية الحاكمة، وليس مؤسسات التمويل الدولية.. واستثمار عوائد الفساد يكون خاضعًا لسلطة الرئيس وليس للحيتان..ونجح بوتين بشكل هائل.. وقدّم الكل الولاء للقيصر الجديد.. ليس هذا فحسب.. بل أمّم السياسة بأكملها عبر حزب السلطة الجديد (روسيا الموحّدة).. وضمن ولاء كل الأجهزة الكبرى بتعيين نخبة من رجاله السابقين في سان بطرسبرج.. يأتي الزعيم في روسيا دائمًا بأصدقائه الشخصيين ولم يكن بوتين استثناء.. ديمتري ميدفيدوف، ونيكولاي باتروشوف وسيرجي إيفانوف كانوا عصا بوتين الضاربة في الأمن الفيدرالي والأمن القومي.. وكان الحظ حليف بوتين عندما وقعت في بداية عهده حروب أفغانستان والعراق، فارتفعت أسعار النفط، وراكمت الخزانة الروسية مئات مليارات الدولارات.. أصبح بوتين قيصر الداخل..كانت تلك فرصته الأعظم لترجمة الاستقرار المحلي إلى نفوذ دولي، أو بالأدق المطالبة بما تبقى من ميراث روسيا السوفياتية..وكما دفع وكلاء الأميركيين في الداخل الثمن، ستدفع واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون، ألف ألف ثمن..
رفع بوتين الإنفاق الدفاعي إلى 700 مليار $ في عشر سنوات ابتداءً من عام 2006 ..وقف يتحدّى إرادة جورج بوش الإبن في نشر الدرع الصاروخي في بولندا ومنعه بالفعل..أظهر لأوروبا من يحكم المنطقة بالفعل حينما قطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا عام 2006، وسيعود في العام 2008 لعقاب الولايات المتحدة.. الأخيرة قامت بخطوة استفزازية في أول أيام ذلك العام بالاعتراف باستقلال كوسوفو من جانب واحد، فردّ بوتين بعد ثمانية أشهر في أغسطس بقصف جورجيا وانتزاع إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية من سيادتها والاعتراف باستقلالهما من جانب واحد.. حدث ذلك كله بينما كان بوتين يتمّدد داخل أوروبا نفسها.. من خلال قوتها الاقتصادية الضاربة.. ألمانيا.. ونجح في إقناع المستشار الاشتراكي جيرهارد شرودر بتشييد نوردستريم 1 لنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا.. وهو المشروع الذي أكملته ميركل، وللمصادفة عيّن بوتين مستشار ألمانيا السابق شرودر في شركة جاز بروم، موظفًا براتب 200 ألف دولار شهريًا، مكافأة له.. أمسك بوتين برقبة أوروبا من كل الجهات.. لن يسمح بانضمام دولة حدوديو جديدة للناتو بعد آخر توسعة له، وأصبح ينشر قواته العسكرية في التخوم القديمة، ليس جورجيا فحسب، بل أوزباكستان التي طردت القوات الأميركية منها عام 2005 وأعادت الروس، وها هو يتحكّم في عصب أوروبا النابض.. التدفئة والطاقة.. ولم يكن مستغربًا بعد ذلك أن يحتل شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014.. دون تحرك أوروبي واحد سوى فرض عقوبات هزيلة.. تلك بلا شك كانت لحظة تتويج بوتين..
هناك لقطة شهيرة.. بوتين يسأل طفل.. أين تنتهي حدود روسيا؟.. فيجيبه الولد بما تعلّمه في المقررات الدراسية.. عند جزيرة ديوميد الكبري المطلة على مضيق بيرنج والتي تفصلنا عن الولايات المتحدّة.. فيرد بوتين مازحًا.. حدود روسيا لم تنته بعد.. يعلم بوتين أمرين متصلين.. الأول: أن بلاده شديدة التخلف على المستوى التقني مقارنة بالغرب، وأنها إمبراطورية ترتكز فقط على أمرين، النفط والسلاح، في مقابل سيادة تكنولوجية غربية كاسحة في كل المجالات.. أما الأمر الثاني: فهو أن حتى التخلف التكنولوجي لن يجعله يقبل بتعامل الغرب مع بلاده بغير الاحترام الذي يستحقه ماضيها..هذا التنازع بين ماض غامر وحاضر ممزّع لن يحسمه الاستعطاف الروسي للغرب من أجل نيل التقدير.. بل إيلام أوروبا والتصرف بما تُجيده روسيا تحديدًا..إثارة الرعب..كل ما كان يحاول بوتين فعله هو إجبار الناتو والاتحاد الأوروبي على عدم استباحة المزيد من روسيا.. إعادة التفاوض على الشروط المجحفة لعالم ما بعد الحرب الباردة والاعتراف لموسكو بالحق في إقامة منطقة عازلة عن الغرب دون تمدد أو ضّم..لم يستجب الغرب وظّن أن روسيا بوتين يُمكن تجاوزها..فكان الرد أليمًا..تصاعد من جورجيا للقرم حتى وصل إلى غزو أوكرانيا في مشهد انتهى أوانه منذ ثمانين عام وعاد على يد بوتين..
ثلاث سنوات كانت كفيلة بتركيع موسكو التي تخوض مواجهة مفتوحة مع التكنولوجيا الغربية..140 مليون روسي وعجز ديموجرافي عن إنتاج جيش عرمرم، وفوضى اقتصادية محلية وعقوبات لم تشهدها قوة أخرى على وجه الأرض، وعزلة كاملة لدرجة أن أصدقاء روسيا تقلصوا لبضع دول، أحدهما وهي كوريا الشمالية في سابقة تاريخية ترسل عشرين ألف جندي لخوض الحرب على الجبهة الأوكرانية بعد العجز الهائل في القوى البشرية الروسية.. نجا بوتين من كل تلك الفخاخ إلى حد اللحظة رغم خسائره الرهيبة.. وها هو اليوم يكسر عزلته ويذهب إلى ألاسكا ويحظى باستقبال الملوك..دون تنازل عن شروطه الأساسية..التمدّد المرفوض للناتو وشرعية اكتساب الأرض الأوكرانية بالقوة.. بينما كان زيلينسكي قبل أشهر يتعرّض للتوبيخ كطفل أبله من رئيس جمع كل صفات الخلل والتوحّش وسوء التقدير في جعبته، دونالد ترامب..اليوم يثبت بوتين الدرس القديم الجديد.. القوة وحدها هي مفتاح التعامل مع القوى الغربية الكبرى..القوة الغاشمة التي تقضم وتبلع الأرض دون اعتبار لمواثيق، التي تتمدّد دون مراعاة لاتفاقات دولية أو موازين.. وهو درس اكتسب أهميته من التجربة الروسية نفسها، التي حاولت استرضاء الغرب والتماهي مع معاييره بل وتسليم البلد على المفتاح لزبانيته، ولم تجن سوى الاقتراب من حافة الإفلاس والسطو على كل مناطق النفوذ الروسية القديمة..
بوتين الضابط المرحّل من شرق ألمانيا دون أمل في مستقبل.. ها هو اليوم يُحدّد مستقبل العالم بالمعنى الحرفي للكلمة.. وصراعه المديد مع الأوروبيين من شأنه أن يغيّر العالم بأسره في كل مخرجاته المحتملة.. وهذه حرب لا تعني روسيا فقط بل الصين التي تنتظر إفلات روسيا القانوني على يد ترامب بمسروقاتها الأوكرانية لتجدد مطالبها في تايوان أو تندفع في مرحلة لاحقة لحسم الأمر عسكريًا.. لأوروبا التي تتماسك وحدتها المالية والاقتصادية فقط لأنه خيار الضرورة، ومن شأن تسوية أوكرانية مجحفة تُمكن روسيا من تطبيق مبدأ السلام مقابل الأرض، أن تُفتّت بقايا مشروع الاتحاد الأوروبي فوق رؤوس الحالمين به.. هذا صراع الجبابرة الذي إن تأملته فأول ما قد يتسرب إلى صدرك.. المرارة.. المرارة السحيقة.. عندما تشاهد أوروبا متكتلّة في الدفاع عن أوكرانيا كحائط صدّها الأخير في مواجهة التوسع الروسي، وخذلان العرب للقطاع الذي أغرى العدو بخوض خمس حروب هائلة في ظرف عامين وها هو الآن يتحدث عن دولته الكبرى..
المرارة عندما تشاهد حتى نماذج الاستبداد العربية مقارنة بالاستبداد الروسي.. حينئذ يتبدى لك تفاهة الشر العربي.. ففي حين صنع بوتين دولة شديدة القمع لكنها في الوقت ذاته شديدة الوعي بمصالحها الاستراتيجية الكبرى، فإن العرب لم يفعلوا أكثر من قهر شعوبهم وتسليم رقابهم للغرب.. وفي حين استثمر فائض الثروة الروسية العملاقة في ترميم القوة العسكرية وبناء اقتصاد حرب صامد، عجز العرب بتريليونات نفطهم عن إقامة أي إنتاج عسكري وازن، والأدهى أنهم يسلمون الثروات لترامب، صفقات ونفط وعقود وهدايا على شكل طائرات.. أما المرارة الأفدح فهي في إدراك القوة.. بين عرب رغم تعدادهم المتجاوز3 أضعاف الروس، اختاروا التسليم والخضوع وقبول المذلة أملًا في رضاء الأميركيين والأوروبيين.. وروس عرفوا جيدًا.. كيف تنال احترام الغربي وخوفه في آن واحد.. بالقوة.. القوة الباطشة.. وليس غيرها أبدًا.
العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة
الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة
من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
نهر الفرات بين الحقوق السورية والسياسة التركية
عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
"الاقتصاد الحر" هو "دعه يعمل.. دعه يمر"! وليس السرقة لما هو قائم باسم "الخصخصة"
طفولتي القرويّة وزراعة التبغ.. قسوة الحياة وجمال الذكريات
عن مدينة دير الزور
افتتاح خط سكة حديد حمص – طرابلس من قبل الفرنسيين
في ذكرى اتفاقية التابلاين
"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930
عن تأميم المصارف في عهد الوحدة
من إنجازات العقيد معمر القذافي ونظامه الجماهيري العربي الإشتراكي
صعود الثروة والنفوذ السياسي في الاقتصاد الاستعماري: دراسة تاريخية اجتماعية في صناعة الرأسمالية الوسيطة في سوريا (1850-1961)
عائلة السلطان عبد الحميد ترفع دعوى على العراق بقيمة مليار دولار