كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مازوت تدفئة، لماذا التسرع؟

علي نصر الله- فينكس:

صححت وزارة النفط قرارها الذي اعتبره البعض غريباً، فيما تفاجأ به آخرون، خاصة بعد تحديد المحطات التي كان ينبغي أن تبيع مباشرة مادة مازوت التدفئة للمواطنين، وفق ما تم الإعلان عنه: (توزيع ٥٠ ليترا من مازوت التدفئة بسعر ١٧٠٠ ليرة لليتر، بموجب البطاقة الالكترونية، ولمرة واحدة بالشهر)، أي ما يساوي ٨٥ الف ليرة بدلا من ٢٧ ألفا بالسعر المدعوم.

لسنا بصدد إجراء عملية حسابية هدفها بيان نسبة ٨٥ ألف ليرة إلى الرواتب الشهرية للموظفين والمتقاعدين، ذلك لأن إجراء هذه العملية سينتهي إلى نتيجة مفادها أن أحداً من الموظفين والمتقاعدين لن يفكر بالأمر حتى لو تجمد من البرد، لكننا سنذهب لمحاولة مناقشة حيثيات التفاصيل التي تم الإعلان عنها، ولمحاولة فهم ما جرى لاحقاً لجهة التصويب، ذلك بعد صدور القرار الأساسي الذي تقف خلفه دوافع حكومية نبيلة، كانت آثار هذا القرار ستبقى عظيمة لو حظي بمجموعة من القائمين على تنفيذه يكون لديها الحد الأدنى من الكفاءة برسم خريطة لتوزع المحطات التي ستبيع المواطنين هذه الكمية، أو بوضع آليات سلسلة ومقبولة!.
ولطالما شكل توزع المحطات - المعلن عنه، المفاجأة والصدمة، قبل أن يتم التراجع عن ذلك بإعلان اعتماد البيع ضمن التطبيق الخاص بطلب المازوت المدعوم (راجعوا توزيع المحطات)، فقد صار السؤال مركزاً ليس على وفرة المادة من عدمها، بل على مبررات التسرع باتخاذ قرار فتح المجال واسعاً على تساؤلات محرجة.
مثلا، ما هي معايير اختيار تلك المحطات؟ وكيف للناس أن تصل إليها؟ وماذا لو تحمل المواطن أجور مواصلات قد تصل إلى نصف ثمن الكمية أو تتجاوزها ثم وجد أن المحطة تنتظر وصول طلبيتها التي قد تصل بعد ساعتين، وقد لا تصل قبل مرور ساعات طويلة، ولماذا كان سيوضع المواطن أمام هذه الحالة؟.
طالما أن القرار الأساسي صدر انطلاقاً من الحرص على الناس، واستهدف تأمين كميات إضافية لهم في هذه الأجواء الباردة القاسية، فلماذا استسهل المكلفون بوضع آليات التوزيع، المهمة إلى الحدود التي تعكس استهتارا بالمهمة، وهدرا لقيمة قرار مهم، وتفريغا متعمداً لمضمونه؟ ولماذا لم يدقق أحد في وزارة النفط خريطة توزع المحطات قبل أن يوافق على إعلانها؟ ولماذا لم يطلب أحد في الوزارة مقترحات أخرى تسهل على المواطنين أمر الحصول على هذه الكمية؟.
مع القرار، مع التفاصيل اللاحقة، ومع التصحيح والتصويب، مرة أخرى تبرز أهمية أن يكلف بالمهمة من هم أهل لها، ومرة أخرى تبرز أهمية أن لا نجعل المواطن يشعر أنه حقل تجارب يستشعر معه أن لا قيمة له عند موظفين - بمرتبة مديرين - أقل ما يقال بأدائهم أنه يسيء للدولة والحكومة والمجتمع، وإلا فكيف لهم أن يعتمدوا خريطة لا واقعية لتوزيع المحطات؟ وأن لا يكلفوا أنفسهم البحث في آليات أخرى تسهل ولا تخلق مشكلة نحن في غنى عنها؟.
تحديد ٦ محطات فقط في محافظة ريف دمشق ( على سبيل المثال لا الحصر ) ولد حالة من الغضب والدهشة، فهي المحافظة المترامية الأطراف الممتدة تجمعاتها السكنية على مساحة واسعة؟! مع هذا التحديد تعددت التساؤلات المطروحة حول تعذر مضاعفة عددها إلى ثلاثة أمثالها؟ بل سأل كثيرون: هل خطر لأصحاب قرار اعتماد هذه المحطات دراسة واعتماد آليات أخرى أقلها أن يتم تخفيف الازدحام بتحييد العاملين في القطاع العام، ذلك بوضع خطة توزيع الكمية على من يرغب من هؤلاء في مواقع عملهم، وعلى دفعتين ٢٥ + ٢٥ طالما كان الأمر مؤتمتا على البطاقة الذكية؟.
ما صح قوله بتوزيع المحطات في ريف دمشق، ينسحب على جميع المحافظات لجهة بعد المسافات، ولجهة احتمالات أن يقطعها المواطن بسيارته الخاصة أو المستأجرة، ثم ليجد نفسه أمام عدم توفر إمكانية الحصول على المازوت.. لانتهاء الكمية.. أو بسبب انتظار وصول طلبية.. أو لازدحام يجبره على الإنتظار ربما لساعات لا يملك سداد مستحقاتها من أجر سيترتب عليه.
معتمدو توزيع المازوت بالسعر المدعوم كان يمكنهم الدخول على خط توزيع الكمية غير المدعومة بتسخير آليات أخرى يمتلكونها، فهل تمت دراسة ذلك قبل اعتماد آلية التوزيع التي تم التراجع عنها؟ وبعد التراجع عنها؟.
التراجع عن الخطأ الحاصل، هو أمر جيد واستدراك ضروري، إذا كان صحيحاً أنه ينطوي على محاولة التصويب لخطأ ما كان ينبغي أن يقع، فهو دليل على أن المسألة حتى الآن لم تحظ بالدراسة اللازمة والكافية التي يكون معها القرار بالضرورة أبعد ما يكون عن التسرع والارتجالية، مع إيماننا بأن طيف الحلول التي تسهل الأمر على المواطن يبقى أوسع من كل ما سبق ذكره في سياق ما تقدم، وحتى بعد التصويب والتراجع عن الخطأ!.