كازاخستان.. واضطرابات المُحيط الإقليمي لروسيا
2022.01.16
ربا يوسف شاهين- فينكس
تُعدُّ دولة "كازاخستان" من أكبر الدول الإسلامية في وسط أسيا، وهيَ منَ الدول الأوراسية المُهمّة جداً على المُستوى الاقتصاديّ من ناحيةِ الغازِ والنفط. وعلى الرغمِ من تسميتِها بِ "الدولة الحبيسة" نظراً لافتقارِها للحدُود المائيّة المَفتوحة، إلّا أنَّها تُشكّلُ لموقِعها في مُحيطِها الجغرافي - وتحديداً الصّين وروسيا الاتحادية - الأهميّةَ الكُبرى للأمن الحدوديّ.
من هُنا باتَ واضحاً - إلى حدٍّ ما - أنَّ موقعَ "كازخستان" يُشكّلُ أرضيّةً خِصبة للأجندة الأمريكيّة، لجهةِ الضّغط على "روسيا" وسياساتِها الإقليميّة أولاً، وإيصالِ رسائلَ إلى "الصّين" و"إيران" ثانياً.
ضِمنَ هذا الإطار تُعَدُّ الاحتجاجات في "كازخستان" والتي وقعت منذُ بدايةِ العام /2022/ مصدرَ قلقٍ لِدوَلِ الجِوار، وهذا ما عبّرَ عنه الرئيسان الروسي "فلاديمير بوتين" والصيني "تشي جانغ اون" عبرَ استجابتهِم الفوريّة لطلب الرئيس الكازاخستاني "قاسم جومارت توكاييف" حينَ ناشدَ الأخير دُولَ مُنظّمة "مُعاهدة الأمن الجماعي" لتقديمِ المُساعدة لبلادِه، قائِلاً إنَّ هناكَ عصاباتٍ إرهابيّةً في الخارج، وينبغي عَدُّ هُجومِها عملاً عُدوانيّا".
وفي السّادسِ من كانون الثاني/يناير تمَّ إرسالُ قوّاتِ حفظِ النظام التابعة لمُنظّمة "مُعاهدة الأمن الجماعيّ"، وفي العاشرِ من هذا الشهر أعلنت لجنةُ الأمن القوميّ في "كازاخستان" أنَّ الوضع تحتَ السّيطرة، وأنّهُ تمَّ تحييدُ البُؤَرِ الإرهابيّة، فيما أعلنَ الرئيس الكازاخاني أنَّ انسحابَ وحداتِ حفظِ النظام التابعة لمُنظّمة مُعاهدة الأمن الجماعيّ سيبدأُ في غُضونِ يَومين، ولن يستغرقَ ذلك أكثر من /10/ أيّام.
وتعمٌّقاً في أحداثِ "كازخستان"، وعن أسبابِ الاضطراباتِ فيها، وتأثيرِها على الدول الأوراسية ووسط آسيا وحتّى غربها نجد مايلي:
أوّلاً؛ وعلى ما يبدو، يتمُّ معاقبةُ مدينةِ "نور سلطان" على مهامِها لجهةِ استضافةِ مَن يُخالفونَ السياسة الأمريكيّة في "سوريا" خلالَ الحربِ الإرهابيّة عليها، وذلكَ بوساطةِ مجموعةٍ منَ الإرهابيّين، في مُحاولةٍ لإعادةِ الثوراتِ المُلوّنة، ومُعاقبة "روسيا والصين" أمنيّاً، كما مُعاقبة "كازاخستان" لفكرة رئيسِها السابق "نور سلطان نزار باييف" على فكرةِ إنشاءِ"الاتحاد الأوراسي".
ثانياً؛ مُحاولة لزعزعةِ الأمنِ والاستقرار في رابطةِ الدول المستقلّة "الكومنولث" في "مينسك"، والذي يضمُّ كلّاً من (روسيا، وبيلاروسيا، وأوكرانيا، ومولوفا، وجورجيا، وأرمينيا، وأذربيجان، وتركمانستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وطاجيكستان وقيرغيزستان).
ثالثاً؛ القلقُ الأمريكيّ من تعاظُمِ الاتّحاد الاقتصاديّ الأوراسي، والعملُ على تفكيكهِ مَخافةَ توسيعه، وانضمامِ المجموعة الاقتصاديّة الآسيويّة والأوروبية، ومجموعة الدول المستقلّة إليه.
رابعاً؛ إفشالُ الاتّحاد الاقتصاديّ الأوراسيّ والاتحاد الجمركيّ للدول الأوراسية السابقة الذكر، لإمكانيّةِ التخطيط لإنشاءِ عملةٍ موحّدة تؤثّر على الأهمية الأمريكية على الساحة السياسيّة.
خامساً؛ الضّغط على "الصين" المُنافس الاقتصاديّ الأكبر لِ "واشنطن" عبرَ الملفّين الكازاخستانيّ، والروسيّ، بطلبِها سحبُ قوّاتهم من "كازاخستان".
سادساً؛ إدخالُ الجمهوريّة الكازاخستانية في فوضى "الثّورات المُلوَّنة" الأمريكية الصُّنع، لإيقافِ التعامُلاتِ التجاريّة والاقتصاديّة ما بينَ "الصين وكازاخستان"، وأيضاً "روسيا وكازاخستان".
في المُحصّلة، ما يجري في وسط أسيا، وتحديداً في المناطق التي تُعَدُّ مُهمّةً لكُلٍّ من "روسيا والصين" ما هيَ إلّا مُحاولاتٌ مِن قِوى خارجيّة لاستغلالِ الثغراتِ الداخليّة لِكازاخستان، لجرِّها إلى حربٍ تدفعُ ثمنَها "كازاخستان" أولاً، والمقصودُ بها "روسيا" عبرَ طُرُقٍ غيرِ مُباشرة، في محاولةٍ للَيّ يد "موسكو وبكين" وتشتيتهما في قضايا عِدّة، لكن دائماً ما تكونُ "روسيا" مُتقدّمةً في خطوةٍ استراتيجيّة على الولايات المتحدة، الأمر الذي تُرجمَ استجابةً سريعة للتعامُلِ مع أحداث كازخستان، وإبطال مفعولِ القنبلة الأمريكية بشقّيها السياسيّ والاقتصاديّ في دُوَلِ جِوار روسيا.