كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"الحِزام والطّريق" وربطُ البِحار الخمسة.. سورية أولاً

كتب عبد الله منيني- فينكس:
شكّلت زيارةُ وزير الخارجية الصينيّ "وانغ يي" في 17/07/2021 إلى سورية نُقطة تحوّلٍ في العلاقات الثّنائية بينَ البلدَين الصّديقَين، عدا عنِ الدلالة المُهمّة التي أرادت "الصّين" الإشارةَ إليها بتزامُنِ موعدِ زيارةِ أوّلِ مسؤولٍ صينيّ رفيع المُستوى منذ عام /2011/ معَ يومِ أداءِ "الرئيس الأسد" القَسَم الدستوريّ لولايةٍ رئاسيّةٍ جديدة بعدَ انتخاباتٍ شهِدَتها البلاد تميّزت بمُشاركةٍ واسعة على ساحةِ الوطن وعبرَ الحدود.

عناوينُ مُهمّة وُضِعَت على جدولِ أعمالِ الزيارة حينها، بِدءاً منَ العلاقاتِ الثنائيّة بينَ البلدَين، والنقاش المُعمَّق في مآلاتِ الحرب التي خاضَتها "سورية" ونِقَاط الحلّ، ودور "الصّين" المُتوافق معَ الشرعيّة الدوليّة في مجلس الامن، وصولاً إلى الشقّ الاقتصاديّ الذي لا يقلُّ أهميّةً عن نظيرهِ السياسيّ، ومُناقشة دور "سورية" في مُبادرة (الحِزام والطّريق) والتي تُعدُّ مِن أضخمِ المشاريعِ العالميّة في القرن الحاليّ على المُستويين الاقتصاديّ والتنسيقيّ اللذَين جعلا "الصّين" في مُقدّمةِ الاقتصاداتِ الصّاعِدة في العالم.
هذهِ المُبادرة المُستوحاة من "طريقِ الحرير القديم" تهدِف إلى تعزيزِ التواصُلِ والتجارة وحركة رؤوس الأموال بينَ آسيا وأفريقيا وأوروبا.
تمَّ إطلاقُ مُبادرة "الحِزام والطريق" لأولِ مرة في عام /2013/ كبرنامجٍ عالميّ تقودهُ "الصين"، وجُعِلَت مساراتهُ تقومُ على مُحدّدَينِ اثنين، هُما "الحِزام" والذي يرمِز إلى مشاريعَ برّيّة تربِطُ "الصين" بأوروبا عبرَ آسيا الوسطى والشرق الأوسط، بينما يُشيرُ "الطريق" إلى مشاريعَ مُرتبطة بطُرُقٍ بحريّة تربِطُ "الصين" بأفريقيا والشرق الأوسط عبرَ جَنوبِ وجنوب شرق آسيا.
وكانت "سورية" مِن أوائلِ الدُّوَلِ التي حَظِيَت بالاهتمامِ الصينيّ لإنجازِ هذا المشروع، نظراً لكونِها الدولة المركزيّة في "طريقِ الحريرِ القديم"، والمِحَور الرابح في مُبادرة "الحِزام والطريق"، عدا عن تاريخِها الحضاريّ والإنسانيّ المُتجذّر في زمنِ التاريخ الجليّ.
وقد عبّرت حُكومةُ الجمهوريّة العربيّة السوريّة عنِ اهتمامِها بهذهِ المُبادرة، فقد جاءَ على لِسانِ الدكتورة "بثينة شعبان" المُستشارة في رئاسةِ الجمهوريّة خِلالَ مُشاركتها في الجلسة الافتتاحيّة لمُنتدى "الحِزام والطريق" التي استضافتها "الصين" عام /2019/ تحتَ عُنوان (تناسُق السياسات) أنَّ هذهِ المُبادرة مُهمّة جداً لمُواجهةِ الهيمَنة الغربيّة ومُحاولات الاحتلال تفريقَ الشُّعوب، ومُهمّة لمُستقبل البشريّة، لاسيَما لبُلدانِ غرب آسيا والشرق الأوسط والوطن العربيّ، لأنَّها تؤكّد ضرورةَ التنسيقِ والتواصُل بينَ الدّول لمُواجهةِ الهيمنة الغربيّة، ومُحاولاتِ الاحتلالِ المُستمرّة لتفريقِها وتمزيقِها ومنعِ التواصُلِ بينَ شُعوبِها.
واليوم، وبعدَ أكثر من /16/ فيتو صينيّ ضدَّ مشاريعِ قراراتٍ تستهدفُ وحدةَ الأرض السوريّة وسيادتَها، وبعدَ سلسلةٍ منَ المِنَحِ الاقتصاديّة لدعمِ مُواجهةِ "جائحةِ كورونا" قُدِّمَت للحُكومة السوريّة، والتي جاءَت بعدَ تراجُعٍ ملحوظ في مُستوى الدعم الاقتصاديّ لسورية، أُعلِنَ "في دمشق" عن توقيعِ حكومةِ الجمهوريّة العربيّة السوريّة مُمثَّلةً برئيسِ هيئةِ التخطيط والتعاون الدوليّ، والحُكومة الصينيّة مُمثّلةً بسفيرها في دمشق "فينغ بياو" مذكّرةَ تفاهُمٍ بينَ البلدَين، ضمّت بموجبِها سورية إلى مُبادرة "الحِزام والطريق" الصينيّة، لتبدأَ مرحلةٌ اقتصاديّة جديدة جاءَت تتويجاً للعلاقاتِ التاريخيّة والسياسيّة الراسخة بينَ البلدين، وبخاصّة أنَّ المُبادرة التي تقومُ بربطِ الصّين بالعالم، وإيصالِ بضائعِها بأسهل وأسرع طريقةٍ مُمكِنة إلى جميعِ قارّاتِ العالم عبرَ طريقَين (برّي وبحريّ) ستعتمدُ على إنشاءِ بِنيةٍ تحتيّة، بالتعاون معَ أكثرَ مِن /68/ دولة، "سورية" من بينها، مُعتمدةً على الموانئ البحريّة المُهمّة، والمَوقِع الجغرافيّ المُميَّز.
وقد وقّعت "الصين" اتفاقياتِ تعاونٍ مُتعلّقة بمُبادرة "الحِزام والطريق" معَ أكثرَ مِن /126/ دولة و /29/ مُنظّمة دوليّة، كما وتُشارك أكثر من /60/ دولة بصفةٍ رسميّة في هذهِ المُبادرة، وهيَ تُمثّلُ ثلثي سُكّان العالم، وأكثرَ من "ربع" الناتج المحليّ الإجماليّ العالمي.
ويُشير الرئيس الصينيّ "شي جين بينغ" إلى مُبادرةِ "الحِزام والطريق" عادةً على أنّها "مشروعُ القرن".
ومنَ اللافت ذكرهُ أنَّ هذا المَشروع يتوافقُ مع مشروعِ "ربط البِحار الخمسة" الذي تبنّاه الرئيس "بشار الأسد" قبلَ اندلاعِ الأزمة عام /2011/، في استشرافٍ مُميَّزٍ للمُستقبل، وقراءةٍ مُعمَّقة للجغرافية الاقتصاديّة، فقد عنيَ بمشروعِ "ربطِ البِحار الخمسة"، وهيَ (البحر المتوسّط، وبحر قزوين، والبحر الأسود، والخليج العربي، والبحر الأحمر).
وهُنا نرى جوهرَ التكامُل الاستراتيجيّ بينَ المُبادرة والمشروع، فكلٌّ منَ المُبادرة والمَشروع انطلقت ممّا تُمثّلهُ "سورية" كونَها مِحور الطرف الغربيّ لطريقِ الحريرِ القديم، فهيَ تربِطُ قارّاتِ آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهذا ما دفعَ "سورية" على اعتمادِ استراتيجيّةِ "التوجُّه نحوَ الشرق" التي طرحَها الرئيس السوريّ "بشار الأسد"، ما يتّفقُ معَ مُبادرةِ "الحِزام والطريق" التي طرحها الرئيس الصينيّ "شي جين بينغ". 
سورية اليوم أمامَ فُرصةٍ لعقدِ شراكاتٍ استراتيجيّة معَ "الصين" وكلُّ القِوى الصّاعدة في العالم، تنفيذا لاستراتيجيّةِ الأسد "التوجُّه شرقاً"، بهدفِ تعزيزِ مناعةِ "سورية" وقوّتها، وهيَ البلد الذي واجهَ إرهاباً دوليّاً مُدعَّماً بالعَولمة العالميّة، بهدفِ السيطرةِ عليه، وقد عانى – وما يزالُ - مِن عُقوباتٍ اقتصاديّة أحاديّة، عقوباتٍ قسريّةٍ ظالِمة تقودُها الولايات المتّحدة وأوروبا.