كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن ضرورة "الصبر الاستراتيجي" ومفرداته!

أحمد حسن- فينكس:

"صبر موسكو استنفد"، ربما كان هذا التعبير الذي أطلقه "سيرغي لافروف" وزير الخارجية الروسي يوم الجمعة الماضي في معرض حديثه عن قضية "التطمينات الأمنية" الشهيرة، هو الأكثر تعبيراً عن قصة عالم اليوم في هذه المرحلة تحديداً، ليس بدلالته المعلنة والمباشرة، أي منطوقه الإنذاري، بل بدلالاته الكامنة والمضمرة، أي الحالة "الاستعجالية" الواضحة فيه.
وبغض النظر عن ضرورة التلازم بين الإرادة والقدرة فإن الجميع مستعجل في هذا العالم الذي يمر الآن في عنق زجاجة التغيير، والذي يمكن لنا من الناحية التحليلية البحتة – لا دخل للأخلاق هنا- اختصار مشكلاته المتعددة الظاهرة بواحدة مضمرة مفادها إنه لا زال يعيش في ظل ذات "النظام" الدولي الناتج عن معادلات الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من سبعين عاماً، وهذا يعني أنه قد بلغ سن الشيخوخة، وتلك في "أعمار" الدول والأنظمة العالمية مرحلة رجراجة تتزامن فيها سكرات الموت مع بشائر حياة جديدة لا أحد يعرف اتجاهاتها بدقة، لكن وبقدر ما يريدها البعض ويسعى إليها، بقدر ما يرفضها البعض الآخر ويحاول وأد مؤشراتها، وذلك هو السبب الحقيقي لتوترات عالمنا المعاصر وأحداثه، الساخنة أو الباردة، المتنقّلة من قارة لأخرى.
إذاً النظام الدولي المعهود يتصدّع، القوى التي تريد الإبقاء عليه تعرف أن ذلك لا يمر إلا عبر الحروب المباشرة وغير المباشرة، القوى التي تريد تغييره تعرف المعلومة ذاتها، في الماضي كان الحل بسيطاً، فبعد مناوشات صغيرة (هنا وهناك) تتجه أحد القوتين نحو عاصمة الثانية بفرسانها وخيولها فتجري تلك المعركة الفاصلة، بيد أن الأمر مختلف اليوم، فالصدام بين القوى الكبرى ليس أقل من إفناء متبادل، وبالتالي الحل الأسلم، والمجرّب، هو بالمناوشات "الصغيرة" (هنا وهناك) أيضاً، وبالطبع فإن التكلفة على الآخرين ليست في حساب أي من الطرفين طالما أن عواصمهما بخير.
هنا، أي في تصدّع النظام -وكي لا نغوص أكثر في التحليل النظري- نفهم المغزى الكامن في قول لافروف، في ذات الحديث، أن بلاده لن "تنتظر أي تغيّرات ووعود جديدة إلى ما لا نهاية"، فالعاصمة الكبرى التي صبرت راضخة في سنوات يلتسين السكير على الإهانات الغربية المتتالية تستعجل الآن، وعلى خلفية أحداث أوكرانيا وكازاخستان، اغتنام اللحظة الدولية المناسبة، كما ترى، لقطف ثمار ما زرعته خلال السنوات القليلة الماضية وتحديداً منذ ذلك الثلاثاء السوري الذي رفعت فيه، والصين، فيتو مزدوجاً، ضد الأطماع الغربية شرقي المتوسط، لتحدّد الآن، والصين أيضاً، الخطوط الحمر ضد الأطماع الغربية في آسيا الوسطى وجوارها.
الغرب، بحسب لافروف، "يعمل على تقويض قواعد العلاقات الدولية المبنية على ميثاق الأمم المتحدة ويحاول إملاء نهجه على الآخرين"، وبعد أن جعلت الرؤية "الترامبية، الآخرين هم الجميع حلفاء وأعداء -وهي للمناسبة رؤية تيار واسع وفاعل في واشنطن- يحاول بايدن اليوم العودة إلى التفرقة القديمة بين محور الخير ومحور الشر -وهذه أيضاً رؤية تيار واسع وفاعل في واشنطن- لذلك تجري استعادة صورة روسيا كعدو استراتيجي أبدي بتهم جاهزة- دكتاتوري، سلافي، أرثوذكسي، ..- وبالتالي عودة مناخ الحرب الباردة إلى الساحة، وأوكرانيا هي "أول أزمة فيها"، بحسب السفير الفرنسي الأسبق، ميشيل دوكلو، والخبير في شؤون آسيا، فرنسوا غودمان.
وبالطبع فإن حرباً باردة جديدة تقتضي أيضاً عودة موسم "الصبر"، لكنه صبر النمور المتحفزة للانقضاض على فريستها، وهنا لكلّ حصته من هذا "الصبر"، هو مثلاً بدأ ينفد في روسيا التي تطالب اليوم عبر "مبادرة الضمانات الأمنية" بالاعتماد على "مبدأ توازن المصالح وتستهدف ضمان أمن كافة الدول الأوروبية ومنع توسع أي معسكر على حساب دول أخرى في القارة"، وفي حال عدم أخذ ذلك بعين الاعتبار، فإنها، بحسب لافروف، "ستنطلق من مصالح الاستقرار العالمي في دراسة إمكانية توسيع تواجدها العسكري في دول أخرى"، هذه زعزعة للنظام العالمي القائم على حطام السلف السوفييتي.
فيما صبر أوربا إجباري وقلة حيلة، فمن جهة أولى تستبعدها الحليفة الكبرى، واشنطن، عن مفاوضاتها مع موسكو على الرغم من أنّها، أي المفاوضات، "تتمحور حول الهندسة الأمنية القائمة في أوروبا"، وتستبعدها موسكو لأنها "أدركت منذ زمن ليس بقصير بأنّ لا وجود لأوروبا كلاعب سياسي مستقل عن الولايات المتحدة".
بالتوازي يبدو صبر واشنطن مخاتلاً، ففيما تثير الأزمات حول منافسيها لتطوّقهم بها، تترصّد وتترقّب النتائج كقوة عظمى ممانعة وفاعلة جداً، خاصة وأنها لا زالت القوة العالمية الأولى عسكرياً، ثم إنها تملك سلاحاً -الاقتصاد وعقوباته الفاعلة- لم تجد له بقية الدول حلاً حتى الآن.
وحدها الصين يمكن وصف صبرها بالاستراتيجي، فبعد أن تحدث "ماو تسي تونغ" عام 1949 بمناسبة تأسيس جمهورية الصين الشعبية عن "نهاية قرن من الاذلال"، ها هو "شي جين بينغ"، الرئيس الحالي يتحدث عن استعادة وحدة الصين باعتبارها "مهمّة تاريخية والتزام لا يتزعزع"، هو يعني ما يقول، لكن ذلك يعني أيضاً استعداداً لـ"زعزعة" أسس النظام العالمي الحالي الذي زرع ألغاماً متفجرة في جسد "الصين الواحدة".
قصارى القول، هذا عالم يتشكل من جديد، لكن على أسس جديدة وبتحالفات مبتكرة ولحظية ورجراجة، أي "على القطعة" كما يقال، فما يجمع مثلاً بين موسكو وبكين ليس عقيدة أيديولوجية لا تتزعزع وما يفرق بينهما وبين واشنطن ليس نظاماً اقتصادياً واجتماعياً ورؤية مختلفة ومتضادة لـ"حقوق الإنسان" وطرق معاشه، بل مصالح باردة، تتفق أحياناً وتتباعد أحياناً أخرى، والهدف الوحيد: "كعكعة العالم الاقتصادية"، فيما هناك دولاً عدة بدأت ومنذ زمن باستغلال هذه اللحظة العالمية المتحركة، الهند، ايران، تركيا وغيرها من الدول التي تلعب على الحبل المشدود بين واشنطن وبكين وموسكو، وستلعب لاحقاً بين، وفي، خيوط تلك التحالفات "الرجراجة" القادمة.
بالمحصلة، العالم القادم يتشكّل الآن، لكنه سيكون، كسواه، قاسياً أيضاً على الضعفاء.
أين العرب من كل ذلك؟.. إنهم لا زالوا يتداولون في اسم المنتصر، "داحس" أم "الغبراء"!!..