من السيارات ورثاثتها إلى المصارف وأناقتها
2024.01.30
صفوان الزين- فينكس
حدث التحول الكبير في سيرتي الوظيفية في شهر نيسان من العام ١٩٦١، عندما اتصل بي المرحوم صفا جانودي المدير المكلف بتأسيس وإدارة فرع لبنك العالم العربي في اللاذقية، عارضاً عليّ العمل كموظف تحت الاختبار في المصرف المذكور. وافقتُ بلا تردد اذ كان من شأن هذا التعيين ان ينتقل بي من السيارات ورثاثتها في مديرية مواصلات اللاذقية الى المصارف وأناقتها في بنك العالم العربي المؤسس حديثاً في اللاذقية.
غير أن التحاقي بوظيفتي الجديدة كان لا بد وأن يمر عبر مقابلةٍ يُفترَض أن تكون شكلية، تجري خلال أيام في اللاذقية مع رئيس مجلس إدارة المصرف المذكور الدكتور ناظم القدسي القادم من دمشق حيث الادارة العامة للمصرف. فوجئتُ بأن السياسي ورجل الدولة البارز الذي شغل على امتداد عقود أرفعَ المناصب من النيابة الى الوزارة الى رئاسة الوزارة الى رئاسة مجلس النواب، كي تأتي الوحدة السورية المصرية في شباط من العام ١٩٥٨ وتحيله مع سواه من السياسيين السوريين الى متحف الشمع، أقول فوجئتُ بأن هذا الرجل سوف يتكبد عناء القدوم الى اللاذقية كي يُجري ثلاث مقابلات مع ثلاثة شبّان مغمورين يسعون الى بداية متواضعة في مصرف متواضع، وفي مدينة متواضعة كما كانت اللاذقية وقتئذ. ولكي يكتمل مسلسل التواضع فإن المقابلة جرت في المكتب المتواضع العائد لمدير مصرف سورية المركزي في اللاذقية في البناء القديم والمتواضع القائم في شارع بغداد، والذي شغل المصرف المركزي طابقاً منه.
لم يقف التواضع عند هذا الحد، بل امتد لكي يشمل من يُفترَض أنه يملك بكلمة واحدة منه مصير ومستقبل الشبان الثلاثة، وذلك عندما اكتشف ثلاثتهم بأنهم أمام انسانٍ هو غاية في التواضع والبساطة.
المفارقة اللافتة أن هذه الصورة الزاهية الناصعةَ البياض لناظم القدسي انقلبت بين ليلةٍ وضحاها الى صورة قاتمةَ السواد عندما وقع الانفصال بتاريخ ٢٨، أيلول ١٩٦١، وجرى في أعقابه انتخابه رئيساً للجمهور ية التي انبثقت عن الانفصال والتي وقفتُ مع لا يقل عن نصف الشعب السوري موقف العداء منها، الى درجة أنني امتنعتُ عن توقيع برقية التهنئة بانتخابه رئيساً للجمهورية السورية التي اقترح إرسالها مدير المصرف، وهي التهنئة التي كانت تقتضيها أبسط أصول اللياقة.
الواقع أنني لم أملك، ولا زلتُ الى اليوم لا أملك، تفسيراً منطقياً لهذا الانقلاب الكامل والمفاجئ في موقفي، إذ يمكن القول دون مبالغة انني نمتُ مساء ٢٧ أيلول انفصالياً، وأفقتُ صباح ٢٨ أيلول وحدوياً.. التفسير الوحيد الذي حاولتُ أن أقنع نفسي به هو انني وجدتُ في الوحدة وأخطائها وديماغوجيتها حتى آخر يومٍ فيها كل ما يبرر فصمَها، ووجدتُ بالمقابل في الانفصال وما أحاط به من شبهات منذ يومه الاول كل ما يبرر شجبَه وادانتَه.
هكذا هي السياسةُ عندما تحشرك بين خيارين كلاهما غير مُقنع.