حكي
2026.08.20
عبد الكريم الناعم
*ألسْنا في كل حالات الصحو لا نتوقّف عن الحكي، إنّ لم يكنْ مع الآخر فمع أنفسنا؟!!، هذا لا خلاف فيه، وانا أحببتُ أن أشارككم في بعض من ذلك الحكي،
*صديق أثق بكلامه، في آخر مرّة زارني فيها، وكان من قبل في مواقع بالغة الحساسية، والمسؤوليّة، فيما جرى بيننا من كلام، جوابا على سؤال لي، قال: "أنا لم أفتح التلفزيون منذ أربع سنوات"،
سألتْه: "كيف تقضي أوقات فراغك"؟
قال: "أستمع إلى الموسيقا"،
غبطْتُه، وتمنّيت لو أستطيع القيام بما يقوم به، أنا الطروب الذي كنتُ أسافر من أجل أن أسمع صوتاً، أو عزفاً جميلا، أصبحتُ الآن حين أسمع نغمة شفّافة، بدلاً من الطرب، تدمع عيناي، حتى لكأنّ بعض المجريات حين تُدْبِر يُدبر معها كلّ شيء جميل،
*******
أعرف صديقاً له توجّهاته الخاصّة في التضرّع إلى الله، ولقد عبّر ذات مرّة فقال أَفْقَدني حضورُ ربّي الكثير من مُتعة اللحظات، كنتُ حين أتمتّع بشيء فيه شُبهة أُدرك أنّ الله يرى ويسمع، فَتفقدُ اللحظةُ مُتْعتها، .. هذا الصديق سألتُه، بعد طول تجربة لك في الخلوات الخاصّة بك، هل وصلتَ ولو لمرّة واحدة ممّا يصفه بعض أصحاب التصوّف من شفافية، وأنس ربّاني"؟
أجابني: "نعم، مرّة واحدة، شعرتُ بامتلاء روحيّ باهر، أنا الخوّيف الذي أخاف من جرّة الحَبْل شعرتُ أنّي لا أهاب شيئا في هذه الدنيا، وكنتُ سعيداً سعادة غامرة لمدّة أسبوع، كنتُ فيه لا أتمنى أن يكلّمني أحد، حتى لا يُفسِد عليّ حلاوة اللحظة، واتضايق من رؤية أيّ زائر لأنّه يُخرجني من واحدة من جِنان الله،.. لا المرَض،.. ولا الفقر،.. كلّ مشاكل هذه الحياة يستحقّ أن يُؤبَه به، وبعد عدّة أيام وجدتُ نفسي خارج تلك الجنّة، وما زلتُ أحنّ إليها، يصعبُ عليّ يا صديقي أن أشرح ما كان، إنّه ممّا يُذاق، ويستعصي على التعبير"،
قلت له: "قلتَ واحدة من تلك الجِنان، هل تعتقد أنّ الجنان متعدّدة"؟
أجاب: "بكلّ تأكيد، والدليل أنّ الناس الطيّبون، المؤمنون حقّاً، لا يتساوون عملاً، ومجاهدة، وحالاتٍ، وهذا يستدعي بالتأكيد أن لا تتساوى الجَنان فتكون واحدة، بل أعتقد أنّ ثمّة جناناً لا يعلم عددها إلاّ الله، وكلّها مغمورة بأنوار ألطاف الرحمن"،
قلت: "وهذا يُستنتَج منه أنّ درَكات عذاب مَن كفر هي بحسب درجات الكفر"
أجاب: "لا شكّ في ذلك"،
قلت له: "سأكتب شيئا ممّا دار بيننا، فهل لك رأي آخر"؟
أجاب: "لا، شرط أن لا تسمّيني، كي لا يظنّ بي احد حالة من حالات مَن يمدح نفسه"،
سألتُه: "في رأيك، أهذا ما يسمّيه الصوفيّون ( السّكْر)"؟
أحاب: "إنْ لم يكن هو فهو بعض منه، و( السّكرُ)، كما قرأتُ عنه لا يدوم، هو أيضا حالة، إذ يُروى أنّ "الشّبلي"، تلميذ "الجُنيد" في التصوّف، دخل على شيخه، وكانت زوجة "الجنيد" موجودة، فأرادتْ أن تُغادر المجلس، فأومأ لها الجُنيد أن ابقي، فإنّه في حالة (السُّكْر)، بمعنى أنّه لا يحسّ، ولا يرى إلّا ما هو فيه، وبعد فترة قصيرة داهمت " الشبليّ" حالةٌ من البكاء، فأومأ الجّنيد لزوجته أن تقوم، قائلا: "لقد بدأ يصحو".
هكذا يمكن القول إنّه لا دوام لشيء، سبحان الدّائم الذي لا يزول،
أتُرانا نعزّي أنفسنا، أم أنّه مجرّد حَكي؟!...
19/8/2026