قول آخر في شخصية "آنا كارنينا" في الرواية التي تحمل اسمها للعظيم ليون تولستوي
2026.06.16
منصور المنصور
لماذا تتحول بعض الشخصيات الروائية إلى شخصيات عالمية، تتجاوز حدود الرواية نفسها وتصبح مشهورة مثل كاتبها؟
مثال:
1ــ شخصية زوربا في رواية "زوربا" لنيكوس كازانتزاكيس.
2ــ راسكولنيكوف في رواية "الجريمة والعقاب" لفيودور دوستويفسكي،
3ـ آنا كارنينا في روية "آنا كارنينا" لليون تولستوي
أعتقد أن تحول الشخصيات الروائية الى مستوى عالمي، يعود الى مجموعة من الصفات تتصف بها تلك الشخصية، منها:
أولًا:
أن تجسّد فكرة كبرى
الشخصية الروائية في الروايات العظيمة ليست فردًا عاديًا، بل تجسد فكرة عظيمة وجودية أو اجتماعية أو أخلاقية.
ــ زوربا مثلًا ليس مجرد رجل عابث ومغامر وعاشق للنساء. هو شخصية تجسد فكرة الحياة بكل تناقضاتها وزخمها الوجودي، من المثل الى الغريزة، ومن الحرية بمعناها المطلق الى التجربة الانسانية المعاشة والمحدودة. زوربا هو الرجل الذي يعيش على حافة الهاوية، رجل يدفع الامور الى اقصاها.
ــ راسكولنيكوف، يمثل السؤال ألاخلاقي الحاد: هل يحقّ لإنسان أن يقتل إنسانًا إذا اعتقد أن قتله يحقق الخير العام؟ عندما قام راسكونيكوف بقتل المرابية أليونا إيفانوفنا بحجة انه يخلص العالم من احد الشرور.
ثانيًا:
أن تعيش تناقضًا إنسانيًا داخليًا:
ــ راسكولنيكوف، يحمل عقلا تبريريا وضميرا مثقلا بالذنب. فكرة عقلية تبريرية تقول إن القتل قد يكون مشروعًا إذا كان الهدف نبيلًا، لكنه في الوقت نفسه ينهار تحت ثقل الضمير والشعور بالذنب.
ــ زوربا يعيش بين رغبة جارفة للحياة وملذاتها، وبين الاسئلة الفلسفية التي يطرحها دائما. في أن يحيا الحياة حتى أقصاها بلا خوف أو فلسفة، وبين وعي يطارده بأن هذه الحياة تطرح عليه اسئلة فلسفية لا يريدها ولكن يعيشها.
ــ سوف افرد مساحة اكبر ل " آنا كارينيا"
تعد رواية "آنا كارنينا" من أعظم الروايات في الأدب العالمي لأسباب عديدة. هناك من سماها رواية الحب العظيمة، لكنني أعتقد أن أحد أهم أسباب شهرتها الاستثنائية هو أنها تدور حول الخيانة الزوجية. بمعنى اخر، هي ليست رواية حب، كما يقال عادة، بل رواية خيانة زوجية. هنا الخيانة التي اقصدها ليس حكم قيمة، بل فعل نفسي يدفع المرء ليقوم به لما له من قوة جذب كبيرة. فحكم القيمة أتى من المجتمع، وحصره بالمرأة، بينما الرجل هو البطل وهو كازانوفا او زير نساء. له الفخر والفحولة وللطرف الاخر في العلاقة الخزي والعار. وبالتالي لا يسمى فعل خيانة الا اذا طبق على الطرفين كحكم قيمة. اما هنا في الرواية فأنا ارى انه يحمل معنى اخر لا علاقة له بفعل الخيانة.
الفكرة الكبرى التي تحملها الرواية هي أن الحب عندما يقع، لا يلتفت الى قيم المجتمع، ولا الى ضوابطه التي تبنى على شيء اخير غير الحب. الحب هو نسيج نفسه، يتغذى من ذاته، وعندما يتحقق، في حالة آنا، يجب ان يبطل الزواج، لكي يتحرر الطرفان من هذا الاطار الذي يسمى زواج. وبما ان هذا غير ممكن، فتحمل الشخصية الروائية تناقضاتها وتعيش أزمة اخلاقية عميقة. هذه الازمة الاخلاقية هي ازمة خارجية، لا علاقة لها بالحب ولا بآنا كارينينا، وانما بقيم المجتمع، الذي يضع ضوابه اخرون.
فلو كانت آنا امرأة عزباء وقعت في حب شاب اعزب، لتحولت الرواية إلى قصة عاطفية مألوفة مهما بلغت براعة كاتبها. ولكن آنا زوجة وأم، وتنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية الروسية، وتحتل موقعًا اجتماعيًا مرموقًا. لذلك لم يكن حبها لفرونسكي مجرد علاقة عاطفية، بل فعلًا يهدد كل ما تملكه: زواجها، وابنها، وسمعتها، ومكانتها الاجتماعية، وصورتها أمام نفسها وأمام الآخرين بسبب وحيد هو ارتكابها فعل الخيانة وليس فعل الحب. ومن هنا اكتسبت الرواية توترها الدرامي الهائل. ولو نظر الى الرواية انها قصة حب امرأة لكن الامر مختلفا تماما، وربما لما اخذت هذه الشهرة العالمية.
لكن أهمية الخيانة في الرواية لا تقتصر على رفع مستوى المخاطرة والتعقيد، بل لأنها تمس واحدة من أعمق التناقضات في النفس البشرية. فالإنسان ينجذب بطبيعته إلى ما هو ممنوع او حرام، وإلى كسر الحدود التي يفرضها المجتمع أو الدين، حتى وهو يدرك الثمن الذي سيدفعه، بل ان الثمن الذي يدركه هو ما يجعله شخصية تراجيدية. والخيانة، بهذا المعنى، تجمع بين الرغبة والذنب، بين اللذة والعقاب، بين الحرية بمعنى الانعتاق والخوف بمعنى الاسر. ولهذا السبب تثير اهتمام القارئ وتعاطفه ورفضه في الوقت نفسه.
اضافة الى ذلك، فان قدرة تولستوي الاستثائية في تحويل تحويل الخيانة من خطأ أخلاقي إلى مأساة إنسانية كبرى، جعل من آنا كارنينيا رواية عالمية.
ــ سبب آخر يجعل الخيانة محورًا أساسيًا في الرواية. فالحب في حد ذاته لا يكفي لصنع مأساة كبرى، بينما الخيانة تنقل الصراع من المجال العاطفي الخاص إلى المجال الاجتماعي العام. فلو أحبت آنا فرونسكي وهي امرأة غير متزوجة، لكان الصراع محصورًا في حدود المشاعر. أما عندما أحبت وهي زوجة وأم وتنتمي الى الطبقة الارستقراطية، أصبح المجتمع كله طرفًا في العلاقة. فآنا لا تواجه زوجها فقط، بل تواجه منظومة كاملة من الأعراف والأحكام الأخلاقية. ولهذا فإن الصراع الحقيقي أصبح بين الفرد والجماعة. والفرد هو المرأة وليس الرجل.
ومن هنا تنبع عالمية الرواية. فالقارئ لا يتابع قصة امرأة أحبت رجلًا، بل يتابع صراعًا إنسانيًا قديمًا ومتجددًا بين الرغبة والواجب، وبين الحرية والضبط الاجتماعي، وبين ما يريده الفرد لنفسه وما يطالبه به المجتمع. لقد جعل تولستوي من الخيانة نقطة التقاء لكل هذه التناقضات، ولذلك تحولت من حادثة أخلاقية عابرة إلى مأساة أدبية خالدة.