يوم الندوة (قصة قصيرة)
2024.05.15
محمد فايز حجازي- القاهرة- فينكس
اليوم يوم الندوة، والندوة هذا الشهر مهمة ومرتقبة، التجربة الروائية الأولى للسيد (أ) أحد نجوم المجتمع الأثرياء. وقاعة الندوة صغيرة تعج بالحضور، ممثلي صحف، كتاب، نقاد، وصديق لهذا وقريب لذاك.
لم تكن القاعة تخلو -فحسب- من أي مظهر من مظاهر الجمال أو الذوق، ولكنها أيضًا كانت مرتعًا ليد الإهمال، التي ضربت مساحات كبيرة منها، فأسقطت طلاء جدرانها وسقفها الجيري القديم، وشققت خشب الطاولة الوحيدة في مقدمتها والمقاعد المهترئة أمامها.
وعلى رغم منهما، فقد تزامن وصول الكاتبين المعروفين السيد (ب) والسيد (ج) إلى القاعة، دخلا في تعجل مربك، جاءت جلستهما متجاورين في صف أخير من الصفوف القليلة أمام المنضدة، كانت العلاقة بينهما ولسنوات طويلة متوترة، شابها شيء من جمود وغيرة ونفور.
- أهلًا عزيزي.
تصافحا، وابتسما بينما يخفيان تحت الابتسامة حسدًا وحقدًا، وبشحوب تفحص كل منهما وجه الآخر، كأديبين يقرأ كل منهما مخطوطة للآخر.
لم تكن الندوة قد بدأت بعد حين بادر أحدهما، قائلًا لصاحبه:
- روايتك الأخيرة رائعة، كم فتنت بها!
- ليست أروع من روايتك، إنها تحفة فنية بحق.
- كتبت عن روايتك مقالًا مطولًا، أرسلته إلى السيد (د) لنشره في جريدة (الجميع)،
ولكنه يتباطيء كثيراً.
- كعادته لا ينشر إلّا عمن يحب من أصدقائه.
- كلهم في هذا سواء.
- قل لي، كيف للسيد (أ) أن يكتب رواية!
- لم أسمع به أهتم بأدب أو قرأ كتابا!
- انظر هناك على رأس الطاولة، إنه السيد (ه).
- هذا البدين المعطوب المثير للاشمئزاز.
- لم يكن ليفوت الفرصة.
- سمعت أنه اشترى سيارة جديدة الشهر الماضي.
- انظر، مَنْ في جواره!
- إنه السيد (و).
- يتضاحكان على رغم من معاركهما المستمرة.
- لا يخلو مقال لأحدهما من قدح في الآخر.
- العجيب أن السيد (ز) أيضًا هنا.
- إن ابنه مريض بشدة، سيلقى حتفه.
- كان من الأفضل أن يبقى بجانبه.
- انظر عند جانب الطاولة.
- يا خبر! إنه السيد (ح)، ما الذي أتى به!
- ألا يستحي!
- سلسلة التحقيقات التي تنشر عنه، فضحته.
- يتبنى أفكار الجماعات الهدامة.
- يتضح هذا جلياً في كتاباته.
- ولا تخفى مساعيه على أحد.
- ثم إن له صهراً ينتمي إليهم.
- المضحك أن أمر السيد (ط) أيضاً، أصبح مفضوحًا للغاية.
- هذا العجوز المتصابي الخرف.
- نعم هو موجود طالما وجدت السيدة (ي).
- ليست السيدة (ي) فحسب.
- صدقت، إنهن كثيرات، أولئك اللائي يلهث وراءهن.
- ملابسهن يا صديقي، لها مفعول السحر عليه.
- وعلى الكثيرين غيره.
- أتصدق أن السيد (ك) قد أفرد مقالًا مطولًا عن كتابات، من تسمى السيدة (ل).
- يا خبر! أعرفها إنها لا تحسن تكوين جملة صحيحة.
- ولكنها تحسن تمامًا إظهار ما يجعلهم كالبلهاء.
عندما بدأ الحديث يتطرق إلى القريبين من جلستهما، خرجا من القاعة استعرضا باقي الحروف الأبجدية، تمامًا كما ذكرت في معجم لسان العرب.
وفي الداخل، بدأت الندوة المعروف تفاصيلها إلى حد الملل.