كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

شعريّـــة العتبـــة النّصيّـــة

 
????أحمد عزيز الحسين
????مجلة "نقد 21"-مايو- القاهرة
????ملفّ حبيب عبدالربّ سروري
"ما نعارضه هو أن نجعل العرب القدامى على شاكلة
الغربّيين، وأن ُنلبس أبا تمّام كساء مالرميه أو بودلير".
توفيق الزيدي، خطاب التفاعل، ص .24
????شعريّـــة العتبـــة النّصيّـــة
ترشح العتبة النّصيّة الأولى في رواية "تقرير الهدهد" للكاتب اليمنيّ حبيبب عبدالرّبّ سروري (دار الآداب، بيروت، ط1، 2012) بتناسُج المتن الحكائيّ مع القرآن الكريم، وتشي بوجود قوّة خارقة تُقِيم نوعاً من التّنازُع مع قوّة أرضيّة قاهرة تتصارع معها للهيمنة على الأرض، أمّا المقبوس الأوّل، المستعار من زفايج، فيشكِّل مفتاحاً دلاليّاً يؤكِّد على وجود شخصيّة بشريّة تمتلك قدرة باهرة على الإبصار، ورؤية ما لا يراه الآخرون، ويُمكن أن يُعَدُّ هذا المفتاحُ نوعاً من التّحفيز للمتلقّي لكي يكون يقظاً عند قراءته للنّصّ، وتفكيك شفراته، واستنباط دلالاته. أمّا المقطع النّصيّ الأوّل في المتن الحكائيّ فيرشح بقدرة أبي العلاء على استكناه أصل الجنس البشريّ قبل داروين بتسعة عقود، وهو ما يؤكّد عبقريّته الهائلة، التي لم يُعترّف بها في حقل الإنجاز العلميّ المعاصر.
ينفتح المتن الحكائيّ في الباب الأوّل عن مشهد بصريّ يضمّ عباقرة الأرض السّبعة في مقهى الكوكبة السّماويّ، ومعهم أبوالعلاء المعرّي، حيث يقيمون في السّماء السّابعة والسّبعين مُنعَّمِين مُرفَّهين مكافأةً لهم على ما قدّموه للبشريّة من إنجازات رفيعة على مختلف الصُّعد، ويتلقَّى أبوالعلاء المعرّي وهو يقيم بينهم، رسالة من (أمينيائيل) مدير مكتب (الأعلى جدًّا) تكلِّفه بأن يعود مبصِراً إلى الأرض التي غادرها قبل ألف سنة، ليكتب تقريراً عمّا آل إليه حالُها وحالُ العرب فيها بعد رحيله عنهما يُطلَق عليه اسمُ (تقريرُ الهدهد).
????بنيـــة التّـــوازي وآليّـــة المُطابقَـــة
غير أنّ (أبا العلاء المُتخيّل) الذي شكّله الكاتبُ يظهر في الفصول التّالية " أعمى" بعد أن قبل المَهمَّة المُوكَلة إليه، وقد جعله الكاتبُ يطابق (أبا العلاء الحقيقيّ) في فقدانه للبصر، وذكائه الفريد، وذاكرته الحادّة، وقدرته على الابتكار والإبداع، واستبصاراته الفكريّة والعلميّة التي تحقّقت بعد قرون من رحيله، ومنها: إيمانه بأنّ الإنسان مُستحدَث من جَمَاد:
والّذي حــارتِ البريّـةُ فيــه حيــوانٌ مُســتحدَثٌ مِــنْ جمــادِ
ويحرص الكاتب على إقامة نوع من التّوازي بين شخصيّة (أبي العلاء الحقيقيّة) و(شخصيّته المُتخيَّلة)، ويُثبت لشخصيّته الحقيقيّة صفاتٍ محدّدة، ويُشرِك شخصيّته المُتخيَّلة في حملها، من هذه الصّفات: عبقريّته العلميّة في اكتشاف أصل الإنسان، كما يضفي السّارد المشارك على (أبي العلاء المُتخيَّل) الصّفة التي مُنِحت لأبي العلاء الحقيقيّ، فيصفه هو (الآخَر) بـ (شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء)، وبذلك تشترك الشّخصيّتان في حمل هذه الصّفة أيضاً. وهكذا تغدو هذه الصِّفة قاسماً مشتركاً بين الشّخصيّتين، وتتطابق الشّخصيّتان في نصّه، ولا تفترقان إلا في علاقتهما العاطفيّة مع النّساء، وفي رأيي أنّ هذا التّطابق أضعف الانزياح الحاصل بين الشّخصيّتين، وجعل آلية تخلُّق الشّخصيّة المُتخيَّلة ناقصة وغير مُسوَّغة نصيّاً، وتفتقر إلى التّخييل والاستقلاليّة عن المرجع الخارجيّ الذي تُوهِــم به، فضلا عن أنّ الشّخصيّة المُتخيَّلة ولدت في التّاريخ نفسه الذي تحمله الشّخصية الحقيقيّة، وهو 27 كانون الأول 973 م.قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏
لقد كُلِّف أبوالعلاء المعرّي، في المتن الحكائيّ، بالنّزول إلى الأرض لرصد ما طرأ على حال قومه العرب بعد رحيله عنهم، ومع ذلك حرمه الكاتب من نعمة الإبصار، فحال ذلك دون قيامه بالمَهمَّة المُوكَلة إليه، وغدا عاجزاً عن معرفة واقعه بشموليّة ودقّة، كما أضعف من قدرته على الحركة، وعقْدِ صلات حقيقيّة مع النّاس من حوله، وأمسى عاجزاً عن رصد (الوقائع) التي تشكّلت من خلال آليّة حركته في الحيّز المحدود الذي كان يتحرّك فيه، وقد اضطُّرّ الكاتب إلى الاستعانة بمجموعة من الأخبار، ونثرها في المتن الحكائيّ للتّعويض عن افتقار المتن للوقائع السّرديّة، غير أنّ هذه الأخبار لم تندغم في نسيج النّصّ، ولم تصبح جزءاً من لحمته السّرديّة، وظلّت مجموعة من المقبوسات والمُناصّاتْ النّاشزة لا أكثر.
وفي ظنّي أنّ إبقاء المعرّي (أعمى) في نصّ سروري استراتيجيّة سرديّة أضعفت من رؤيته للواقع من حوله، وقلّلت من صدقيّة هذه الرُّؤية، وجعلته يخفق في معاينة التّغيُّرات التي طرأت على الواقع بنفسه، كما جعلته مضطّرًّا إلى رؤية هذا الواقع بعيني (الآخّــر) بدلا من أن يراه بنفسه من خلال تجربة عيانيّة ملموسة.
لقد غادر المعرّي سياقه الأصليّ الذي كان يتناسج معه، وأصبح شخصيّة مُتخيَّلة التحقت بسياق مجازيّ كوّنه الكاتب، وقد أضاف الكاتب إلى هذا السِّياق المختلَق وقائع تتناسب مع طبيعة الشّخصيّة المُشكَّلة، ومع ذلك يمكن الزّعم بأنّ نصّ سروري ظلّ ينوسُ بين المطابقة مع مرجعه التّاريخيّ، والرّغبة في إعادة تشكيل صورة مُتخيّلة للمعرّي تحمل دلالة جديدة، وتتناسب مع المهمَّة التي أوكلت إليه، وتصلح في الوقت نفسه للتّناسُج مع النّسق المجازيّ الذي ألحقه الكاتب به، وجعله جزءاً منه، وقد استعار الكاتب من سيرة المعرّي وتراثه الشّعريّ والنّثريّ مادّة سيريّة وأدبيّة وشعريّة، وضمّها إلى نصّه على هيئة مقبوسات، أو مُناصّات، إلا أنّ هذه المادّة بقيت طافيةً على سطح المتن الحكائيّ، ولَم تنجح في أن تكون جزءاً من لحمته السّرديّة، وظلّت تحمل الدّلالة نفسها التي كانت ترشح بها حين كانت جزءاً من سيرة المعرّي الذّاتيّة، ولَم تكتسب وظيفة رمزيّة أو تمثيليّة جديدة في النّسق الذي تعالقت معه؛ ولهذا فإنّ المتن الحكائيّ ظلّ ينوء تحت ثقل كثير من الأبيات الشّعريّة التي يُؤتى بها لتعزيز المستوى الدّلاليّ في النّصّ، ويُفضِي بعضُها إلى تعطيل جريان السّرد، وإيقاف تنامي الحبكة، وتتالي الحلقات السّرديّة، وتتحوّل هذه الأبيات إلى فضلة تؤدّي إلى وقوع النّص في الإطناب والتّرهُّل، ومن ذلك الأبيات الواردة في الصّفحتين ( 34 ) و(35)؛ إذ لا مُسوّغ سرديّ لذكرهما.
????الوظيفـــة الرّمزيّـــة للمـــرأة
وفي حرصه على تشكيل حيّز مكانيّ وسرديّ حميم لشخصيّته المُتخيَّلة قام الكاتب باختلاق أكثر من شخصيّة نسائيّة في نصّه، وجعل المعرّي يقيم علاقة معهنّ، لكي يغدو الفضاء الرّوائيّ الذي كوّنه مستقلا عن المرجع الواقعيّ، ومُوهِماً به في الوقت نفسه، ومن هذه الشّخصيّات أمُّه، ⁠ غير أنّ (الأمّ المتخيَّلة) في رواية سروري تُقدَّم بكماء، ولا تنطق إلا بما يتوافق مع رغبة الكاتب في جعلها تتبنّى نزوعاً استشراقيًّا في سلوكها، وقد قام الكاتب بتجريدها من اسمها، وجعلها ظلا لابنها وامتداداً له حتّى بعد مضيّ ألف عام على مغادرته الأرض، وإقامته في مقهى الكوكبة، وعلى الرّغم من أنّ المتن الحكائيّ لا يكشف عن سويّة ثقافتها، ومدى إحاطتها بما كتبه ابنُها في النّصّ من معرفة وفكر علميّ أو فلسفي، فإنّها مع ذلك تكشف عن مستوى رفيع من الوعي الحضاريّ والتُحرُّر من المنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة االمهيمنة؛ إذ تحرص على توفير نوع من الخصوصيّة لابنها الكفيف، ولا تتدخّل في سلوكه وحياته الجنسيّة، أو تحاول ضبطها، أو إخضاعها لما هو قارّ في المجتمع الإسلاميّ الذي لايزال يتبنى مفهوماً أخلاقيًّا بطركيًّا في نظرته إلى الجنس، وقمعه للجسد وحاجاته حتّى في القرن الحادي والعشرين، كما أنّ الأمّ لا تتدخّل فيما ينبغي على ابنها أن يفعله، وحينَ تشعر بأنّه يريد أن يختلي بحبيبته المُتخيَّلة (هند) فإنّها تفسح له المجال، وتنتقل إلى غرفتها (الملاصقة لغرفته) متذرِّعة بأنّ لديها أمراً تريد إنجازه، وهكذا يغدو بإمكانه الاختلاءُ بحبيبته كما يريد، فيبدو كأنّه شخصيّة أجنبيّة في محضن عربيّ، وهو ما أفضى إلى حمل حبيبته (هند) رغم كراهيته للإنجاب، ورفضه الفكريّ الحاسم له في بيت شعريّ معروف للقاصي والدّاني.
لقد تغيّر نمط الحياة الذي عاشه المعرّي في نصّ سروري، كما تغيّرت مفاهيمه الأخلاقيّة، وأمسى له سلوكٌ اجتماعي آخر يتعالق مع المحضن الاستهلاكيّ الجديــد الذي أمسى جزءاً متناسجاً فيه، ومع أنّ مجلسه بقي محتفيًا بالعلم إلا أنّه أفرد جزءاً منه للاحتفاء بحبيبته المتخيَّلة (هند)، ثمّ تابع احتفاءه بالمرأة من خلال احتفائه بابنته ( نور)، مع أنّه كان يجهل بأنّها من صلبه، وقد أقبل على تعليمها، واللعب معها بالشّطرنج دون باقي الرّجال في مجلسه.
⁠ وقد أبقى سروري الحيّز الذي يتحرّك فيه (المعرّي المتخيّل) غرفةً واحدةً، وجعل حركته محدودة في هذا الحيّز، ممّا أفقده القدرة على معرفة ما يدور في الفضاء الاجتماعيّ الواسع، ولَم يُتِح له إقامة علاقات اجتماعيّة متنوّعة تساعده على تكوين رؤية موضوعيّة لما طرأ على المجتمع من حوله، بل أبقى علاقته محصورة في النّصّ بالطُّلاب والباحثين الذين يفدون إليه للإفادة من علمه، وهذه العلاقة لم تكن قادرة على مدّه برؤية موضوعيّة تساعده على استيعاب واقعه، ومعرفة ما يجري حوله، إذ إنّ قدرته على معرفة ما جرى ظلّت محكومةً بعماه، وانغلاقه على نفسه، وضعف تفاعله، وندرة حركته في الفضاء الاجتماعيّ الواسع.
وقد أكمل الكاتب في الفصل السّادس تشييده لآليّة المطابقة بين شخصيّة أبي العلاء الحقيقية وشخصيّته المتخيَّلة، فأورد على لسان (الرّاوي العليم) عبارة ترشح بتدخُّله في سياق السّرد، وتفترض من الشّخصيّة المُتخيَّلة أن تتفوّه بعبارة لا يمكن أن تتفوّه بها إلا الشّخصيّة الحقيقيّة، إذ يدور بين هند (حبيبة أبي العلاء المُتخيَّلة) وبين (أبي العلاء المتخيَّل) الحوارُ الآتي:
- أستشتاق لي إنْ غبتُ يوماً عنك؟ سألته هند ...
- لا أعرف كيف أشتاق إليك!...
- ماذا؟
- أيشتاق الإنسان لرئتيه؟ لدماغه! ...
("أتشتاق الخليّة لنواتها "؟ كان سيقول حتمًا أبو العلاء لوكان مفهوم الخليّة الحيّة ونواتها معروفين حينذاك).
????تركيـــب
أخيراً، في ظنّيّ أن (تقرير الهدهد) بقيت مخلصة لوظيفتها التّوثيقية، وأعادت استخدام المادّة المرجعيّة المستقاة من سيرة المعرّي للبرهنة على عبقريّته العلميّة التي سبقت زمنها، غير أنّ هذه المادّة بقيت تحمل الدّلالة نفسها في سياقها المجازيّ، وأخفقت في اكتساب دلالة جديدة في النّسق السّرديّ الذي تعالقت معه؛ كما أنّ الخطاب الرّوائيّ ظلّ ينوس بين الإخلاص للأصل، وبين تشكيل صورة مجازيّة له، ولذلك أخفق في تسريد العلم والفلسفة في متنه، وظلّت المقبوسات العلميّة والفلسفيّة طافية على سطح المتن الحكائيّ، ولم تفلح في أن تكون جزءاً من نسيجه السّرديّ. ولتبيُّن ذلك يمكن قراءة معلومة في الفصل الخامس تؤكِّد أنّ أبا العلاء المعرّي الحقيقيّ عبقريّة علميّة كبيرة؛ إذ سبق داروين في اكتشاف أنّ أصل الإنسان قردٌ، وهذه المعلومة في الواقع لا تضيف جديداً إلى أبي العلاء المعريّ، ولا تقيم نوعاً من الانزياح بين شخصيّته الحقيقيّة وشخصيّته المُتخيَّلة التي حرص الخطاب الرّوائيّ على تشكيلها، كما أنّها ترد على شكل خبر يُنثر في المتن الحكائيّ، ولا ينبثق على هيئة فعل سرديّ يجترحه المعرّي من خلال فعل يقوم به، وهو يتحرّك في الفضاء الرّوائيّ بوصفه شخصيّة متخيَّلة مكلَّفة باختراق الأمكنة وإقامة العلاقات مع النّاس للتّعرُّف إلى الواقع العربيّ بعد معاينة ملموسة له.

ومن الجدير ذكره أيضاً أنّ الكاتب يزاوج في الفصل السّادس بين السّارد العليم والسّارد المشارك، ويتنقّل بينهما، من دون أن نلاحَظ أيّ فارق لغويّ في منطوق الشّخصيّتين، كما أنّه يُقِيم نوعاً من التّطابُق بين الزّمن الحكائيّ والزّمان السّرديّ، وتغدو شخصيّة (نور) المُتخيّلة جزءاً من سيرة أبي العلاء الحقيقيّة، فتنزاح شخصيّته عندئذ عن مرجعيّتها، وتفقد علاقتها بزمنها الحقيقيّ، وتصبح شخصية مُتخيَّلة، وتغدو امتداداً دلاليًّا ورمزيّاً لأبي العلاء المعرّي وحبيبته هند.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود