كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

محطات من العام 2000، خطرت على بالي

جمانة طه
1
يوم عودتي إلى الوطن من زيارتي الثالثة للولايات المتحدة الأمريكية، رافقني إلى مطار مدينة سان أنطونيو، ابني وابنا أختي وثلاث حقائب. وبما أنه يسمح للمسافر عبر المحيطات، نقل حقيبتين فقط بحمولة تصل إلى ما يقارب ستين كيلوغرامًا، كان عليّ أن أدفع أجرة شحن الحقيبة الثالثة العائدة لابني الآخر، الذي سبقني في العودة إلى الوطن مع زوجته وابنته. انتظمت في الصف، أنتظر دوري. وعندما جاء، أشارت لي الموظفة المختصة بالتقدم. حييتها ووضعت بين يديها جوازي، وبطاقة السفر. وبعد أن حددت مكان جلوسي في الطائرة، نظرت إلى الحقائب، وقالت: آسفة، لا أستطيع أن آخذ أكثر من اثنتين. فقلت: لا بأس، سأدفع قيمة شحن الثالثة.
حركت أصابعها على لوحة الكومبيوتر الذي أمامها، ونقرت على مفاتيحه نقرات متتالية، ثم قالت: هناك تسعيرتان للشحن: واحدة بمئة دولار وعشر دولارات، وأخرى بمئة دولار وثلاثين دولاراً. لن أحمِّلك أكثر من قيمة التسعيرة الأولى.
شكرتها جزيلاً على معروفها، وأخرجت من محفظتي المبلغ المطلوب.
ودعت الأحباب، وغبت عن أبصارهم داخل نفق يوصلني إلى طائرتي. جاءت جلستي بين رجلين أمريكيين، أحدهما طيار كما أنبأتني الشارة التي تتربع على كتفيه وصدره. وقبل أن تكرج الطائرة على مدرج المطار استعدادا للإقلاع، انتصبت أمامي الموظفة التي وزنت حقائبي وهي تقول لاهثة: سامحيني، التسعيرة مئة دولار فقط. ثم وضعت في يدي عشر دولارات، واختفت. دقة هذه السيدة وأمانتها، فاجأتني وأخذت بمجامع قلبي. أحد الرجلين نظر إليّ بعينين مستفسرتين، فرويت له ما حدث، فلم يصدق سمعه وقال: يا للدهشة! أما تزال هناك أمانة في هذه الحياة؟!
2
حين هبطت بنا طائرة الخطوط الأمريكية (دلتا) في مطار دالاس، كانت طائرة الخطوط الفرنسية التي سأسافر على متنها إلى باريس، تستعد للإقلاع بعد أقل من أربعين دقيقة. ومن حسن حظي أو من حسن الترتيب، أنّ الطائرتين الهابطة والمغادرة، كانتا في المبنى ذاته. لذا لم أحتج إلى وقت طويل، للوصول إلى البوابة المخصصة. كان الحشد المنتظر كبيرًا، وكانت لحظات الوداع بين المودعين والمسافرين باكية ومؤثرة.
أخذت مكاني في الطائرة قرب شاب ساقني حدسي إلى أنه عربي. قال إنه من المغرب العربي، وقد أمضى إجازة في دالاس مع أخيه المتزوج من أمريكية.
سررت بوجوده العربي، وحاولت أن أقصر المسافة بين دالاس وباريس، بتبادل الحديث معه. لكنّ عدم فهمه لمفردات لهجتي السورية برغم فصاحتها، وعدم معرفتي باللغة الفرنسية وعدم معرفته بالإنكليزية، وأدت محاولتي وأعادتني إلى برودة الغربة. فشعرت بأن ما كنا ننشده في طفولتنا:
بلادُ العُرْبِ أوطاني مِنَ الشامِ لبغدانِ
وَمِنْ نَجدٍ إلى يَمنٍ إلى مِصرَ فَتَطْوانِ
ليس أكثر من كلام مرصوف، لا قيمة له في مثل هذه الحالات.
فبدلاً من أن تقرب اللغة بيننا، انتصبت سدًا عاليًا، وصار الصمت سيد المكان والزمان.
3
بعد طيران أخذ من زمننا أكثر من ثماني ساعات متواصلة، وصلنا مطار شارل دي غول في فرنسا. فواجهتنا إجراءات أمنية صارمة، تضمنت تفتيشًا دقيقًا على البشر والمتاع. فتشت الموظفة حقيبتي، وأجازت عبوري إلى قاعة من الزجاج المقفل المضاءة بالنيون وبعض ملامح النهار. تسمرت مثل غيري من المسافرين على مقاعد غير مؤهلة للجلوس الطويل، وفي جو أقل ما يقال فيه إنه خانق وغير إنساني. صدق في هذا المطار، المثل القائل:"من بره رخام ومن جوه سخام". كان بين المنتظرين، أم شابة مع ابنتيها الصغيرتين الجميلتين: ياسمين وليلى. عرفت منها، أنها وزوجها فلسطينيان من مواليد سورية، هاجرا إلى السويد ليحصلا على جنسية أجنبية تمكنهما وأولادهما فيما بعد من التنقل بسهولة بين البلاد العربية. هل يجدي نفعًا قولي، إني أحسست بالأسى والهوان؟
4
في طائرة مزدحمة بالناس وبالأمتعة، صادف مكان جلوسي في مكان انتصبت مقاعده أمام باب الطوارىء، وكان شريكاي فيه، شاب وفتاة. الكتاب الذي كان في يد الشاب وعنوانه سورية، حرض فضولي لمعرفة سبب مجيئه إلى وطني. إنه ألماني، ويعيش في فرنسا. يدرِّس في كلية الزراعة في جامعة ستراسبورغ وهو آت إلى سورية بدعوة من جامعة البعث في حمص، ليقدم فيها بعض أبحاثه. عبّر لي الشاب عن استغرابه وأسفه لعدم توفر كتب عن سورية في السوق الأوروبية، واعتبر ذلك تقصيرًا لا مبرر له من الجهات المعنية السورية.
لم أستطع أن أدفع التهمة عن أصحاب الشأن في وزارة السياحة وفي السفارات السورية، وفي ذات الوقت لم أستطع أن أمنع نفسي من الخجل ووجهي من الاحمرار.
5
جارتي في الرحلة ذاتها، صبية في عمر الورد تنم ملامحها الجميلة عن سريان دم عربي في عروقها. قالت (دانييلا) أو( منال): أمي ألمانية وأبي سوري. وأزور سورية مرة كل عامين لأرى أعمامي وعماتي، وكم أتمنى لو تسمح لي الظروف للعيش فيها. لم أجد صعوبة في التواصل معها، لأنها تفهم بعض العربية، وتعرف بعض الإنكليزية. ارتاحت منال للحديث معي، فأسرّت لي بمعاناتها من انفصال أمها عن أبيها. أخبرتني أنها تعيش مع أبيها الطبيب في منزل ملتزم بالدين الإسلامي وبالتقاليد العربية، بينما يعيش أخوها الصغير في مدينة أخرى مع الأم وصديقها. وقالت: "إنّ تصرف أمي وأسلوبها في الحياة يجعلني حزينة عليها، وقلقة على مستقبل أخي". بدت الغصة واضحة في حلقها، ومع ذلك تابعت تقول: "منذ فترة تعرفت إلى شاب سوري يقيم مع أسرته في ألمانيا، أحببته وأحبني. لكن أمه وهي صاحبة سطوة ومال، مانعت بشدة زواجه مني بسبب أمي، واتهمتني بأني مثلها. أفيديني برأيك من خلال تجربتك الحياتية، هل أجد لديك حلًا لمشكلتي؟. تبادلت معها بعض الآراء والحلول، مع يقيني بأنها لن تجدي ما دمت لا أعرف الطرف الآخر. في تلك اللحظة تمنيت أن أطير إلى ألمانيا، لأنقل إلى والدة ذلك الشاب ما تنطوي عليه سريرة منال من صدق وحب وشفافية، فلعلها تلين وترضى وتسعد القلبين المحبين.
كم تمنيت!
6

وصلنا مطار دمشق، بسلامة الله. أنهيت ختم الجواز، وأسرعت إلى قاعة الجمارك لاستلام أمتعتي. تحرك الشريط الأسود، فتكاثر الحمالون حوله كالذباب على الحلوى، وبدؤوا يرمون الحقائب على الأرض بقسوة وعشوائية. وبعد دوران متعب في المكان استمر أكثر من نصف ساعة، أدركت أنّ أمتعتي لا تزال رابضة في باريس. فتقدمت بشكوى إلى الجهة المعنية، ذكرت فيها عدد الحقائب وأشكالها وألوانها. خرجت ومشاعر الخيبة والقهر، تلفني. بأي وجه ألاقي حفيدتي، وماذا أقول لها عن الدمية التي تنتظرها بلهفة توازي شوقي إلى رؤيتها؟.

"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود