ميلان كونديرا.. هكذا تعرّفت عليه
2023.07.13
علي بدر- فينكس:
أول مرة أتعرف على كتابات ميلان كونديرا كان ذلك في بغداد. اشتريت مجموعة كتب من شاب سويسري يعمل في الصليب الأحمر وأثناء مغادرته جلب كتبه لشارع المتنبي لبيعها أو لمنحها. من بينها كتاب صغير بعنوان "غراميات مرحة"، في الطريق، وأنا في الباص غرقت في قراءته، فهو يتعلق بمفهوم الخيانة، على صغر حجمه أذهلني بتهكمه الفلسفي، أول مرة أقرأ خليطا من تراسترام شاندي وغمبروفتش.
بعدها قرأت عنه تقريرا في "الأمريكان ويكلي"، أول مرة أتعرف على حياته ومكانته الأدبية فلم يكن في الماضي google لتعرف مباشرة حياة واعمال الكاتب، وفيها هذه السيرة المعروفة فصله من الحزب الشيوعي في الخمسينيات (القرن العشرين) وبعدها اشتراكه في أحداث براغ، ومن ثم مغادرته للبلاد.
وانتظرت عاماً آخر لأجد روايته الحياة في مكان آخر مترجمة للعربية وصادرة عن الآداب، وهو عمل مذهل من الشراسة الهزلية يتعلق بشاعر تلفق له أمه حياته فتزدهر هذه الحياة وسط عصر من الستالينية الطاغية، كنوع من انتقامها من العالم، والأهم هو مفهوم ailleurs أي المكان الآخر، وهذا المفهوم اخترعه بودلير، واستثمره رامبو يقول في واحدة من قصائده "إن السماء المخضبة بالبطولة تؤذن بالليل لا بالنهار إن الحياة حقه هناك في مكان آخر"، مع الأسف المترجم العربي لم يفهم هذا المفهوم فضاع في الرواية.
المكان الآخر هو مكان مستحيل، غير موجود، محلوم ومرغوب وكل العذاب البشري يتعلق بالهرب إليه ولكن لا وصول له.
بعد نهاية المرحلة الاشتراكية، على الصعيد الشخصي، تصورت أن كونديرا سيعود إلى بلاده. لكنه لم يعد، بل هرب من الصحافة، وطالب بعدم نشر رواياته باللغة التشيكية.
في أغلب رواياته يتحدث عن الكاتب غير المرئي، فهو يقول إنه حلم بطفولته بمرهم يدهن جسمه فيه ومن ثم يختفي عن الأنظار، وحين كان يزور براغ بفترات متقطعة بعد نهاية الشيوعية كان يزورها وهو متخفٍ بلحية، والمبيت في فنادق بعيدة وغير معروفة وبأسماء مستعارة. ويتعمد السرية، جعل بعض الصحفيين ملاحقة تاريخه، ومن ثم فعلاً وجد سوسيولوجي شاب يعمل على دراسة دكتوراة في المرحلة الشيوعية اسمه هاردياك على محضر سري يذكره بالاسم وبصفته كشاعر وأستاذ جامعي وهو يوشي بأحد المعارضين قبل هروبه خارج البلاد، ويتسبب هذا البلاغ بالحكم على المعارض بالإعدام ومن ثم يخفف الحكم الى 22 عاماً، رد ميلان كونديرا بشكل مقتضب، وقال إن هذا هو نوع من الاغتيال لكاتب، لكن أمر المحضر واضح، والاسم صريح ونشر كل شيء في الصحافة بوضوح، بعدها صمت كونديرا تماماً، ولم ينشر سوى روايته الأخيرة والتي عدت من قبل النقاد برواية فاشلة.
في العام 2012 دعيت الى معرض الكتاب في براغ، وأردت أن أجعلها فرصة للبحث الميداني عن كاتب طالما أحببت كتاباته، فالتقيت بيان هافاك وقد كتب كتاباً من 900 صفحة عن حياة كونديرا في "جيكوسلوفاكيا"، قبل هجرته الى باريس، بعنوان "الحياة المستحيلة"، لم يترك صرة في حياة كونديرا لم يفركشها، كما قال في كتابه.
أغلب الكتاب التشيك يأخذون على كونديرا تلفيقه لسيرة حياته، إن معارضته للحزب الشيوعي في الخمسينيات هذه مزحة من روايته، المزحة وقد كتبها سابقاً، هو شيوعي أصيل، وبعقلية أمنية وشاعر مؤمن مثل بطل روايته الحياة في مكان آخر، واشهر قصائده في ذلك الوقت كتبت عن غاغارين وعن يوليوس فوتشيك الشيوعي الذي كتب مذكراته "تحت أعواد المشانق"، أما تحولاته فقد جرت لاحقاً في بداية الستينيات، والتي أدت الى كتاباته الأساسية غراميات مرحة عام 1963، والمزحة في العام 1968.
كما قلت سابقاً، إن الموضوعين الأساسيين عند كونديرا في كل كتاباته هما الخيانة والتلفيق، وهو ما كانت تدور عليه حياته في الواقع في روايته "خفة الكائن التي لا تحتمل"، أن الحياة لا يمكن عمل مسودة منها، وبالتالي تفلت من التحرير وهو أمر لا يمكن احتماله، وهو ما أراد أن يفعل طوال حياته أن يعيد حياته على الورق، وبقي يعيش أزمة الضمير بقوة.
في رأيي أن كشف هذا المحضر السري قد حرر كونديرا تماماً، لأنه بعده قام بفعلين لم يفعلهما من قبل، فقد قابل رئيس الدولة التشيكية الذي أعاد له جنسيته وجنسية زوجته التشيكية وقبّلها بود كبير، ووافق على حصوله على جائزة كافكا أكبر جائزة أدبية في جمهورية التشيك، وقبل بنشر كتبه في بلاده.