العاميات والفصحى
2023.07.13
بشّار عباس:
تنتشر على نطاق واسع وجهة النظر القائلة إن العاميات نشأت بسبب اختلاط اللغة العربية الفصحى باللغات القديمة المحكية في كل بلد، وهو قول على صحته نسبياً، يهمل جانباً آخر، وهو أن كل بلد عربي يمكن أن يكون قد أخذ مفردات مختلفة من اللغة العربية الغنية بتلونات عديدة للمعنى الواحد.
وهذا ما لاحظته في المغرب العربي حيث يستخدم المغربيون كلمة "دراري" للدلالة على الأطفال وهي مشتقة من كلمة "ذرية"، كما يستخدمون "نهج" للدلالة على "الشارع" وهما معنيان قريبان إذا عدنا للفصحى، وكلمة "يهدر" بدل "يتكلم"، وغيرها كثير.
وذات مرة كنت عند صديق عماني كان مقيماً في دمشق وكانت ابنة أخته تلعب وتقول: " آبي أجول"، وقد لاحظ أنني لم أفهم فشرح لي معناها: "أبغي أن أتجول".
المشكلة هنا أن العاميات فقيرة بالمفردات واللغة العربية غنية جداً بجذور متعددة، والعاميات مختلفة بين مدينة وأخرى وليس بين بلد وآخر ولا بد من أن تتوحد.
الطريق الأفضل لتطور اللغة وهي ككل كائن حي عندما يتوقف عن التطور يموت، هو أن تؤدي اللغة الفصحى دوراً توحيدياً للعاميات، والعامية دوراً تبسيطياً للفصحى، بحيث نصل في المستقبل إلى تطابق بين اللغة المكتوبة واللغة المحكية.
قد يقال أن هذا أمر صعب جداً وكثيرون يحتارون ويفقدون البوصلة، ولكنني سأورد مثالاً واحداً فقط فقد استطاع الإسرائيليون أن يحيوا لغة عبرية كانت ميتة تماماً، وتستخدم فقط في التراتيل الدينية في المعابد اليهودية، وهم اليوم يتفاهمون بها ويكتبون بها مستجدات العلوم التطبيقية والإنسانية، وهي لغة لم تكن يوماً بمستوى اللغة العربية.
المسألة أساساً تحتاج إلى رؤية وإرادة وصبر وتصميم.