العَزْفُ والنَّزْفُ شِعْراً: "كأوركسترا يَنْتِفُ المايسترو أجنِحَتَها" لهادي دانيال
د. مصطفى الكيلاني- فينكس:
-1-
يستوقِفُنا بَدْءاً عنوانُ هذه المجموعة الشعريّة الجديدة لهادي دانيال (نَشْرُ دار الشنفرى بتونس،2023) الذي يُنَبِّهُنا بكثيفِ صورةٍ تذهب بعيداً في السِرياليّة، ومفادها التقريبيّ مَشْهَدٌ لِعالَمٍ مَسكون بفوضى العلامات وَمُنْفَلِت الدّلالات. وقد ساعدَ فَنُّ التشكيلِ بريشةِ الرّسّامِ رامي شَعْبُو، وباستخدام البياض والسواد، على تقريب حالاتٍ طيفيّة مُزدحمة في عميق جُوّانيّةِ الشاعر إلى القارئ، وبمخصوص القراءة، هذه القراءة.
فيبدأ "العَزْفُ السمفونيّ" مجازاً شِعْرِيّاً، وهو عَزْفٌ صامِتٌ صاخِبٌ مَعاً، تحرص به الذاتُ الشاعرة على تعمير نزْر قليلٍ من خواء شاسِع مُذهِل ضاغِط على روحِ الإنّيِّ، وهو يتلجْلج بين ألَمٍ وأَمَل، وبين رغبة وأخرى بالمنقطِع المتكرّر. وإذا القصيدة، وهي تتشكّل أوْ تنكتب، تنفتح على عزف ملتبس، كفراغٍ رحِميّ يستقبل بَذرةَ حياةٍ ناشئة وَيُخْفي سِرَّةَ أسراره. هذا التّشكُّل البدئيّ هو إعلانٌ بَدئيّ لشاعريّةِ النفي وجماليّة الفوضى المُبدعة ترْبك منطقَ اللغة المُعتاد وتُجازف في توصيف الحال المبهمة بجديد الاستعارات والكنايات: "ذاكرة الأصابع، لا النافية المتكرّرة، عزف
العُمُر، مدينة العَدَم...".
-2-
كمشهد مُغَيَّم وكثيف السواد، قليل البياض، شديد الَعَدَمِيّة تنطلق حكايةُ الموصوف الشِّعريّ في "كأوركسترا ينتف المايسترو أجنحتَها"، لتنبلجَ عن هذا الموصوف نقطةُ ضوء تسلّلت إلى الرّكح حيث العزف الأوركستراليّ الصاخب صمتا، الصامت صَخَبا بأطياف الأشياء والحركات المُتَخَيَّلَة، وبمرئيٍّ لا مرئيّ، إذا جازت العِبارة: "كأس ويسكي، سيجار كوبيّ، خدود الأطفال، عُيُون العُشّاق...".
نُقطة ضوء بادئة، إذَنْ، تُحَوِّلُ مَجرى الكتابة من النفي المحض وشبهِ مُطلقِ العَدَميّة إلى واقعيّة خافتة، تقريباً، وإنْ ظَلَّ الموصوفُ سابحاً في كثيف عتمته الجوّانيّة.
هي نقطة ضوء تنبعث أيضا من عميقِ جُوَّانِيّةِ الشاعر الواصِف الحالم يقظةً، لحظةَ الكتابة، وهو يتطلّع في الأثناء إلى الشمس، "شمسنا البعيدة".
ويتّسِع مدى الكشْف بنقطة الضوء المذكورة المنبعثة من عميق الداخل الجُوانيّ ليظهر رُكح للعزف باللحظة المكثّفة بعميم حِينيّتِها، تستقدم إلى المشهد الموصوف أحداثاً من ماضٍ قريب (بوتين والحرب الروسيّة الأوكرانيّة، وبداية تشكُّل زمن تاريخيّ جديد...)، ومن ماضٍ بعيد بشمسه التي لا تغيب، بل لا يُمكِن أن تغيب، وإنْ حَجبَتْها وقائع، كَجُمْلَةٍ موسيقيّة مُتكرّرة (لازمة – Leitmotiv) تُضفي على لحن الوُجود الإنسانيّ بهجةً خاصّة (أشقر الكرملين، لينين، بوشكين...).
لقد بَدَأَ العزف، في هذا الطور الثاني من موصوف هادي دانيال، يُسفِر عن معنى مَّا لإيجاب حادث بعد الإيجاب الذي كان في تاريخ يقينه الإنّيّ الخاصّ لمّا نزعت القصيدة إلى الإفهام تصريحا بالمقاومة وأداء المتعدد من المواقف (مواقفه) النضاليّة.
-3-
ما عاد الشاعرُ، هُنا، مُكتفياً بالرؤية سَنَداً رئيساً لتوصيفِ حالاته ومواقفه، بل تَطَلَّبَ فعْل الكتابة الشِّعريّة بتنامي وعيها وتَطَوُّر أوضاعها معاضدةَ الرؤية بالسماع في مُتخَيَّل كِتابيّ أبعَد في الاقتدار على مقاربة "المبهم الشبحيّ في النفس"، على حدّ عبارة جبرا ابراهيم جبرا. فللشاعر، بهذا الطوْر الحادث استماعُه، بل استماعاته إلى "لحنه" الخاصّ الجُوانيّ حيث تشتغل العلامات والدلالات وَصْلاً بين مكانيْن (تونس ودمشق) لكيان واحد مُشتَرَك، وبالنّهائيّ واللانهائيّ لحظةً وزَمَناً، فيستحيل "العزف" بمُطلق تسمية الإله إلى "صلاة" من أجْل "الوطن"، وإلى استغاثةٍ لإنقاذ ما حَلَّ بهذا الوطن من خراب.
يَتغيّرُ المكان في رحلة الشاعر واقِعاً من تونس إلى دمشق، ومنها إلى اللاذقيّة. فيصطدم الشاعر بِواقِعِ وَطَنٍ مُنْتَهَكٍ مُسْتَنْزَف: "بلد يُصارع نفسه" (ص33).
وكأنّ الشاعر مُتَعَمِّد لِمُجَرَّد الإلماح، في هذه المجموعة الشِّعرِيّة، إلى وصف مأساة الوطن وما انتهى إليه شَعْبُه الأبيّ من ضَنَكِ عَيْش، وغير راغب في التّفَجُّع والتَّظَلُّمِ، مُتَرَفِّعاً مُتَحَدِّياً مُقاوِماً أو غاضِباً مُؤثِراً بلاغة التلميح لا التصريح...
-4-
وَجَعُ الشاعر عند حدوث الصدمة ثمّ العودة من سورية إلى تونس تَحَوَّلَ من الوقائع الحسّيّة المباشرة إلى صُوَرٍ تزدحم بالتّذَكُّرِ والرغبة معاً في استعادة وحدة وطن استباح الغُزاةُ بعضَ أراضيه: "أرض كستْها راية الغازي-وخناجرُ العُمَلاء" (ص41).
إنّ الفاجعةَ أو الوجيعة، هنا، أمَضُّ من أن تَسَعَها قصيدة، فكان التّوغُّل الاضطراريّ في عميق الدّاخل الجُوانيّ بالمزيد المزيد من الالتفاف الداخليّ واللواذ استعارةً ب"المقام الصعب – بين البرق والرّعْد!" (ص46).
فيحضر الوطن (سوريّة) بالبُعْدِ أكثر منه بالقرب في هذه المجموعة الشعريّة، بل إنّ صدمةَ الشاعر لِهوْل ما أبصره يحدث لوطنه ظلَّ يعتمل في داخلِهِ زمَناً، فتشكّلَت آثارُه الدامية في عميق داخلهِ الجُوانيّ وأنشأت حالاً نادرةً من الكتابة المُخصِبَة المُدهِشَة هي جديد هادي دانيال في هذا الطور من عُمُر القصيدة وَمُبدِعِها.
إنّ جديد الشاعر في هذه المجموعة، مقارنةً بين سابق تجربة الكِتابة ولاحِقِها، هو استقدام الاستعارة الموسيقيّة إلى بلاغة القصيدة، بالأبعد أداءً من الإيقاع عند تَمثُّلِ لاعبيّة الكتابة الشّعريّة موصولةً بلاعبيّةِ الوُجود، كأن تكتسب الموسيقى بالشِّعر في عالَم هادي دانيال الشِّعريّ دلالة العزف النازف يشي بالانجراح وبالعَدَم، منشئ الوُجود ذاته وساكنه، وبالحدوث الزّمَني لَحظاتٍ تليها لحظاتٌ، وبِنفادٍ للقوّةِ يليه نفادٌ، وإلى آخر نفادٍ.
عزفٌ/نزفٌ، إذَنْ، أوْ عزْف نازِفٌ ونزفٌ عازِفٌ هو مُختَصَرُ المشهد الموصوف شِعْراً بحال الشاهد (الشاعر).
-5-
يُتَمَثَّلُ العالَمُ، والوطن منه، سمفونيّةَ عَزْفٍ ونَزْفٍ بِلَحْنٍ سِرياليّ حيث الأصواتُ أوجاعُ صمت والأصمات نزيف حالات، وذلك بأقصى الحنين، وبالمرأة تجسيد للرغبة المُتدفِّقة حياةً، وباللحْن يُدْرَكُ بذاكرة السّماع، وبالإحالة تحديداً إلى "شوبان"، الموسيقار الفرنسي، و"رحمانوف" الروسي، ومختلف الصوَر بالمُتَخَيَّلِ السمعيّ عند ذكر "خرير الماء" حيث "الينابيع" و"الرمل" و"البيت الجبَليّ" (ص50)...
كذا اللحنُ، هنا، فهو عازف، والوَجَع نازف بمعزوفِ آلةٍ واحدة (السوناتا)، لعلّه معزوف الكمنجة أو آلة نفخ أو قيثار بمُفرد الأداء اللحنيّ، ليتماهى أداء الشاعر وأداء العازف، ضمْنَ أداء واحد مُشْتَرَك في خارطة عالَم مهزوز مُستَباح مسكون بالخراب، مُبهَم كحال الشاعر العازف مجازاً تَدَّاخَلُ بها المأساةُ والملهاة بِضَحِكٍ باكٍ أو بُكاءٍ ضاحِك، وفي طريقٍ بلا وُصول، ومفادُ الراحلة "بغْل الأمَل" (ص58)، والرحلة تَوَغُّلٌ في "غُبارٍ طويل" واستبداد "العمى" لغِيابِ أيّ دليل على الطريق، وتهاوي كُلّ المرجعيّات، تقريباً، بَعْدَ الذي حدث للوطن...
-6-
يشتدّ العزْفُ شِعراً ببالِغ الارتباك وفائضِ النّزْف الموجِع، وذلك بِعَزْفٍ آخَر لآلَةٍ مُنفردة (سوناتا أخرى)، موضوع هذا العزْفُ: "شَعْبٌ بلا يَدَيْن". والعازِفُ، في هذه المَرّة، هو "باخ" الألمانيّ. أمّا آلة العَزْف، وق
د صرَّح الشاعر بها، فهي البيانو. فالحُرُوفُ لُغَةً شِعريّةً تتآلَفُ، و"نوتات" الكتابة الموسيقيّة مجازاً مُشتَرَكاً يتشكّلُ صُوَراً عند السماع وما يُحدِثُ في عميق النفس من وَقْعٍ يُوقِظُ عدداً من الذكريات حيث بعضٌ كثيرٌ من آثار وقائع حياةٍ ماضيَة في سوريّة، وما له صِلَة أيضاً بفلسطين، ليتشكّل في الأثناء وعيٌ مُطلَق نسبيّ أو نسبيّ مُطلَق لحظةَ السماع ذاتها: "فاختلط الخالد بالبائد" (ص73).
وإذا العالَمُ بِمرئيِّ الشاعر ومسموعِهِ نزْف عازف لوجع يذهب بإنِّيّةِ الشاعر إلى الأبعَد كونيّةً، وبكثيف الدلالات الأُسطوريّة ووقائع الجرائم التي اقترَفَها الإنسان في حقِّ أخيه الإنسان، منذ أوّل الخلْق وإلى "الزمن الأمريكيّ"، ومروراً بكُلّ الأطوار والوقائع في تاريخ الجرائم المُقْتَرَفة، حتّى لكأنّ تاريخَ العالَم حَدَثٌ واحِدٌ هُو الجريمة المُتكرّرة، وإنْ تَغيّرَت الأزمنةُ والأسماءُ مِن قَتَلَةٍ وضحايا. فكأنّ سمفونيّة العالَم العازفة بمختلف العُصور نَزْفٌ مسترسل لفوضى كونيّة وإنْ ظاهِرها نُظُم وقِيَم ومبادئ،. ووجْه العالَم دمامة يحرص الإنسان على تجميلها بالكذب المُخادِع وإخفاء الجُثَث والجثامين وما لا يُتَحَمَّل من مشاهد الذّبْح والحرائق والاغتصاب والروائح الكريهة، ليتجدّد في الأثناء تاريخُ الجريمة، ويستمرّ العزفُ السمفونيّ (عزف الكون) توازياً مع النّزْف. وبالعَوْد أو التّكرار ذاته تتعاقب الرغبات والآلام، والأحلام والآثام، فكأنّه لا إنسان، ولا تاريخ لإنسان إلّا بالجريمة، بالقاتل والقتيل، وبما مُخْتَصَره "قابيل" و"هابيل"، "السيّد" و "العبْد"، الغاصب والمُغتَصَب، المعتدي والمعتدَى عليه..، وإذا لا أُفُق خارج دائرة التكرار.
ولعلّ الموسيقى، هُنا، تختصر بكثافة تفاصيل هذا التاريخ الإنسانيّ، منذ لحظات الوعي الأوّل الذي استحال بالتطوُّر إلى وعيٍ للذات، حسب العبارة الهيغليّة في "فينيمونولوجيا الفكر/الروح" لِيَنْجَرَّ عن ذلك نُشُوءُ الحاجة إلى "الاعتراف"، والصراع من أجله، وخطر الموت الذي يتهدّد جميعَ الإنِّيّات في كُلِّ حين.
-7-
إنّه القَتْلُ، والقَتْلُ المُضادّ، أو مُشكِلُ الاعتراف في صراع التّغالُبِ بمدلول التاريخ التراجيديّ كما تَمَثَّلَه هيغل فلسفةً، ومثلما ارتآه هادي دانيال شِعراً في "سرحان بشارة سرحان" الفلسطينيّ الأصْل، قاتل الرئيس الأمريكيّ السابق روبرت كينيدي (1968)، إذْ يستعيد الشاعرُ الحدَثَ، ويتمثَّل السبعينيَّ في زنزانته، وفي ذلك ما يجعلنا، من موقعِنا القِرائيّ، نستطيع التدليل على ديالكتيك صراع التّغالُب حيث لا حدّ للقوّة نهائيّاً، كما لا حدّ للوهن، كقوّة "العبد" الأقوى إمكاناً من قوّة "السيّد" في التّمَثُّل الهيغليّ لكُلٍّ من القوّة والوهن. فما أقدَمَ عليه المناضل الفلسطينيّ يُبرهن لدى هادي دانيال على أنّه لا قُوّة قُوَوِيّة دائمة، كما لا معنى للوهن الدائم، وإنّما مآل القوّة في هذا الاتجاه أو ذاك هو الاضمحلال، مثلما للوهن أحكامُه الخفيّة وإمكان اندفاعه إلى الأقوى قُوّة.
وَمُحصّل الحكمة بالقوّة والوهن ماثلٌ في مدلول الموت ذاته الذي هو مآل الجميع، ونقطة التقاء الأقصى قُوَّةً بالأقصى وهَناً، كأن تستنزف القُوَّةُ قُوَّتَها بحركة الاندفاع إلى الأقصى عُدواناً وسعياً جُنونيّاً (جُنُون الرّغبة القاتلة) إلى نَفي الآخَر، وكأن يستقوي الوهن بوهنه مُتَحَدِّياً الموت، مثل كائن ضعيف قادرٍ على مُغالبة وهنه، فيقهر بذلك القويَّ مُستعيناً بديمومة الزمن و مداومَته على الفعْل بالمُقاوَمة ومُراهنته على الاستمرار في البقاء إلى لحظة الوصول الأخيرة حيث بالإمكان تغيير موازين القُوى وتحقيق النصر، كسبّاقٍ بارع عنيد يُتْقِنُ فَنَّ تصريف قُوّته بكامِل المسافة ليضمنَ الوصول إلى حيث مُبْتَغاه الأخير.
-8-
بالموت، إذَن، يُمكن للحياة أن تكتسِب معنى، لأنّ أُفُق المعنى بالحياة هو الموت أيضا. لقد أدرك الشاعر جوهر هذه الحقيقة حينما خاض تجربة المرَض وأقام في موقع مخصوص نادر عند أقصى الحياة:
"صباح الخميس الماضي أعلَمَتْني المُمرّضة
التي بامتعاضٍ أجْرَتْ على أنفي اختباراً سريعاً
أنَّ جُيوشَ كوفيد التاسع عَشَر قد غزَت جَسَدي
وانتهى الأمْر.." (ص87).
فالموت، هنا، ليس الهلاك، وإنّما هو من الحياة وإليها، إذْ لا يطفو معناه على السطح في دفق الحياة المعتادة، بل ينكشف بوعي حادّ عند مُقارَبَة لحظة الصِفر حيث انتفاء الوُجُود تماما، وآنَ انتقال الكائن- الإنسان إلى العدم المحض.
فَبَيْن العدم المحض والنفي السالب وُجوداً ينكشف بعضٌ من دلالة ما بين الموت والهلاك. وإذا قصيدة "غداً نغتسل من رائحتك بالشمس والبحر" تجربة خاصّة عاشها هادي دانيال وأرّخَ لها بخالص إنّيّته (06/07/2022)، وبعدَدٍ من التفاصيل تدليلاً على مكان (البيت) وأحداث، كالعزْلة الاضطراريّة منذ اكتشاف إصابته بالكورونا، ورعاية "الحبيبة" له، وانشغاله بالكِتابة والقِراءة، واستماعه للموسيقى.
ولتجربة المَرَض المذكورة أهميّة خاصّة في وعي الشاعر، بأنْ فتحت بصيرته على حقيقة الوجود ذاته بمخصوص الإنّيّة (إنِّيَّته) التي أدرَكَت بالحِسّ والحدس معنى أن يهلكَ الإنسانُ بَعْدَ مَوْت، أي عند تفاقُم إحساسه بالموت حياةً، كتمييز موريس بلانشو(Mourice Blanchot) بين دلالتَيْ اللفظَيْن: الموت بالحياة، والهلاك بانقطاعها.
-9-
لقد مَثَّلَتْ تجربةُ المَرَض الواردة اعتراضاً دلاليّاً في مسار قصائد المجموعة، وِقْفَةً مؤقّتة استثنائيّة للذاهب بعيداً في طريق الحياة، الرافض للاستكانة، فكان العَوْد إلى الوجود بين عَزْفٍ وَنَزْف، إذْ للموسيقى حضورها الدّالّ المرجعيّ الناتج عن الاستِماع، أيّامَ المَرَض، رُبّما.
لكنّ "القيثار" وذكرى "لوركا" و"فرانكو" القاتل وأصابع "شام" العازفة، ودلالة الدم النازف ترسم من جديد صورةَ العالَم الجريح وشقاءَ الكائن الإنسان بالسجّان والسجين، وبالقاتل والقتيل، أو بالقاتل يُسرّع هلاكه باغتيال الآخَر.
هو الخدَر، الانتشاء في قصيدة "الصداع بكأس الظهيرة" بالصعود استيهاماً "إلى أعلى الجبل، والنزول إلى الميناء، وغابات الصنوبر والينابيع والماء الأجاج وآخر الصحراء، والمطر المُضاء بالنيون، والكوخ، والشجرة العارية الأغصان، والشمس تنزلق خلف البحر، يلي ذلك ليلٌ وجسَدُ امرأة مَخفيّ عدا نهدها العاري..": خَدَر لا كأيّ خَدَر، وانتشاء لا كأيّ انتشاء في لحظةِ حلمِ يقظةٍ جميل أو هذيان حُمّى وصداع ناتج عن "كأس الظهيرة".
كذا يمضي الشاعرُ في كتابة حالاته النادرة، كالمرَض سابقاً، والانتشاء لحظةَ "صداع الظهيرة"، وكالنفي في قصيدة "دَمُنا في كؤوسنا" يذهب بعيداً في أداء عدميّته بالمزيد من الإلغاء: "لا عِلمَ لِي...لا نَجْمَ لِي...لا يَدَ لِي...لا فَمَ لِي...لا قلبَ لِي...لا نبضَ...لا وقتَ...". فهذا النّفي المُكثَّف المُتكرِّر يشي بحال الشاعر، وقد انتهى به وعيُهُ الشقيُّ الحادّ إلى اللا شيء تقريبا، بذابل وثوق لا أدري، عند الإغفاء ورؤية القبر الخاطفة "يفتح شدقيه" ثُمَّ "ينغلق مؤقتاً" والمكان حانٌ ب"رفوف وقوارير وكؤوس..."، ليحيا الشاعر بذلك لحظة انتشاء مُوجِع لِما يتراءى له في الأثناء من عَدَم وألَم وَنَدَم...
-10-
يزدحِمُ عالَمُ الشاعر بالهواجس والكوابيس والأوهام والأحلام والرغبات التي عادةً ما تصطدم بوقائع شديدة وتنقطع، وبالتهيُّؤات والآمال والآلام، فتُوغِلُ الكِتابةُ في اللا وثوق بضُرُوبٍ شَتّى من النفي، ولا ملاذَ لها في زمنيّةِ القصيدة المصطدمة بواقع الاستحالة عدا حُلم الكِتابة بالموسيقى، وبالمُشْتَرَك أداءً بالعَزْفِ والنّزْفِ، أو الاستماع إلى العزف النازف والتفاعُل معه بنزْفٍ عازِفٍ شِعْراً، وبالأبعد من السماع أو بالمُتشكِّلِ في عميق الدّاخِلِ الجوانيِّ استلهاماً، كالاستلهام من "فاغنر" بلا "بيانو" للإقامة إحساساً بالقريب من الموت، وهي حال نادرة في لحظة استثنائيّة خاطفة عارضة يحياها جميع البشر، ويحرص الفلاسفة والمُبدِعون بمختلف الفنون على تثبيتها فكراً أو تسكينها فعْلاً إبداعيّاً، وهي في المُحَصَّل حال- لحظة نادرة، كأقصى اللذّة حِسّاً، وكفرْط الانتشاء روحاً، وكإدراكِ أقصى وعي الموت، ولا هلاك بَعْدُ:
"حياءً سأدخلُ قبري
وأجعَلُ مِن كَفَنِي شاشةَ الذاكرهْ
لسْتُ ميتاً، ولكنّني خَجِلٌ مِن مرايا الوُجود" (ص109).
هي الإقامة، إذَنْ، على التّخُوم، بدلالة الأقصى حياةً، كما أسْلَفْنا، وبأقصى وعي الموت حياةً كذلك.
إنّ فائقَ الإحساس بالموت في هذه المجموعة الشعريّة هو المُحَفِّز الأوّل على الكتابة، حسب تقديرنا. وبهذا الإدراك المستفَزّ بالموت المؤجَّل الوشيك يتبدّى لنا إبدال حادث في وعي كتابة القصيدة لدى هادي دانيال، وقد تتبّعْنا مسارَ تحوّلاتها العام منذ أوّل نصّ وإلى هذه النصوص. وجديدُ هذا الطور حيث تتنزّل مجموعة "كأوركسترا ينتف المايسترو أجنحتها" هو، كما أسْلَفْنا، استقدام الموسيقى إلى الشِّعْر، وذلك بالمعزوفات المُسْتَمَع إليها، وَبِسِيَرِ عَدَدٍ من الموسيقيِّين العالَمِيِّين، كما لسيمياء الأداء التشكيلي حضورُهُ أيضاً حيثما تتراجَع بلاغة الحرف قليلاً أو كثيراً لِتُفْسِحَ المجال لبلاغة الصورة المشهديّة التي بالإمكان تَمَثُّلُها لوحةً سِرياليّة أو انطباعيّة بباذخ الخطوط والمُنحنيات والطيّات. وإذا الكتابة الشعريّة بهذا المزْج المرجعيّ بين عَدَد من الفنون براديغمات مختلفة تؤالف بين فائض القول والبوح وعميم التشكُّلات المشهديّة الطّيفيّة ومحاولات تجسيد الألحان سماعاً حينيّاً مباشراً واسترجاعاً بذاكرة دامية وتاريخ تراجيدي غارق في السواد والدّمويّة.
-11-
إنّه مَوت الشاعر المؤجّل كما يراه فرديّا في مَواطِن، وغيريّاً لا يقطع مع إنّيّةِ الشاعر في مَواطِن أخرى، كالموت الرّمزيّ، مَوت الآخَر/الآخَرين بدلالة النّضال الفلسطيني، كالمتَضَمَّن في قصيدة "ظهور فدوى طوقان بانفلاق صخرة في عيبال"، كأن تحضر ذكرى استشهاد المناضل الفلسطيني إبراهيم النابلسي واسترجاع رمزيّة الشاعرة "فدوى طوقان"، ونابلس المكان الرّمزيّ الذي أنشأ كُلّاً من الشاعرة والمناضل شهيد المقاومة الفلسطينيّة، وإذا نابلس أيقونة خاصّة تختصر بكثافة ملحمة النضال الفلسطيني. وإذا وَعي الموت يتغيّر مِن حالٍ مبهَمة تشي بالكثير من القلق المُوجِع حينما أدركت إنّيّة الشاعر خَطَرَه الدّاهم بخوض تجربة المَرَض، وعند الإحساس الحادّ بخواء الوجود، إلى حال من المعلوم المجهول أو المجهول المعلوم، لحظة التصريح بخيبة الأمل:
"مَن يُفكِّر مثلي
بالدِّماءِ التي ذَهَبَتْ عَبَثاً
بالشّعارات تُشرى إلى هذه اللحظة العبثيّةِ
بالدَّمِ، مَن؟
بالوُجودِ الذي يُشبِهُ الزّوْرَقَ الوَرَقِيَّ رَسَمْنا عليهِ
استغاثاتنا
وحلمْنا بأنّه مركبُ نُوحٍ دَخَلْناهُ نَهزأُ مِن
فيضان العَدَم" (ص121).
كذا الموصوف الشِّعري: وَطَنٌ مُدَمَّرٌ وَشَعْبٌ مُعَذَّبٌ، وَخَيْبَةُ أمَل، وعَدَم أو خواء مُستبدّ، واستعانةٌ بالكأس والموسيقى اتخذت لها استعارات لحظة، بل لحظات الكتابة، بكثيف دلالات النفي، العَدَم، المَوت إلى حدّ الهلاك المؤجّل بمدلول الزّمَن القادِم:
"الأوركسترا
هياكل عظميّة (بين أضلُعِها رَماد الكمنجات وعلى جماجمِها آثار ضربات البداية)؟" (ص133).
-12-
آخر العزْف أو آخر النّزْف هو سمفونيّة الحياة "على طريق العَدَم": "لا عصافير في الصحراء". وكذا آخر المشهد فهو خراب مستفحِل "بريش دامٍ في قفص من قُضبان المايسترو المفقود" (ص133)، وآخِرُ المشهد الموصوف هلاكٌ عميم، والمُتَبَقِّي منه "هياكِل عظميّة، ورماد الكمنجات، وآثار ضربات البداية، وكمين غَرَقٍ محتوم..."، وبعض من صُورة عبثيّة لِوُجود هالك:
" أقدامنا تحثّ الخُطى على طريق العَدَم المَزْهُوِّ
بجنرالاتِهِ الذين ازدَحَمَت ياقاتُهُم المُنَشّاةُ
بأوسِمَةٍ مِن عظامِ العصافير
العصافير التي غَدَرَتْ بها واحاتُ الصحراء" (ص134).
فَلَنا أن نجزمَ أخيراً بأنّ قصائد " ينتف المايسترو أجنحتَها كأوركسترا " تُمَثِّلُ لوناً جديداً مُسْتَحْدَثاً مِن كتابة القصيدة بروح هادي دانيال، لوناً مُتفرّداً مُختلفاً عن سابِقِهِ، لوناً يُعيدُ للحظةِ ألَقَها، وللحظة بمخصوص وجودنا الرّاهن، لِتَنْفَتِحَ إنّيّةُ الشاعر على تراجيديا العالَم، عالمنا اليوم، هذا الذبيح الجريح المُستباح بأعنَف حالات القَتْل واقِعاً ومَجازاً. ولأنّها اللحظة (لحظة الشاعر، ولحظة الجميع) حابسة حبيسة هالكة مُهلِكة استهلاكيّة فقد تَوَسَّلَ ذكاءُ الشاعر الخِبْريّ، بَعْدَ تجربة طويلة مِن إنشاء القصيدة، بلغة أخرى غير اللغة، وبمجاز أبعَد مِن مجاز اللسان، هو الموسيقى التي هي لغة انجِراح العالَم منذ الأزَل ليتماهى لوغوس الكلمة ومُتَمَثَّل اللحن (النّغَم) شِعْراً.
لقد أمْكَنَ للشاعر بالعَزْفِ النّازِف والنّزْفِ العازِف شِعراً مُقارَبَةَ لحظتِهِ/ لحظاتِهِ النُّقْصانيّة، مثلما تفَطَّنَ لِمَعنى الهشاشة وأدرَكَ "فَنَّها"، أي أدركَ مَعْنى أن يموت الإنسان قبْل أن يموت (أن يهلكَ)، بفائض الرغبة، رغبته في الحياة، ويتحدّى العَدَم وُجُوداً مُتبَقِّياً، وبالانتشاء، أقصى حالاته، بما يصل ولا يُفارِق بين الحياةِ والشِّعْر.