كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن وديع والزمن اليباب

جهاد عطا نعيسة- فينكس:

هل أحدثكم عن وديع ...؟
وديع جرجي ابراهيم؛ الرفيق والصديق والمبدع والإنسان... وديع الطالب المتفوق الذي انتزعه الزمن الكافر من مقعد الدرس الجامعي في سنته الدراسية الأخيرة، وألقى يه محروماً منه، ومن حقوقٍ كثيرةً أخرى، تسعة عشر عاماً متتالية؛ أربعةً منها "تحت الأرض" مطارَداً بين اللاذقية ودمشق:
"يا لَفيءٍ مُضمَرٍ
يبحث عن بيتٍ ضئيلٍ
بين شمسين
وعن وجهٍ فضاءٍ
بين سورَين
وعنْ...
تاهت ورودٌ
لم تجد درباً لتُمضي
ليلة العيدِ بقلبي".
وخمسةَ عشرَ منها، خلف القضبان.
وديع الشاعر والقاص المبدع، الذي عُرِفَت أماسيه الشعرية في سبعينيات جامعة تشرين بحضورها الكثيف غير المسبوق، الذي كانت تغصُّ به مقاعدُ قاعاتِ تلك الأمسيات وممراتها ومداخلها، ذلك الحضور الكثيف اللافت الذي ما كان له أن يكون؛ لولا ذلك اليقين الأكيد بمصداقية الشاعر، ومصداقية قضيته، ومصداقية شِعرِهِ. ومن ينسى تلك الأمسية التي كتب فيها وديع قصيدته على الوجه الخلفي لمنشورٍ للمقاومة الفلسطينية، يعرض صورةَ شاب فلسطيني يحضن طفلاً أنقذه من حريق يتأجج في خلفية الصورة.. الصورة التي كانت تواجه الحضورَ طيلة إلقاء وديع لقصيدته، فتُلهِبُ الوحدةُ الرمزية الأصيلة بين الصورة والقصيدة والشاعر الأكفَّ والقلوبَ في آنٍ معاً، وتُشعِلُ القاعةَ تأييداً وحماسة وتصفيقاً، في زمن المنابر الجوفاء وصخب جعجعتها، الذي يصمُّ الآذان ،بلا طَحنٍ ولا معنىً.
وديع الشاعر الذي كتب خلف القضيان قصيدته "الفريسة" التي لم تكتمل حينها ولم تكتمل لاحقاً، على الرغم من صفحاتها الإحدى والأربعين ذات القطع الصغير، القصيدة التي تلاحق وتروي تاريخاً وتجربةً نضاليةً خاصة وعامة لصاحبها، ولكل أصحاب الضمائر الحية من عشاق الوطن والعدالة والحرية، منذ التمامهم بذرةً في رحم أمهاتهم، حتى مواجهتم الشرطَ المتعسف في عالم ثالثي لا يزال خارج َالتاريخ والمنطق البشري.
"يدخل النوم إلى بطن امرأة
يدخل النوم كليلاً
ليس لي عينان
ملموماً كبذرة"
القصيدة التي تروي حكايتنا جميعاً.. حكاية َكدحٍ يومي، وتكافلٍ أسري، وحنان أمومي مقهور، وعشقٍ متاحٍ أو مستحيل، وتشّرد مرير، وسجن شبه مزمن في أحلى سنوات العمر، القصيدة التي كان يتم تداولها بين مهاجع الجناح الجنوبي العُلْوي للسجن، لكأنها نداءً الحرية وتعويذتهُا وشهادتُها الدامغة ضد الزمن اليباب؛ وكلِّ أقانيمه.الجائرة في العالم:
"دَرَجي قد داخ من دارٍ إلى دار".. "ليتني يوماً أعود.. أرتمي بين ذراعَين على الباب/ وأبكي"...
"وتمزَّقتُ/ وأمي تلبس الأشواق دوماً/ كي تُغَطّي ثوبَها البالي".. "ولأجلي تتماهى بالألق/ تشربُ الظُّهْرَ وتعطيني الشفقْ"..
"ولأجلي لا تنامْ/ تُتلِفُ الصمتَ لتعطيني الكلامْ"
"كانت الأرض بلا ثوبٍ../ سوانا/ هل تُرانا نتركُ الأرضَ بلا ثوبٍ ونغفلْ..؟".
"وانهدمنا لنعيدَ القلبَ للنبضِ
انهدمنا لنعيد الماء للضحك وللموجِ
انهدمنا لنسيلْ
وانتظمنا ورقاً للشجر العاري
وطولاً للنخيلْ
وعزاءً للحَزانى
ورياحاً لغبار الطلْعِ
نتلو العيشَ من جيلٍ لجيلْ".
وديع القاص ذو التفاصيل والنبرة السردية الآسرة ،الذي كتب خلف القضبان أيضاً، قصته"السيخ"، يستعيد فيها انبهارات طفلٍ أمام كل ما يشاهده من مرئيات عالم المدينة؛ في مسارِ تجوالٍ يومٍ واحدٍ طويل في شوارعها، يومٍ ينتهي بخيبةٍ تضاهي الفجيعة، وهو يكاد لا يصدِّق قسوةَ عالم الكبار وهم يغرزون بوحشية سيخاً قاتلاً في جسدِ فأرٍ صغير أعزل حَسِبَ في البدء أنهم كانوا يلاعبونه، إذ أوقعوه في الفخ.. هذه القصة التي تجترح جديداً لافتاً في البناء واللغةً القصصية؛ يخرج فيه وديع جملةً وتفصيلاً على إغواء اللغة الشعرية؛ وهو شاعر التفعيلة المتمكن، وعلى كثير من الأعراف والتقاليد القارّة للسرد القصصي القصير، منذ معطف "غوغول" وأعمال "تشيخوف" الكثيرة المؤسِّسَة لخصائص هذا الفن السردي المكثَّفِ ِ ومُحكَمِ البناء، حتى أعمال سميرة عزّام وعبد الله عبد وحسن حميد المعاصِرَة ( نُشِرَت القصة لاحقاً- بعد اثني عشر عاماً من كتابتها (1986)م، بعد نيل وديع حريته- في ال"سفير الثقافي", العدد 7933 / 27 شباط 1998م، وكنتُ كتبتُ حينها دراسةُ مستفيضة عنها بعنوان: "السيخ.. مغامرة البحث عن معيار جديد". وإني لَيأخذني العجب الآن من الغفلة التي وقعتُ فيها؛ حين غفلتُ عن إدراجها في الفصل الثاني المَعني بالقصة القصيرة وقضاياها وبعض رموزها العربية المضيئة من كتابي الأخير، وهو ما سأتداركه لاحقاً بإذن الله، إن بقي في العمر عمر.
وديع العلامة الإنسانية المضيئة في عتمة عوالم "المزَّة" و"صيدنايا" الخانقة..ووديع الرمزُ الإيثاري وطاقةُ العطاء التي لاتنضب، بما كان يقدمه من حضورٍ مادي ومعنوي داعمٍ وُمُواسٍ فيها لكل ذي حاجة إليه، ومن حضورٍ أثيري متواضع في جملة علاقاته داخل المهاجع وخارجها، وقدرةٍ على الفوز بحب الجميع واحترام الجميع.. وديع إبراهيم ذو "البيجاما" الكحلية الحائلة، التي لست أذكر أنه استبدل بها سواها طيلةَ فترة إقامتنا في "المزَّة" أو "صيدنايا" (ذهابُ اللون لم يكن مشكلةً في عُرفِ وديع، ما دامت خيوط نسيج "بيجامته" لا تزال صامدة في وجه الزمن).. كل "البيجامات" الجديدة التي كانت تصله قي إقامته السجنية شبه المزمنة كانت تعرف طريقها، بغير تردد، إلى سواه ممن كان يرى أنهم أشدُّ حاجةً إليها منه.
هو غيضٌ من فيض، أو هي خطراتٌ من تاريخٍ طويلٍ ليس يتسع المقامْ لمزيدٍ من التفصيل فيه، لكن ماذا عن وديع الزمن الحاضر، زمنِ تمامِ اليباب واكتمالِ أدواته ورجاله وجلاوزته والساعين فيه وإليه..؟ وديع الذي يسابق الزمن َاللدودَ ويتحداه لانتزاع لقمته الكفاف؛ إذ لاوقت للراحة حتى في أيام العطل الأسبوعية والأعياد ...
قامةٌ ناحلة.. خطىً متسارعة.. ووجهٌ يقطر طيبة وسماحة، على الرغم من عمق أساه.. ولا وقتَ.. . لا وقت أبداً يا أصدقاء للقاءٍ طويل.. فسامحوني...
دائماً على عجلة من أمره، باتجاهِ حصة ِتدريس رياضيات أو فيزياء خاصَّة، أو هو عائدٌ منها ، باتجاه منزلٍ آخر وحصّة خاصَّة أخرى.. أما آن لهذا الفارس أن يرتاحَ مثل خلق الله جميعاً، من وعثاء رحلةِ كدحٍ وشقاء أبديين...؟!
إنه طِرادُ اللقمة المتجبرة العصِيَّة في الزمن الكافر ودروبه المقفرة؛ الزمن لذي لم يعد من مُتَّسَعٍ فيه لوديع أو لأمثاله، كي يقولوا قولهم شعراً أو نثراً, او يمارسوا فناً في أي حقلٍ كان، أو أن يتابعوا تحصيلاً جامعياً أو سواه.. وآخ يا وديع..
يا وديعنا النقي النبيل الطيب المغدور...! 
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني