ذاكرة البياض.. تحية إلى روح الصديقة منيرة محمد
2023.01.13
سلوى عباس
في صباح أيلولي من عام 1980، غادرت مدينتي التي احتضنت خطواتي الأولى في الحياة في زيارة إلى مدينة دمشق برفقة قريبتي د.منيرة محمد التي جمعتني بها صداقة ومودة منذ الصغر، وكانت منيرة حينها تتابع دراستها في جامعة دمشق قسم الفلسفة، وكانت هي بوصلتي في تلك المدينة المترامية الأطراف، عرّفتني على الكثير من معالمها وتفاصيلها، وأنا مدينة لها بكل خطوة خطوتها في ذلك الوقت، حيث كنت لا أزال أعيش هواجس تلك الطفلة التي تنام وراء الحلم جاهلة في الحياة حقيقتها المخاتلة، زوادتي تعاليم أمي التي كانت تسربها لي عبر حكايات ما قبل النوم، ومر الزمن وكبرت هذه الطفلة واختلفت الحياة بالنسبة لها، واستبدلت جواز سفرها الطفولي بآخر مليء بالآمال والطموحات، ومنذ اللحظة الأولى التي ترافقنا فيها، أنا ومنيرة، لم يتخلل علاقتنا أي زعل وكثيراً ما كنت أشكي لها عن قلقي وتعبي من ظروف عدم إكمال دراستي، فكانت تمازحني قائلة: “الفتاة الجميلة لا تخيفها الأيام”، ظناً منها أنها تخفف عني بعض التعب، حيث كانت تعتبره جواز سفري الأهم كما هو لأي فتاة في عمري.
كانت منيرة، كما كل الفتيات أيضاً، تحلم بشريك تتوجه أميراً على عرش قلبها، تبني معه أسرة بمستوى أمنياتها وطموحاتها وأحلامها التي رافقتها وكان لها ما تمنت، إذ التقت برفيق دربها الذي سكنت روحها إليه وشكلت معه أسرة جميلة وناجحة في الحياة، كما تابعت دراستها التي كانت هدفها الأول، وأنا أكثر الناس اطلاعاً على تصميمها لتحقيق هدفها بالحصول على شهادة الدكتوراه والجهود الحثيثة التي بذلتها لتحقيق هذا الحلم، ولتتبوأ بعد نيلها الدكتوراه مكانها في جامعة دمشق، أستاذة لها حضورها وتأثيرها بين زملائها وطلابها الذين كانت لهم أماً وصديقة ومرشدة تدلهم على الطريق الصحيح، وبعد ذلك، أخذتنا الحياة في مساربها المتعرجة ولم نعد نلتقي، لكننا كنا نترقب أخبار بعضنا بين حين وآخر، ليأتي الفضاء الأزرق ويعيد لنا تواصلنا.
حضرت هذه الذكريات في خاطري اليوم وأنا أعيش مرارة فقد صديقتي ورفيقة الأيام الجميلة، د. منيرة، التي لملمت أوراقها وذكرياتها منذ أيام ورحلت إلى عالم قد يكون أرحب وأكثر سلاماً وأماناً من عالمنا المليء بالقسوة والألم.. منيرة، تلك الإنسانة التي حملت بقلبها وروحها كل طيبة الريف ونقائه، كانت نبيلة ووفية لنفسها وأسرتها وزملائها وطلابها، لم تخذل يوماً أحداً إلا في رحيلها المفاجئ والمباغت، حيث كما في كل مرة، حضر الموت بكل قسوته، ليتركنا موزعين بين وجع أرواحنا، وبين خطونا المتعثّر في الدروب، لا ندري كم من الأزمان ستحتمل قلوبنا هذا الحزن والألم على رحيل ما زلنا نعيشه مكسوري القلب، نسافر إلى المدى المفتوح على الفقد الذي ما انفكّ ينثر رمادَه على أرواحنا، وصار هو الأقوى.
يبدو أنّ الحياة هكذا، كما جمعتنا وشكّلتنا أهلاً وأصدقاء وأحبة، تفرّقنا لنرى أنفسنا على مفترق الغياب، فمن يلّم هذه المشاعر التي أطبقت على الأفق، وهذه الاشتياقات التي تضيء السماء، ووسط مشاعر وأحاسيس الألم التي تعاند اللحظة، أقول لك ياأم عمار أربكني كثيراً أن يكون اتصالي الأول بأبي عمار لأعزيه بفقدك، فقد استعجلت الغياب لأن الحياة كانت تليق بك، فسلام لروحك الطيبة وأنت تعانقين بياض النقاء.