كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

صيف عام 1939

سامي مروان مبيّض
فى سنة 1939، زار ملك العراق فيصل الثانى لبنان، وهو فى الرابعة من عمره، لقضاء إجازة صيف مع أمّه الملكة عالية بنت علي. كان ذلك بعد أشهر معدودة على وفاة أبيه الملك غازي بحادث سير. جاءهم الأمير عادل أرسلان، مستشار جدّه الملك فيصل الأول فوجد فيصل الصغير يلعب فى حديقة الفيلا. كان فيصل… مثله مثل كل الأطفال… يحب الأسئلة كثيراً فنظر إلى الضيف اللبنانى وسأله ببراءة: "من أنت؟"
أجابه الأمير عادل: "أنا عادل أرسلان صديق جدّك."
- ولماذا أنت هنا؟
- لأطمئن على صحة جلالتكم.
- ليش لابس طربوش؟
- لأحمى رأسى من الحر....
هنا طلب منه الملك أن يخلع الطربوش، ففعل.الملك فيصل الثاني طفلا ابن 4 سنوات 1939
- وليش شعرك أبيض؟
-لأسباب كثيرة يا مولاي‪.
لم يستفيض الأمير عادل أكثر من ذلك، ولم يشرح للملك الصغير سبب الشيب الذى غطى رأسه. فيصل نفسه لم يعرف الشيب فى حياته القصيرة، فقد قتل وهو فى الثالثة والعشرين من عمره، مع بقية أفراد الأسرة الهاشمية الحاكمة فى العراق سنة 1958. لو عاش لكان بلغ السابعة والثمانين من عمره اليوم، ولكان شاب فعلاً وهرم... أمام ما تمر به بلاده من مصائب اليوم.
فمدينة بغداد التى ولد فيها فيصل الثاني ومات...تستيقظ على أصوات المولدات وتغدو على أزيز الرصاص. وكذلك قصر نقولا بسترس فى مدينة عاليه اللبنانية الذى كان يقضى فيه الملك الطفل إجازة صيف عام 1939… هو ايضاً مُظلم وكئيب، لا يدخله إلا نور القمر، مثله مثل جميع دور لبنان وسورية التى تعانى انقطاعا كبيراً فى الكهرباء.
***
فى أحد مواويل الفنان العراقى الراحل ناظم الغزالى ترد عبارة شهيرة: "عيّرتنى بالشيب وهو وقار... ليتها عيرتنى بما هو عار." فى زمن مضي، كان الشيب فعلاً رمزاً للوقار والرجولة والحكمة، ولكنه أصبح اليوم يرمز إلى حياة قاسية مليئة بالمتاعب والتحديات فى كل من بغداد وبيروت و دمشق… تحديات لا تشبه هذا الزمان وتصلح أن تكون من مشاكل العصور الوسطي.
أولى هذه المدن التى نعمت بالكهرباء كانت مدينة دمشق، التى يعود نور الكوران فيها، كما كان الدمشقيون يسمونه، إلى سنة 1907. أنير الجامع الأموى أولاً، ومن ثمّ السراى الكبير فى ساحة المرجة، ومن بعده كلية الطب فى حيّ البرامكة.
ولكن الدولة العثمانية قطعت التيار الكهربائى عن دمشق فى نهاية عام 1917، لعجزها عن تمويل الطاقة، وعادت المدينة إلى الشموع، ليُعاد إنارتها بالكامل فى عهد الملك فيصل الأول، جد الملك فيصل الثانى.
وبعد دمشق كانت بيروت، التى حصلت على أول امتياز كهرباء فى زمن العثمانيين أيضاً سنة 1906 وسيّرت الترامواى فى شوارعها بعد نصب أعمدة الكهرباء سنة 1909. فكانت إنارة السراى الكبير أولاً، ومن ثم جامعة بيروت الأمريكية فى منطقة رأس بيروت التى قامت مؤخراً بإطفاء التكيّيف المركزى داخل القاعات العلمية وفى السكن الطلابي، بسبب شح مادة الفيول.
أمّا بغداد فقد تأخرت قليلاً عن شقيقتيها ولم يُمنح فيها أول امتياز كهرباء حتى سنة 1912، وكان للمستثمر العراقى محمود بك حلبى الشابندر. ولكنه لم يتمكن من إكمال مشروعه بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى فانتظر البغداديون حتى سنة 1917 لينعموا بنور الكهرباء. أول ما أُنير فى بغداد كان شارع الرشيد الأشهر بين شوارع المدينة، تلاه السراى الحكومى ثم المستشفيات فى باب المعظم، وأخيراً المعسكرات فى كرّادة مريم.
وكان أهالى دمشق وبغداد وبيروت قد أطلقوا إضراباً شاملاً ضد شركات الكهرباء فى مدنهم سنة 1931، احتجاجاً على زيادة التعرفة الناتجة عن الأزمة الاقتصادية العالمية (الكساد الكبير سنة 1929). قاطع الدمشقيون والبغداديون والبيارتة هذه الشركات، البلجيكية -الفرنسية فى سوريا ولبنان والبريطانية فى العراق، وعادوا طوعاً إلى مصابيح الكاز، كما قاطعوا الترامواى العامل على الكهرباء وأضرموا النار فى قافلاته، وصاروا يستقلون الدواب لقضاء حاجاتهم اليومية. تعرضت شركات الكهرباء هذه إلى خسائر فادحة، أجبرتها على تخفيض التعريفة بقيمة فلسين فى العراق وقرش واحد فى كل من سورية ولبنان.
لو عرفوا أن أحفادهم سيعيشون فى ظلام، لربما ما فعلوا...

*نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 18 آب 2021.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني