باريس- الحلقة3
2022.10.30
علي بدر- فينكس
خرجنا جينيفر وأنا من الفندق، فندق جورج الخامس متجهين إلى شارع الشانزليزية. فندق جورج الخامس كان قصراً بناه رجل الاعمال الاميركي جويل هيلمان في العام 1928، صممه أندريه تريل المعماري ذاته الذي صمم كازينوهات قمار باريس ومطعم دوفين. لكن هيلمان باعه عشية الخميس الأسود، يوم انهارت البورصة في نيويورك، أي بداية الكساد العظيم الذي كتب عنه آرثر ملر مسرحيته الشهيرة الساعة الأميركية.
في هذا الفندق الباريسي سكن فريق البيتلز في الستينيات، وفيه كتب بول مكارتني أغنيته الشهيرة أولمبيا. في هذا الفندق دارت أحداث رواية جورج سيمنون البوليسية رحلة ماغريت حيث تم العثور على العقيد ديفيد وارد غارقًا في حوض الاستحمام. لكونه شخصاً مهماً في عالم المال، يطلب مدير الأمن من المحقق أن يذهب فورًا إلى مكان المأساة ويكتشف من خلال الآثار التي تركت على أكتاف الجثة نوع الجريمة. وفي فندق جورج الخامس حاولت الكونتيسة بالميري الانتحار.
وضعت جينيفر إيشاربا على رأسها من البرد.. وسرنا على طول شارع الشانزليزية. هذا الشارع العظيم الذي يحوي اليوم أكبر متاجر الموضة والعطور كان شارعا بائسا خطرا. كان مخبئاً للعصابات والقتلة وقطاع الطرق إلى أن شيد نابليون قوس النصر، فسارت به المواكب العسكرية وعمته المصابيح الكهربائية، كتبت بولين ماكلين زوجة همنغواي أجمل الصفحات عن الشارع، أيام غادرت نيويورك مع همنغواي وسكنا في المونمارتر.

قالت جينيفر أن لافوازية عالم الكيمياء المشهور هو الذي أضاء باريس.
وصلنا ساحة الكونكورد، على الضفة الشرقية من شارع الشانزليزية. كانت تسمى أيام الثورة الفرنسية ساحة الثورة. هذه الساحة شيدت من أجل نصب تمثال للملك لويس الخامس عشر، هدم التمثال أثناء الثورة الفرنسية وأخذه الثوار للمصهر، وارتفع مكانه تمثال الحرية، رفعه الثوار: رجل بقبعة حمراء ورمح. لم ينصب الثوار تمثال الحرية فقط في ساحة الثورة إنما نصبوا معه المقصلة.
في هذه المقصلة قطعوا رأس لافوازيه الذي أنار باريس.
قال المحامي للحاكم "سيدي الحاكم ان قتل لافوازيه سيستغرق بضعة دقائق، لكن فرنسا لن تحصل على شخص مثله بعد مئة عام"
قال له الحاكم "الثورة ليست بحاجة إلى عباقرة، الثورة بحاجة إلى عدالة وليس إلى علماء"
نقطة سوداء في جبين العدالة الفرنسية.
في هذه الساحة قطع رأس الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت على المقصلة.
كان خطاب سان جوست واضحا، قدم جميع الأدلة لقتل الملك، لم يكن يريد قتل الملك وحده إنما قتل مشيئته.
سان جوست هو المسؤول عن وفاة لويس السادس عشر. من الواضح إن الفلاسفة هم الذين قتلوا الملك: يجب أن يموت الملك. قال دانتون الذي لم يكن لديه حتى الأخلاق الحميدة للمحامي: "لا نريد أن ندين الملك. نريد قتله".
علق ألبير كامو مرة في أحد كتبه على هذه الواقعة: "إذا تم إنكار الله، إذن يجب أن يموت الملك".
نوع من العدم الماورائي. الثورة نقاء، عليها أن تطيح بأكبر عدد ممكن من الرؤوس وأولها الملك. حين رأى الملك المقصلة انهار لحظتها، اقتادته الايدي الشريرة إلى الذبح وهو يرتجف. ربما محي المشهد، لكن صوت سان جوست بقي واضحا، قرأته في بغداد أول تعلمي للغة الفرنسية قرأته على القاموس كلمة كلمة. كنت أريد أصل إلى الهدم الذي يريده سان جوست، فللثورة كلية تاريخية، لا يريد قتل الملك فقط إنما يريد قتل الآلهة التي وضعته ممثلا لها على الشعب.
هذا المشهد مركزي في الثورة الفرنسية. حشد من الغوغاء يقتحمون فندق de la Marine دولا مارن (يقع الفندق أمام ساحة الكونكورد من جهة الشانزليزية، قبل تأسيس الريفولي) ويستولون على مخزن الأسلحة. وبالمدفعين القديمين المقدمين من ملك سيام هدية للويس السادس عشر قصفوا سجن الباستيل أثناء اقتحامه.
المقصلة ذاتها التي شيدها روبسبير وسان جوست كسيدين من سادة عصر الإرهاب من حزب اليعاقبة، قتلا بها أيضا. وأنا أسير في هذه الساحة في الصباح. أفكر بالمشهد. القتل الثوري أو أي قتل سياسي أيضاً هو في الحقيقة تكملة لجرائم وتشابهات مزيفة، مزيج من النقاء والدم، من اليوتوبيا والرعب. أخطر الشخصيات في التاريخ هي الشخصيات المثالية، الشخصيات التي تبحث عن تاريخ خالص من النقاء والعدل والكرامة.
كما كان يريدها روبسبير، الشاب الذي تصدر باريس، وسط ساحة الثورة، رجل عصر الإرهاب، كان يقول على الثورة أن تكون مثل العاصفة لا مثل نسمة.
أمامه برتران كوينكيه يشحذ خطابه ويستعد للموت بكرامة.
هكذا يتكشف الحفل بروعته وسخافته، فعلى الطريق يكتمل المشهد. في الخلفية سانت جوست بوجهه الأنثوي، كما سماه ميشليه رئيس ملائكة الموت، رجل وسيم يبعث مخالفيه إلى القتل، ثوري متطرف، كان يقول:
لا ينام الثوري إلا في قبر.
هكذا قطع سان جوست رقاب مخالفيه، في مشهد شرير. نصب المقصلة هي بداية سلسلة دائرية، ستتبعه مذابح أخرى، سيذبح ناصبوها بنفس الطريقة. شخصيات مهمة تُعدم دائمًا بالحال ذاته:

الرأس مقطوع ونظيف يوضع بجوار الجثة.
لحظة تاريخية شيدها الأربعة: روبسبير، سان جوست، جان بول مارا، ودانتون. الموت حدث كوني يحتمل كل شيء: الفكاهة والتاريخ والخيال الذي يختلط بالدم والسعادة.
لكن دانتون احتج حينما رأى فظاعة القتل في عصر الإرهاب الذي شيده هو. قال له مارا لن يستقيم الحال حتى نقتل نصف مليون معاد للثورة. اتهموا دانتون بالخيانة، جروه إلى المقصلة، حين صعد إلى السقالة قال غاضباً:
الشيء الوحيد الذي أندم عليه أنني سوف أعدم بالمقصلة قبل الحيوان الذي يُدعى روبسبير.