اللغة العربية والتقدم التكنولوجي
2022.09.19
مروان حبش- فينكس
يقول علامة اللغة العربية الشيخ عبدالله العلايلي: (علّة النهضة في اللغة العربية ليست منها وفيها بل هي علّة الذين يمتلكونها).
اللغة لسان الأمة، ومرآة فكرها، ومنجم عطائها، والملح الرئيس لخصوصيتها، وهي معيار أساسي في المحافظة على الهوية وتجدد الذات.
إن اللغة هي أحد المؤشرات الهامة للهوية التي تساهم في تشكيلها وتعزيزها، والهوية الاجتماعية هي البوصلة للمجتمعات وهي الوعاء الحافظ لحيويتها واستمرارها.
وإن واضعي (ميثاق التنوع الثقافي) في منظمة اليونسكو أكدوا (أن اللغة ليست أداة للإتصال واكتساب المعرفة فحسب، بل إنها مظهر أساسي للهوية الثقافية، ووسيلة لتعزيزها، سواء بالنسبة إلى الفرد أو إلى الجماعة).
ولقد دلت الأدبيات البحثية على إن اللغة والتفكير شي واحد. إذ لا يمكن أن توجد لغة بدون فكر ولا يمكن أن يوجد فكر بدون لغة، و إن كلاهما مكمل للآخر فعندما يحتاج الإنسان إلى اللغة ينبغي أن يستخدم الفكر، وعندما يحتاج إلى الفكر ينبغي أن يعود إلى اللغة. وهنالك من يرى أن اللغة هي المعبره عن الفكر.
إن مفردات اللغة ترمز إلى فكر، وكل لفظة تتضمن فكرة، أو صورة ذهنية ترسخ في العقل عن طريق التجربة والإختبار.
إن اللغة وسيلة للتعبير عن الفكر، ووعاء يحتويه، وهناك تأثر وتأثير بينهما، و وفقاً لمعطيات علم نفس اللغة فإنه لا يمكن وجود فكر بدون لغة في إطار تصور مدركات محددة.
أما في عصر التكنولوجيا، فإن اللغة العربية تواجه تحديات.
دخلت التكنولوجيا الحديثة في هذا القرن الحادي والعشرين، في كل مجال من مجالات الحياة، وتلْعبُ في العالم المتكامل دوراً رئيسياً مع ظهور اتجاهات جديدة، و تزداد الحاجة إلى توفير تعليم تكنولوجيا المعلومات من خلال مؤسسات ذات جودة عالية يوماً بعد يوم.
ولأول مرة في التاريخ البشري غيرت التكنولوجيا الحديثة العالم كله من جذوره و أرومته، وجاءت بمفهومها الجديد للحياة البشرية، ومن الواضح أنه قد تغيرت طريقة الحياة والتعايش وتبدلت العلاقات الإنسانية، وتأثرت الروابط الاجتماعية بسبب هذه التكنولوجيا الحديثة.
و بما أنها ستؤثر حتماً على الحضارة واللغة والأدب، فإن من أهم وأكبر التحديات الرئيسية التي تواجه اللغة العربية وآدابها في القرن الحالي، هو تكيفها وانسجامها وتوافقها مع هذه التكنولوجيا الحديثة.
و إذا كان يقال عن بقاء أي لغة إنها ستبقى على قيد الحياة طالما بقي المتحدثون بها، لكن اليوم في عصر التكنولوجيا الذي نعيش فيه، ينبغي أن يقال عن أن بقاء اللغة مرتبط بالتكنولوجيا.
و فى ظل التطورات الحديثة بدأت اللغة العربية في التراجع عن الصدارة، و اصطدمت على مدى السنين بتحدّيات معاصرة، و صارت متأخرة، ومتخلفة، بتغيّر المقومات الحضارية. لأن مالكيها لم يقوموا باستعمال الاتصالات التعليمية والتكنولوجية الحديثة في الوضع الحالي، بل أهملوا ذلك دون استثمارها، فظهرت بسببها مجموعة من الصعوبات انعكست على واقع اللغة العربية و آدابها.
لقد خطا هذا القرن خطوات واسعة في مجال التقنيات الحديثة، و جاء بضروب من التقنيات النافعة الخلابة، كالبرامج السمعية والبصرية والتلفاز، و برامج القنوات الفضائية، بالإضافة إلى الحاسوب والإنترنت والألعاب التعليمية وما إليها، فلا يمكن لأحد أن يتمشى فيه إلا بسيره السريع المتطور، وطالب هذا العصر لا يتقيد بتقدم مشيه بل يريد أن يصل إلى ذروة التقدم والتطور.
وفي هذه البيئة المتطورة لا يمكن التعايش مع الآخرين إلا باستخدام التكنولوجيات الجديدة للتعليم السريع، وهكذا حال اللغة العربية مع التقدم التكنولوجي الذي أصبح جزءاً أساسياً من حياة كل إنسان في كوكب الأرض، يضطرّنا إلى التفكير في المحافظة على اللغة العربية ودورها في بناء ثقافتنا المعاصرة، ويجعلنا نحرص على دعم كافة الوسائل واستخدامها حتى تساندنا في إبقاء اللغة العربية وثرائها، لأن هذه اللغة تمثل رمز الهوية ووعاء الثقافة، وعنوان تقدم الأمة، كما أسلفت.
يقول الأمريكي «وليم ورل»: إن في اللغة العربية من المرونة ما يمكنها من التكيف وفق مقتضيات هذا العصر، وهى لم تتقهقر فيما مضى أمام أي لغة أخرى من اللغات التي احتكت بها، وستحافظ على كيانها في المستقبل كما حافظت عليه في الماضي..».
كما يرى المستشرق الإيطالي (جويدي): «إن اللغة العربية آية للتعبير عن الأفكار، فَحروفها تميزت بانفرادها بحروف لا توجد في اللغات الأخرى، وأما مفرداتها فتميزت بالمعنى، والاتساع، والتكاثر، والتولد، وبمنطقيتها، ودقة تعبيرها، من حيث الدقة في الدلالة والإيجاز، ودقة التعبير عن المعاني.
إن واجب القائمين على تطوير اللغة، وعلى مجامع الغة العربية وعلى الجامعات في بلدان العرب تأسيس مراكز للبحث والتطوير العلمي والتكنولوجي، وتوطين منحزات التكنولوجيا باللغة العرببة لتبقى لغة حية، وأن يتوجه أي مشروع للنهوض باللغة العربية نحو مجتمع المعرفة الذي يعزز هويتها، وبدون ذلك فان مآلها التراجع لتصبح لغة تراث.
إن ضرورة التعليم ونقل المعارف والعلوم والتكنولوجية باللغة العربية للتأصيل والتكوين، وتكون اللغة الأجنبية إغناء وتمكينا،انطلاقا من أن اللغة بنية معرفية ونظام تفكير ونمط سلوك وتعبير، لذلك هي وسيلة استتباع ثقافي للتماهي بالأمر في المجالات العلمية والمعرفية والتقنية، وبذلك تكون الحدود بين الخصوصية والعمومية متداخلة وتصبح الأمم غير المنتجة للعلم والمعرفة أمام تحدي معرفة ترسيم الحدود بين الأنا والاخر، تفاديا للتهميش والتبعية من جهة، وتفاديا لتنمية التخلف من حهة أخرى،
لهذا فان الإرتباط باللغة الأم هو كينوني/عضوي، إنه ارتباط بالهوية، و يبقى الإرتباط باللغة الأجنبية ارتباطاً وظيفياً لإغناء الهوية.