نداء إلى شباب الأمة التائهين بين الانتماءات المختلفة
2022.08.14
لطفي السومي- فينكس:
لم تقتصر نتائج ما سمي بـ(الربيع العربي) على الدمار الذي لحق بالبشر والحجر والبنية التحتية وفي الصناعة والزراعة وكافة البنى الاقتصادية، بل تعدى ذلك إلى ما هو أخطر وهو تشريد مجاميع هائلة من الشعب، وبصورة خاصة من المواطنين المسيحيين في كافة أرجاء المعمورة ودول الجوار.
ومن جهة ثانية فقد أدى كل ذلك الى ضياع آخر تمثّل في فقدان الهوية.
أصبحنا نسمع ما يؤشر إلى فقدان الهوية القومية وربطها بما أسموه بالعربان للتذكير بدور حكام الخليج وما فعلوه في دعم المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية الغربية على شعوبنا بغية ضرب الانتماء القومي، وكأن العروبة ملك خاص لحكام الخليج. و أصبحنا نسمع الأردن أولاً، ولبنان أولاً، وسورية أولاً، ومصر أولاً… إلى آخر المعزوفة.
أودّ أن أسجل أن لا صدف في مجال الظواهر الحضارية… السياسية والاجتماعية، فلكل منها أسبابها الكامنة في بنية المجتمع، وأنه لا بد من تناولها بالبحث والتحليل.
ظلت منطقة شرق المتوسط متقدمة على كافة مناطق العالم في معظم مراحل التاريخ القديم، من خلال حضارات بلاد ما بين النهرين في الشرق، والحضارة المصرية في الجنوب، وذلك حتى منتصف الألف الأول ق. م. حيث تتالت حضارات السومريين و الآكاديين والعموريين (ومنهم البابليين) ثم الآشوريين والكلدان. ومن جهة أخرى الكنعانيون ومشتقاتهم ومنهم الفنيقيون وفي الجنوب الاسرائيليون (وهم كنعانيون خلافا للخرافة التوراتية) والعمونيون والمؤابيون والأدوميون ثم العموريون والآراميون في بلاد الشام، كما وجدت حضارة تدمر و الأنباط (البتراء)، كما وجدت مملكة الغساسنة العرب في بلاد الشام والذين اعتنقوا المسيحية والمناذرة في العراق أيضاً.
والخلاصة إن أغلبية شعوب المنطقة هم من أرومة واحدة والمسماة (السامية) والتي أفضّل أن أستعمل الجزرية نسبة الى جزيرة العرب، رغم أن بعض النظريات الحديثة تشير إلى أن أصل هذه الشعوب يعود إلى الصحراء الكبرى في شمال افريقيا. ومن ناحية أخرى، فقد وصلت شعوب إلى شمال سورية وشمال العراق كالحثيين والحوريين والميتانيين، في النصف الثاني من الألف الثاني ق. م. كما مرّ على المنطقة كل من الفرس واليونان والرومان والفرنجة والمغول والتتار وغيرهم، إلّا أن المنطقة قد كانت تدمج الشعوب السابقة مع اللاحقة، إلى أن طبعت الهوية العربية المنطقة بطابعها، خاصة و أن شعوب المنطقة في معظمها من جذر واحد هو الجذر الجزري كما أسلفنا مما ساهم في عملية الاندماج التدريجي.
يهمنا ان نؤكد بعد كل هذا، ونحن في آوائل الالفية الثالثة بعد الميلاد، إنه لم يعد هناك مكان للدول الفسيفسائية الصغيرة في عالم الكبار، و إن دولنا كما نرى بوضوح ستظل كل منها تحت هيمنة وحماية دولة إقليمية قوية (تركيا أو اسرائيل أو ايران)، ودولة كبرى (الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين) وذلك الى أن نقيم دولتنا الخاصة بنا ونصبح قوة كبرى متقدمة.
و إننا رغم الزلزال الذي اجتاح المنطقة، فإن علينا أن نعيد النظر في كل المقولات التي زعزعت مجتمعاتنا و أخذتنا إلى ما نحن فيه من هوان وفساد وانهيار لكل قيمنا وانتماءاتنا، متجاوزين معظم المحرمات التي درجنا عليها في معظم المناحي الاجتماعية والدينية والسياسية، ومعظم مناحي الحياة الأخرى، و أن نقيم مجتمع المواطن والقانون والديمقراطية.
إن علينا أن نعمل على إقامة كيان سياسي وحدوي يضم دول شرق المتوسط والجزيرة العربية ودول الشمال الافريقي، أي الوطن العربي، كدولة كبرى ديمقراطية علمانية تأخذ بأسباب التقدم والحضارة وتصبح جزءاً من العصر وتنبذ مقولات التخلف والرجعية والتبعية.
إن المهمة تبدو مستحيلة ولكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، ونحن إما أن ندخل العصر من خلال كل ما أشرنا إليه أو أن نظل فتاتا على موائد الأقوياء، أي إما أن نكون أو لا نكون.