كلمات في د. أحمد عمران الزاوي العالِم والعلَم
أُبي حسن:
ما زلت أتذكّر جيداَ ذاك اليوم الربيعي من عام 2009 عندما قصدت منزل الدكتور أحمد عمران الزاوي في مدينة طرطوس، بغية الطلب منه المشاركة في برنامج كنت أعده لإحدى الفضائيات العربية، ولا أدري بعد هذا اللقاء كيف تعمقت علاقتي به وتوطدت، وفي كل مرةٍ أزوره فيها كان يزداد احترامي له وشغفي بما طُبع عليه من سجايا أخلاقية عزّ أن تجد مثيلهاعند غاليية من عرفت من أدباء ومفكرين ومثقفين.. كان يأثرني بشدة تواضعه وسعة علمه..
لم يكن الدكتور أحمد عمران الزاوي عالماً بحق فقط، بل كان دائرة معارف وموسوعة ثقافية و منجم أفكارٍ.. لم تبهره الأضواء ولم تغره الصالونات.. كان أشبه بناسك معتكفٍ في صومعته منصرف إلى القراءة والتأليف، وعلى الرغم من أن مؤلفاته فاقت الأربعين مجلداً ، لم يكن يتوانى عن الإجابة بـ"لا أعرف" إذا ما سأله السائل حول مسألة ما قد تكون الإجابة عنها شائكة وتحمل عدة تأويلاتٍ، وجوابه بـ"لا أعرف" لم يكن سببه عدم المعرفة بالجواب (الذي يعرفه)، بل منبعه "الحيرة "، الحيرة التي لا يصلها إلّا كبار العلماء، وهو الذي تطرق مراراً إلى الحديث النبوي "اللهم زدني بك حيرةً"، ولا يتسع المقام هنا للاستفاضة في هذا الجانب.
كان تعرفي على الدكتور الزاوي الذي مال إلى الفكر الاشتراكي في شبابه من خلال نتاجه قبل لقائي به بنحو ست سنوات، إذ كنت قرأت كتابه المفتوح إلى الكاتب نبيل فياض – رده على كتاب "مراثي اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"، وخلال انشغالي بمحاورة المفكر الإسلامي المعاصر الدكتور محمد شحرور في آذار 2003م كان من المحال نجاح حواري ذاك لولا اللجوء إلى كتاب القراءة المعاصرة في الميزان لـ"الباحث الزاوي"، وكنت قد أشرت إلى ذلك في أكثر من مكان سنتذاك.
ومن المعروف أن الدكتور الزاوي خصّ بعض مؤلفات الدكتور شحرور بكتابين نقديين لاعتقاده بـ"درجة الجهد والتفيكر فيها" بحسب قوله لي، عدا أنه يكنُ له ولفكره بالغ الاحترام رغم اختلافه معه في معظم النتائج التي خلص إليها.
قصدت الدكتور أحمد عمران الزاوي، ذات يوم من شهر شباط 2013 بغرض طرح فكرة حوار معه، وكان في ذهني أن يخرج يخرج الحوار في كتيب صغير لا تتجاوز صفحاته المئة على أن أنشر بعضه في الصحافة الورقية أو الاكترونية، ولم يخطر في بالي أنني سأخرج بعد نحو ثلاثة أشهر من بدء زيارتي له بكتاب: "أسئلة وأجوبة– قضايا إسلامية"- دار قرطاج.. أعتز به قدر افتخاري بأنني أنتمي إلى جيل عاصر هذا العالم الجليل الذي كان مؤسسة قائمة بذاتها، ناهيك أنه خدم الإسلام أكثر مما خدمته مؤسسات إسلامية كالأزهر والنجف ولا مبالغة في قولي هذا.
كان يروي على مسمعي أشياء تتعلق ببعض تاريخه عبر مدارج حياته لم يسبق أن ذكرها فبما كتبه، فكان أن طلبت منه التكرّم بكتابه بعض ما رواه لي في مقال تحت عنوان "محطّات في الذاكرة" بغية نشره في موقع فينكس الإخباري، لاعتقادي بأهميته بالنسبة لي ولأبناء جيلي وللأجيال القادمة، وكان كريماً كالعادة.
كنت وما زلت أقف باندهاش، يجلله الاحترام، إزاء هذا الرجل الذي طوى نحو عقود تسعة إلّا قليلاَ (89عاماً) أنتج خلالها أكثر من أربعين مجلداََ كان أولها في سن التقاعد من مهنة المحاماة بعد أن وارى ستة عقود من عمره، إذ بدأ مشواره الفكري بكتابه الهام في الرد على "أبي موسى الحريري" وهو الإسم المستعار للأب جوزف قزي المقيم في الكسليك بلبنان صاحب "الحقيقة الصعبة" التي تنال من إسلام محمد (ع) بطريقة لي الحقائق وتطويع الوقائع من خلال الاستعانة بسرير بروكوست دون أدنى اجتهاد علمي ـ كما يتطلب البحث المنهجي العلمي – من قبل الأب اللبناني.
وكي لا أتهم بالتجني على الأب جوزف قزي يمكن للمتهم العودة إلى كتابه ومن ثم قراءة كتاب الدكتور أحمد عمران الزاوي "الحقيقة الصعبة في الميزان"، ذلك الكتاب الذي قال عنه الشاعر العلم حامد حسن إنه يحتاج –فيما لو هو كتبه – إلى أربع سنوات في كتابته، في حين أنهاه البحّاثة الزاوي في تسعين يوماً، وصدق حامد حسن إبان تقديمه لكتاب صديقه أحمد عمران، إذ قال فيه إنه "مكتبة في كتاب".
وأنا أسطر هذه الكلمات عن فقيد العلم والمعرفة والأدب والقيم الأخلاقية "د. الزاوي" يجتاحني شعور بالغبطة والفخر والاعتزاز أني من معاصري هذا العالم الجليل الذي أمثاله يرحلون باكراََ مهما طالت سنوات حياتهم، فقد كان فكره يزداد اتقاداً، وإنتاجه يتضاعف طرداً مع تقدمه في العمر..
أحمد عمران الزاوي، المحامي، البحاثة، العلّامة، المثقف، الدكتور، المؤلف والكاتب.. الإنسان.. سلام عليك يوم ولدت ويوم ارتقيت ويوم تبعث حياً..
من كتاب "جامع الكلم" عام 2019