"ما قالهُ مالِك وما صنعهُ الحدَّاد..!"
علي الرّاعي- فينكس
في كلِّ مُساجلةٍ أدبيّة، وحتى في المُساجلات السياسيّة "الحربجية" مؤخّراً على كثرتِها ، غالباً ما نسمع العبارة التالية "لقد قالَ فيهِ ما لم يقُلهُ مالكٌ في الخّمر"..، لكنَّ أحداً ما لم يعرِف ماذا قالَ مالك في الخَمر..، وأجزِم أنَّ أحداً ما ممَّن يردّد هذهِ العبارة الشهيرة لكثرةِ ما تتردّد لم يعرِف مَن هوَ مالك. وبالمناسبة، ماذا قالَ مالِك في الخمر؟، ومن هوَ مالك هذا..؟!
أعترف أنّي لطالما تساءَلت ماذا قالَ (مالك) في الخَمر، وعنِ العبارة التي لا يملًّ الكثيرونَ من ترديدها، وهيَ "عندَ كلِّ وليمة "نميمة"، يُصوّب فيها أحدهُم سهامَ لسانِه في الصّفاتِ القبيحة لخصمه، أو قد لا يكونُ خصمّه، فتكونُ الجملة الأثيرة الجاهزة: (لقد قالَ فيهِ ما قالهُ مالك في الخمر).
لكن، من هوَ مالكٌ الذي قالَ في الخَمر؟!، أعترف أيضاً أنّهُ لطالما حيَّرني السؤال، لاسيَما بعدَ عجزِ مُردّدي العبارة عنِ الإجابة. إلى أن كانَ مُقدّم (العمّ غوغل) رضيَ الله عنه، وإذ بمالكٍ؛ هوَ الإمام "مالك بن أنس" صاحب المذهب المالكي، وهوَ منَ المذاهب الإسلاميّة، والذي عُرفَ بالتشدُّد في بعضِ القضايا التي لم تُحسَم لدى الكثيرِ منَ الفُقَهاءِ والمُفكّرين، بل إنَّ النبي نفسه لم يحسِم بها، لاسيّما في مسألة تعاطي الخمر وشُرب النبيذ، وغيرها منَ المَشروباتِ التي قد تكونُ (مُسكرة)، وفي كلِّ ما دوّنَ عنِ الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).
إنّهُ لم يُعاقِب في حياتهِ شاربَ خمر، ولم يُقِم حدّاً رغمَ كثرةِ مَن تعاطاه، حتى أنَّ الآية التي نزلَت في "اجتنابِ" الخمر نزلت خلالَ السنة الثالثة عشرةَ للهِجرة، وقبلَها كان ثمَّة آية، أو آيات كثيرة تحدّثت عن منافعِ الخمر، وبعضُ الفُقَهاء يصرّ على أنَّ الخمر هوَ "خُلاصةُ العِنَب" فقط، ولا يشمَل النبيذ، أو الخمر المُستخلَص منَ التمر أو التين، وغيرهِ من الفواكه..، وحتى الله سبحانهُ وتعالى وعدَ عبادَهُ الصالحينَ بأنهارٍ منَ الخمر في حياتهِم الآخرة.
فيما أجازَ الكثيرُ منَ الأئمّة "الخمر" لضرورةِ الجوعِ والعطش، غيرَ أنَّ "الإمام مالك" أجازهُ في حالٍ واحدة، وهيَ لإساغةِ الغصّة فقط!
وفي كلِّ الأحوال، ليست من شواغلِ هذهِ الزاوية مسألةُ جوازِ "الخمرِ" من تحريمه، أو حتى اجتنابه كما أوصت الآية الكريمة، أو في خياراتِ الاجتناب، عندما فسَّرَ بعضُ الفُقَهاء أنَّ جُملة "فهل أنتًم مُنهون" هيَ تخييرُ النهي، وليسَ التحريم كما حرّمَ في مسائل "الميتة والدم ولحم الخنزير" على سبيل المثال.
وإنّما حديثُنا حولَ ترديدِ الكثيرِ منَ الأمثالِ والمَقولاتِ الجاهزة، وهيَ التي كانت خُلاصةَ (قصّةٍ) أو حادثة حدثت في زمنٍ بعيد، قد لا يجوزُ القياسُ بها وعليها، فالأقوال المأثورة أو الحِكَم إنَّما تُسهِم في قتلِ ما يخطُرُ في بالِك، كما يُمكنُ أن تنتزعَ عفويّتُك، وتأتيكَ بلُغةٍ وكأنَّها "مُنزّلة"، وكأنّهُ منَ الضروريّ أن نُصبِحَ أو نُمسيَ حُكَماء.
والسؤالُ هُنا "ماذا عن التجربة..، ثمَّ التجربة..، ثمَّ مَن.."؟، فهل سألَ أحدُنا ماذا صنعَ الحدّاد، وهوَ يُردّد المَقولة بعدَ حصولِ قطيعةٍ بينَ قومين، أو بينَ رجُلٍ وامرأة، أو بينَ صديقينِ على سبيلِ المثال؟
فبعدَ الرجوعِ للعمّ (غوغل) ما غيرُه اتَّفقَ الرُّواةُ على أنَّ بطلَي القصّة هُنا (رجلٌ وزوجتٌه)، وهُنا كانت الزوجة سليطةَ اللسان، تعشقُ النكدَ والشّجار - سامحَها الله -.
وفي يومٍ منَ الأيّام فاضَ بالزّوجِ الكيل، أو بلغَ السّيلُ الزّبى - وهذهِ مَقولةٌ جاهزة أُخرى -، حيثُ خرجَ من خيمتِها صارخاً بيمينٍ أشبهَ بِ (طالق بالثلاثة)، لكنّهُ قال "بيني وبينكِ ما صنعَ الحدّاد"، وربّما لم تفهمِ الزوجة حتى الآن ماذا قصدَ الزوج بذلكَ اليمينِ المُلتبِس، إلّا إذا كانَ عندها "إنترنت جيّد" في ذلكَ الزمانِ منَ الصّحارى العربية، وبحثَت في "غوغل"..
غيرَ أنّهُ يُقال حينَها إنَّ الزوجة لم تفهم قصدَ "بعلِها"، ومارستِ النكدَ كعادتِها، كما مارست حياتَها بصورةٍ طبيعيّة. غيرَ أنَّ بعلَها ذهبَ إلى الحدّاد - ما غيرو- المتواجد في آخرِ خيمةٍ في القبيلة - من جهةِ الشرق -، وطلبَ منه أن يصنعَ لهُ مِطرقة وقِطعة سميكة منَ الحديد.
ورغمَ استغرابِ الحدّادِ منَ الطلب، وهو الذي اعتادَ صناعةَ السُّيوفِ والتروسِ وغيرها، غيرَ أنّ الزوجَ المَنكود عادَ بعدَ وقتٍ يحملُ معهُ (لفّة) بمعنى (بقجة)، في داخلِها قرصٌ كبيرٌ منَ الحديد، وعصاً طويلة، وأعطاها لابنه (شوف الملعون..!)، وأمرهُ بأن يطرقَ على بابِ والدتِه - يعني كانَ بابُ مخدعِ الزوجة في الخيمة منَ الخشب، أو منَ الحديد مثلاً؟!، وذلكَ ليُحدِثَ ضجيجاً عالياً، وخرجَ الرجُل من خيمتهِ على قرعِ ابنهِ على بابِ الزوجة – بظنّ هالصّبي ابن زوجته الثانية -، وصارَ يبتعد ويبتعد، وابنهُ مُستمرٌّ في الطّرق، إلى أن وصلَ إلى نقطةٍ انتهى عندَها الصوت الذي صنعهُ الحدّاد، فنصبَ خيمةً خاصّة به للهُروبِ من لسانِ زوجتهِ السّليط - يا عفو الله -، (طيب لو أعطى ابنه ناي مثلاً وقال: "بيننا ما صنعهُ الموسيقيّ أو النجّار؟!)..
المُهمّ، هذا ما صنعهُ الحدّاد، ربّما في الحلقة القادمة نُفسّر لكُم كيفَ اختلطَ "الحابِل بالنّابل"..!