كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أمــل جـــديـــد فـــي غــرف قــــديــمــة

د. أحـمـد الـخـمـيـسـي- القاهرة:

خلال أيام يحل علينا عام جديد، يحل وقد أدركت أنني إنسان قديم. أدركت ذلك عندما لفت أحد الشباب نظري إلى أنني أستخدم علب الثقاب، بينما يستخدم الجميع القداحات. بعدها بيومين نبهتني فتاة في مقتبل العمر قائلة: "أنت مازلت تستعمل مناديل من القماش وليس الورق؟ لقد ولى زمن هذه المناديل". 

أخيرا تيقنت أنني قديم أنتسب إلى زمن آخر عندما ركبت تاكسي من شارع عدلي، وحين اقتربت السيارة من محطة البنزين في نهاية الشارع قلت للسائق الشاب: "أتعلم .. لقد رأيت عبد الحليم حافظ للمرة الأولى هنا، في هذه المحطة، عام 1966، كان واقفا يزود سيارته بالوقود"، فلوح الشاب بكفه ومط كلماته متعجبا: "ياه يا بيه.. ده أنت قديم قوي"! حينذاك اعترفت أمام نفسي بالحقيقة، ولم يبق سوى أن يعلقوا على رقبتي لافتة تسجل: "صنع في مصر عام 1948". 

ولأنني عتيق فقد سجلت كل الأغاني القديمة التي أحبها على فلاشا، أستمع إليها كلما أحسست أنني غريب بمناديلي وعلب الثقاب وذكرياتي وأصدقائي الذين رحلوا وخيبات وهزائم المحبة. 

وقد اخترت الأغاني كلها بعناية، كأني أختار نغمات صغيرة من أوتار الزمن. أستمع إليها فأجد نفسي ثانية. أغنية: "داره قصاد داري وهو مش داري" لكارم محمود و" احتار خيالي" لعبد الحليم، وغيرها، ويحضرني من رحلة العمر نساء دخلن القلب مثل وردة، وخرجن مثل خنجر، وتركن خلفهن الأغنيات والأحلام، فأتوقف عند الأغاني وأدعو نبض قلبي للصحو، الأغنيات التي كتبها فتحي قورة، وأتعجب من إدراكه لقالب الأغنية، وأن الأغنية من ناحية لا تنتسب إلى الشعر، ولا ينبغي أن تكون لأنها تخاطب جمهوراً واسعاً، لكن عليها أن ترتشف قطرة رائقة من الشعر لتعبر إلى القلب. أتوقف طويلا أمام كلماته الرائعة لحن العبقري محمود

 الشريف "كل العيون حواليك شاغلها سحر عنيك.. ما بقاش مكان لعنيه تبص منه عليك.. فاتت سنين وأيام بشقاها وفرحها.. ولا أي عين بتنام.. وتسيب لي مطرحها.. حتى الخيال حجبوه.. وفي كل حلم فاتوه.. وسابوني وحدي أتوه.. في دنيا ملك إيديك". 

وأقول لنفسي: "نعم. هناك نساء دخلن القلب مثل عطر رقيق، وخرجن مثل عاصفة، ألملم منها الأمل والأغنيات". 

ولقد توقف الأديب الكبير يحيي حقي عند فتحي قورة وكتب عنه: "لا أعرف أحدا يداني فتحي قورة في خفة دمه ولا في القدرة على نصب شباك القوافي العسيرة والخلاص منها خلاص الشعرة من العجين". 

أستعيد أغنيات كتبها قورة مثل "أمانة عليك يا ليل طول" لكارم محمود، و"مال القمر ماله" لمحمد فوزي، و"يا سيدي أمرك" لعبد الحليم، وغيرها. 

أجلس وتسكنني المرأة التي خرجت مثل خنجر على جنبيه ذكرياتي وآمالي. أمد يدي إلى علب الثقاب وليس القداحات، وأستخدم مناديل من القماش وليس الورق، وما إن يعلو صوت الأغاني حتى يرف أمل أبيض قويا مشبعا بالنور، وتهزني الحماسة ويدق قلبي بعنفوان. لا. لست قديماً مادام القلب ينبض بالأمل.   

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني