الالتفاتة إلى الوراء؟.. لا تحرقوا دفتر العائلة
أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:
ظاهرة تنكّر الحداثويّ العربيّ لأبوّته الثقافيّة، ظاهرة غريبة، وغير صحّيّة، كما أنّها ضدّ منطق الحياة والتّطوّر بكلّ المعاني: البيولوجيّة، التّاريخيّة، الاجتماعيّة، الفكريّة إلخ. إذ كيف يمكن للكائن ببساطة شديدة أن ينسلخ حتى بالمعنى الشّفوي عن تربته التي شهدتْ نموّ بذرته، ثمّ امتداد جذوره في أعماقها، حتى اكتمال نضجه ككائن بيولوجي مفكّر ؟. وإصراره المبهم بأنّه الأوّل والآخر، والمبتدأ والنّهاية. منه انبثق النّبع وإليه يعود. لعلّ أساس هذه الرؤية باعتقادي، يعود إلى نرجسيّته الفاقعة، والذّهنيّة اللّاتاريخيّة والوعي الميتافيزيقيّ اللّذين يحكمان طريقة تفكيره. تلك الذّهنيّة التي تتجاهل الشروط "الموضوعيّة والذّاتيّة" لآليّات إنتاج الوعي عبر الزمان والمكان التّاريخيّين. والتي ترسّختْ واستمرّتْ بفعل الاستلاب الذّهني والعطالة الفكريّة المتوارثة واستقالة العقل من وظيفته التساؤليّة. فمثلاً، لقد انحفر في ذائقة التّلقّي العربي ولمئات السنين، تعريف حاسم للشعر، لا يجوز المساس به، يقول بأنّه: كلام مقفّى، وموزون، وله معنى، وكلّ ما هو خارج هذا التّأطير يُطردُ من ملكوته. ولم تتخلخل هذه القاعدة المقدّسة إلّا حديثاً، بتأثير أكيد من الوافد الغربي، عبر جسر المثاقفة " ترجمات فكريّة واأدبيّة " مختلفة. حيث تغيّر المفهوم الاستبدادي لتعريف الشّعر"الإيقاع والوزن الواحد" لصالح ديموقراطية تعدّد القوافي والإيقاعات. فطهرتْ قصيدة التّفعيلة ومن ثمّ قصيدة النثر. من خلال تنويعات أخرى على الإيقاع الخارجي، ومن ثمّ الدّاخلي، ليغدو مهموساً، يسري نبضه في ثنايا النّصّ، مشبعاً بالحيويّة والدّلالات المرجأة. وهذا بدوره أُفسح المجال للصّورة الشعرية التّخيلييّة للانطلاق ورسم معالم وظلال جديدة، استطاعت تحفيز المتلقّي أكثر فأكثر للتفاعل المثمر. تلك الحالة التي لم يعد الشعر" العمودي" بشكله الفنّيّ ومحموله الفكري والجمالي، قادراً على إنتاجها، حقّقتها التّفعيلة أوّلاً، ومن ثمّ قصيدة النثر بنماذجهما العالية الكثيفة ثانياً. ومن المؤسف حقّاً في التّجارب الشعرية العربيّة الحديثة، زعمُ البعض بأنّهم يشكّلون طفرة أتت دون مقدّمات. وأنّهم نخلات بسقتْ في الصّحراء بقدرة قادر. ولعلّ جولة قصيرة في نِتاجاتهم الأدبيّة، ستُرينا كم هم يتكئون بالضّرورة "الموضوعيّة"على الموروث الأدبي، والفولكلوري لبيئتهم الثقافيّة التّاريخيّة!. وهذا أمر طبيعي لكلّ ثقافة حيّة أن تنهل من تراثها وتضيف إليه بآن. فحتى الماضي الطّفولي بالمعنى البيولوجي نجده محفوراً في شيفرات الكائن الوراثيّة. وإلاّ لماذا نقف بصمتٍ مهيب، أمام ذاك القديم الباهي بأوابده الشّامخة الموغلة في القدم "الأهرامات مثلاً " غارقين في تأمّلٍ لا ينتهي، يأخذنا إلى غياهب التاريخ والمثيولوجيا؟. كما نقف بنفس الهيبة والدّهشة الفطريّين أمام منظر الوديان والكهوف والمغاور القديمة المحفورة في الجبال، مستلبين، ونحنُ نصغي لصدى الوجود يفيضُ من بين تلافيف الصخور العملاقة ويندلق على مسامعنا. بينما قد لا يشدّنا منظر أهم المنشآت الحديثة، لأن نقف أمامها أكثر من دقائق معدودة.
هذه الرؤية للقديم والحديث، تتفاوت معرفيّاً بين فردٍ وآخر، ومجتمع وآخر. وهذا ما انعكسَ واضحاً في الوعي الفلسفي، عبر ثنائيّة الأضدّاد القائمة على الثّابت والمتغيّر، وتناسل القديم من الحديث بأبوّة واضحة لا يشكّ بها إلّا كل متجاهلٍ أحمق. بينما، لا نجد مثل هذا التّنكّر لأبوّة الماضي لدى الحداثوي الغربي! فها هو رائد الشعر الإنكليزي الحديث "ت. إس، إليوت" بقصيدته الشّهيرة الطويلة "الأرض اليباب" التي اتُّفقَ على أنّها فاتحة الحداثة الشعرية الغربيّة، لا يخفي تأثّره بالتراث الأدبي العالمي قديمه وحديثه. تلك القصيدة القائمة على مضمون يقول: بأنّنا حين لا نحترم قوانين إيقاع الأرض ونطبّق قوانيننا الجائرة عليها فثمة "قحط، وبوار" سنحصده بلا شكّ. لأنّنا نلغي بذلك شروط دورتها الزّراعية.فـ "إليوت" يصوّر "أوروبا" وكأنّها وصلتْ إلى مرحلة العقم، بسبب سلوك الإنسان الغريب وتشوّه علاقته بالآخرين وكثرة الخداع والغشّ وطغيان العلاقات الاستهلاكيّة والميكانيكيّة، القائمة على المنفعة التي حكمتْ سلوك الأفراد وزيّفتْ القيم فيما بينهم. أقول تلك القصيدة الطويلة، التي اعتُبرت عنوان "الحداثة " نراها تمتلئ بالكثير من الرّموز القديمة والتّراثيّة الكلاسيكيّة بأقسامها الخمسة :(دفن الموتى، لعبة الشطرنج، العظة النّاريّة، الموت بالماء، ماقاله الرعد). وقد أكّد الشاعر فيها دون حرجٍ على تأثّره بكثير من المرجعيّات التّاريخيّة، ككتاب "جيسي وستون" (من الشّعيرة إلى الرّومانس) حول أسطورة الكأس المقدّسة. الذي لم يلهمه العنوان فقط بل والكثير من الرمزيّة التي تشبّعت بها قصيدته. و يشير أيضاً إلى كتاب "أنثروبولوجيّ" هو "الغصن الذهبي" لـ "جيمس فريزر" وأشعار الكتاب المقدس "حزقيال، الجامعة، وأفكار "بوذا" والكثير من الشعراء المعاصرين كـ "بودلير، دانتي ،جون وبستر إلخ. يقول الباحث المعروف "حنّا عبود" هكذا نجد الشاعر الغربي الكبير يعترف بتزاوج نصّه بالكثير من النتاجات المعاصرة والتاريخيّة دون تنكّر لمرجعيّة نصوصه. بينما لا نجد لدى شعرائنا ورموزنا الأدبيّة سوى المغالاة والتعتيم على مرجعياتهم الثقافية الحديثة والقديمة تحت ادّعاءات الرّيادة والإبداع الصافي. وهانحنُ سنوضّح فكرتنا أكثر بالاتكاء على الموروث الأسطوريّ، الذي قدّم لنا أمثلة يانعة لفهم طبيعة الكائن المعقدة، التي تتجلّى في سلوكه البيولوجي الغامض، وقد هذبّته المتغيّرات، و المكتسبات الاجتماعيّة والبيئة الثّقافية بالكثير من السّلوكيّات الجديدة. تلك المكتسبات التي لم تلغِ حنينه النوستالوجي لتلك النداءات العميقة التي تأتيه من آبار الماضي، عبر الجينات المتوارثة، وتتحكّم بطبعه و بالكثير من تصرّفاته الواعية وغير الواعية. تقول الأسطورة: لقد اشتُرطَ على عازف القيثارة "أورفيوس" بألاّ "يلتفت" إلى الوراء وهو يستحضر زوجته من عالم الموتى ولكنّه نسي في غمرة انسياقه لمساعدتها، النّصيحة والتفت إلى الوراء. حينها، تحوّلت المسكينة إلى "بخار" وكذلك زوجة "لوط" التي تحوّلت بدورها إلى عمود من "الملح" وهي تلتفت إلى الوراء، رغم التحذير الرّباني من الحمم الملتهبة وهي تلتهم "سدوم وعمورة" التي عاث أهلها فساداً وضلالاً حسب النصّ التوراتي. والسؤال هنا إذا نظرنا إليه من زاوية أخرى، ألا يعني هذا التّحذير القاتل من الالتفات إلى الوراء، الحرص على بقاء الكائن بمعنى ما، رهين الأسطرة والغيبيّة التي تمنع العقل من التّفتّح وطرح الأسئلة المعرفيّة والوجوديّة الكبرى؟ في الوقت الذي لا بدّ فيه للكائن الصّاعد سلّمَ ارتقائه الفكريّ، من الالتفات الضّروري إلى الماضي، ليبني على مرتكزاته وأسئلته الإيجابيّة بناءه الجديد. فهل يبدأ من الدرجة "صفر" يا ترى؟. ثمّ هل هناك فعلاً درجة صفر بالمعنى الجوهريّ للأشياء والظّواهر؟. أنحن في مأزق وجوديّ يشبه مأزق " الفراشة والمصباح " التي لا تستطيع فكاكاً عن الضوء، فتظلّ تدنو منه حتى تحترق. الحقيقة، أنا أرى بأنّ الماضي ضرورة ماسّة لنا، لكنّه محرقتنا أيضاً. إذا لم نفعّل أدوات العقل والتّشريح والنّقد في قراءته. يقول الشاعر "محمد وليد المصري" بقصيدته "تناسخ":
علّقوا نعوتي.. فتناسختُ في سنبلةٍ
فجأة..
غادروني وغابو.. إلى أين ؟
لا تحرقوا دفتر العائلة.