نعم.. إنّها حقبة الرّجل الصّغير
أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:
متى وعى النّاس حقّهم الموضوعيّ في التّعبير عن آرائهم بالطريقة والشكل الذي يشتهون: الطّفل في بيته أمام سلطة الأهل، المرأة أمام سلطة الثقافة الذّكوريّة المهيمنة. العامل ضدّ سارقي جهوده. المثقّف، أمام الرّقيب كاتم الأنفاس..إلخ. أقول متى امتلك النّاس مثل هذا الوعي كحق مشروع لابدّ منه، فسوف تكثر فرص انتصار العقلاني على الظّلامي، والمنطق على الفوضى والتشتت الفكري، وسيعرّى الرّجل الصّغير بنا حدّ الفضيحة، وإنّ بهذا لأمل كبير.
"خطاب إلى الرّجل الصّغير" لـ " فيلهلم رايش" 1897م ـ 1957م. خطاب تحليلي سيكولوجي يحفر عميقاً في الجّوّانيّة البشريّة المعقّدة،الملتفّة على كمائنها وتلافيفها بإحكام كما قشور البصل. ما إن تزيل طبقةً/ كميناً، حتى تتبدّى لك فخاخاً / طبقات، أشدّ تكوّراً على ذاتها من سوابقها. خطاب مبنيّ على خبرة محلّل نفساني، عاينَ النّفسَ البشريّة بمُجهِرِه، وعرّى ضعةَ الكائن وتقلّباته وانشطاراته الرّوحيّة العموديّة والأفقيّة أمام الامتحانات الكبرى والمنعطفات التّاريخيّة. وهو أشبه بوثيقة تاريخيّة،علميّة، كتبت عام 1946م، وقد لقي صاحبها حتفه في خضمِّ الدّفاع عن أفكاره دون أن يهادن أحداً. من أشهر مؤلفّاته :(وظيفة الذّروة الجنسيّة، علم النّفس الجماهيري، الثّورة الجنسيّة). مع ذلك لم يفقد الخطاب راهنيّته، فالزّمن يكرّر نفسه كما يُقال، والآن ونحن نعيش مآلات ونتائج الحرب الكارثيّة، في عالم مختلّ فقد عقله تماماً، ونتفرّج من موقع السلبي عليه وهو يعاد تشكيله من جديد من قبل الأقطاب المسيطرة عالميّاً، بما فيه الوطن الذي نسكنه، سنرى بأنّ الرّجل الصّغير يكاد يتقمّصنا جميعاً بشكلٍ أو بآخر. فهو القاتل الدّموي والمافيوي والأيديولوجي والوصوليّ والظلاميّ ومدّعي الصداقة والمتفنّن في صنوف التعذيب والطّيّب ،والمهدور الكرامة والضّمير، والإنساني وفقَ ما تبدو له مصالحه ،وضيّق الأفق،والدّنيئ كالذبابة تغطّ على كلّ المزابل وتحاول أن تقنعك بأنّها نحلة تنتجُ العسل.
لعلّنا، بهذه الالتفاتة النّاقدة، نستطيع معرفة حجم المسؤوليّات الواقعة على عاتقنا بوضوحٍ أكثر. وهذا بدوره سيرسّخ القناعة لدينا بضرورة الوقوف بقوّة وبجميع الوسائل والإمكانيّات المتوفّرة، ضدّ المستذئبين أيّاً كانوا، بكلّ أطيافهم وألوانهم العرقيّة والإيديولوجيّة والثقافيّة وغيرها. لأنّ الكائن في عرف هؤلاء ليس أكثر من دميةٍ بلهاء مطيعة، مبرمجة حسب الطّلب، تتعلّق بشعارات ضبابيّة، تروّج للكذب قبل الحقيقة، وللموت قبل الحياة . وجماليّة الخطاب وقيمته المعرفيّة تكمنان بأنّه يمثّل دعوة للثّقة العالية بالكنوز العظيمة الكامنة في أعماق الطبيعة الإنسانية، التي يجب تسخيرها وتوجيهها لخدمة آمال الكائن البشري وطموحاته المشروعة. فلننصت بتمعّنٍ إلى ما يقول: (يسمّونك إنساناً صغيراً، إنساناً نذلاً، إنساناً مبتذلاً، ويقولون بأنّ حقبتك قد بدأت. حقبة الإنسان الصغير. رأيتك عارياً روحاً وجسداً آلاف المرّات دون قناع أو حزب أو ورقة انتخاب مثل مولود جديد،وكشفتَ أمامي حبّك وحزنك، إنّني أعرفك وأفهمك،أنت رجل "صغير ونذل" افهم المعنى المزدوج لهذه الكلمات. لا تهرب لتكن لديك الشجاعة للتّحديق بنفسك .إنّك تخاف النّقد كما تخاف السلطة التي وعدوك بها، تحتقر نفسك،تقول: "من أكون أنا " حتى أكوّن رأياً خاصّاً بي؟ معك حق، أريد أن أقول لك من تكون؛ أنت تختلف عن الرجل الكبير الحقيقي في شيئ واحد فقط،الرجل الكبير كان هو نفسه رجلاً صغيراً يوماً ما، استطاع أن يطوّر ميزة مهمّة هي: أن يكتشف متى يكون صغيراً وضيّقاً في تفكيره وسلوكه، أنت لا تعرف ذلك وتخاف أن تعرف ذلك، إنّك تخفي دونيّتك بأوهام القوّة والعظمة. فخور بالآخر وليس بنفسك، تتعجّب من الفكرة التي لا تملكها، وليس من الفكرة التي تملكها، تعتقد بقوّة الأشياء، كلّما كنتَ عاجزاً عن فهمها، ولا تعتقد بالأفكار التي تفهمها بسهولة). ولكي يتّضح المفهوم أكثر يبدأ المحلل النفساني بفضح الرجل الصّغير الذي يسكنه، قائلاً: (منذ خمس وعشرين سنة وأنا أدافع بالكلمة والسلوك عن حقّك في السّعادة، وعن حماية ماأحرزته من انتصاراتٍ في نضالاتك الدّموية.لقد انتهت باريسك إلى "لافال، وبيتان" وفيينّا إلى "هتلر" وروسيا إلى "ستالين" لقد فهمت كيف تحقّق حريتك أكثر ممّا فهمتَ كيف تحافظ عليها لكَ ولغيركَ،. لقد عرفت من يستعبدك. أنتَ من تستعبد نفسك، وأنتَ وحدك من يستطيع أن يحرّرها .قل الحقيقة مهما كلّف الثمن. الرّجل الصغير بداخلي لا يريد أن يسمع حقيقته، ولا يريد تحمل المسؤوليّة الكبيرة الملقاة على عاتقه، يريد أن يظلّ رجلاً صغيراً، أو يصبح رجلاً صغيراً كبيراً، لكنّه لا يريد تحمل مسؤوليّة عمله، مسؤولية التّموين الغذائي، بناء المنازل ،المواصلات، التّربية، البحث، الإدارة والتّعدين، هاهو يقول لي: لقد أصبحتَ رجلاً كبيراً مشهوراً، حرّاس القيم الثقافيّة يكرهونك، تلامذتك يحبّونك، مرضاك يحبّونك، كتبتَ 13 كتاباً و150 مقالاً حول بؤسِ الحياة، بؤس الرّجل الصّغير، الآن استرح، وافرح بنجاحك. فيردّ المحلّل النّفساني: لقد ناضلتُ بقوة من أجلكَ ونيابةً عنك، ثمّ جاء من يحطّم عملي، لكنّك ظللت أخرساً وسرت خلفهم، أنت تعرف "هتلر" أكثر من "نيتشه" و"نابليون" أكثر من "بيتالوزي". لذلك توقّفتُ منذ زمن، أن أكون عبداً طيعاً لحريّتك. فمن أجل أن يصبح المرء عبداً طيّعاً للحريةّ، عليه أن يحطّم وثناً ما، أن يكون له مثال عالٍ للحريّة، يجب أن تعرف أنّك من صَنعَ من رجاله الصّغار متسلّطين عليه ومن رجاله الكبار شهداء. أنتَ من صلبهم وضربهم وتركهم يجوعون.أنت تقول أنّك مع التّسامح الدّيني، إنّه شيء جميل لكنّك تريد، إقامة الصّلاة فقط كما بيّنها دينك،إنك متسامح تجاه دينك، لا الدّيانات الأخرى. لقد قتلتَ "سقراط". نلت من جسده وليس من عقله وما زلت تقتل، في جبنٍ وضِعةٍ. لقد كان لكَ الخيار بين "نيتشه" الذي أراد أن يصنع منك رجلاً أعلى و"هتلر" الذي حوّلك إلى عبد، فصرختَ باسم "هتلر" واخترت العبوديّة. كان لك الخيار بين نظرية "فرويد" الجنسيّة التي تكشف عن البعد الجنسي لمرضك الرّوحي، وبين نظريّته عن التّكيّف الثّقافي فاخترتَ التّكيف مع الثّقافة السّائدة. كان لك الخيار بين محاكم التفتيش الدموية و"غاليلي" الكبير الذي تتمتّع اليوم باكتشافاته، فانتهى به الأمر إلى الموت بفعل تحقيرك له وعدت مرة أخرى إلى محاكم التّفتيش في القرن العشرين.إذهبْ إلى المكتبة، لا إلى حلبة الملاكمة، وثقْ بصوتِك الدّاخلي الذي ينذرك بصمتٍ. إنّك تحتفظ بكلبك، فقط لكي تقنع نفسَك بأنّكّ أنت الآخر سيّدٌ، تعتقد بأنّ الغاية تبرر الوسيلة، حتى أحقر الوسائل، أما أنا فأقول لك: الغايةُ هي الطريق وكلّ خطوةٍ هذا اليوم هي حياتُك غداً، الأهداف الكبيرة لا يمكن تحقيقها بالوسائل الوضيعة، إنك تقف على رأسك، ظناً منك أنك ترقص في مملكة الحريّة. ليس باستطاعتك شنقي دون أن تشنق نفسك، فأنا حياتك، إحساسك بالعالم، ابتسامتك، حبّك، فرحتك لحظة الخلق. أنت ذكي، لكنّ روحك مسدودة، لا تحبّ أن تخلق شيئاً.لقد قال ذلك "فرويد" يوماً.إنك تتربّص بالإنسان الكريم والمتبرّع المبتهج وتمتصّه عن آخره، تشرب حتى الامتلاء من علمه وسعادته وسموّه، لكنكَ لاتستطيع أن تهضم ماالتهمته.المرء يعرف أفضل الآن، إدمانك على التّصفيق، تحرّرك من المسؤولية، باختصار مرضك كلّه الذي ينتّن هذا العالم الجميل. أتذكر ذلك المساء المشمس الجميل، لما جئتني هذه المرّة كحطّابٍ إلى بيتي، باحثاً عن العمل، رأيتَ كلبي الصّغير الذي تشمّمك بحبٍّ وقفز إليكَ، فقلت لي: اربطه ليصبح قاسياً. فأجبتك: لا أريد أن أصنع كلباً قاسياً، إنّ لي من الأعداء أكثر منك في هذا العالم ،أيّها الحطّاب الصّغير الطيّب، ومع ذلك فإنّي أفضّل الكلبَ الطّيبَ الذي يتشمّم كلّ غريب بحبّ.