فؤادُ القصيدة وكُحلُها...
ليندا ابراهيم- فينكس:
هواجسُ كثيرةٌ شرسة انتابتني وتنازعتني وتخطفتني حالما ولجتُ عالَمَهُ الشِّعريَّ، وتجربَتَهُ الكتابيَّةَ الممتدَّةَ على ما يناهز نصفَ القرن...
فهو ليس من المخضرمين، بل من جيل بعدَ التالي لهم، وليس من جيلِ الشَّباب، إلا أنَّ قصيدَتَهُ لا تزالُ تعيشُ حيويَّةَ الشَّباب وكأنها كتبت للتَّوِّ ولأجل الزمن الحاضر بل والآتي...
شراسةُ هذه الهواجسِ، أتتني من هذا الزَّخَمِ الغنيِّ الذي تطالعُك به تجربتُهُ الشعريةُ والحياتية والشخصية والوطنية والثقافية... المملوءةُ بالألم، المشحونةُ بأقصى حقائقنا المعيشة، هذه التجربة التي تعرَّضَ لها حيناً من الزمن، ثم خلَّقها وصنَعَها وهدهدها على يديه في الزمن التالي، لتكون ابنةَ روحه وعصارة قلبه وزيتَ فؤاده الذي لم ينضُبْ بعد...
لقد تنازعتني بصدقها ووفائها للتُّرابِ والحقِّ والضَّمير...
التراب حيث خدمَهُ وصانهُ واستبسَلَ لأجل شرفِهِ في إحدى أهمِّ المعارك مع العدوِّ المصيري، والحق حينما لم يهادن على شرف الكلمة، وجوهر الموقف، فنطق به وصدح بقوله فكانت له شجاعة البسالة وريادة الموقف الخَطِر ونصاعةُ القلب المؤمن بقضيته الأخلاقية والإنسانية...
والضَّميرُ، الذي يدعوه "شوكشين" بقانون القوانين، هو ما شحَذَ عليه عزمَهُ ليختاره عقيدة وديدناً ليكون المنسجمَ ما بين داخله وخارجه، وما بين قوله وفعله، وما بين باطنه وظاهره ولعمري هكذا يكون الشَّاعرُ الحقيقي والإنسانُ الحقُّ...
ثم إنني شعرتُ بالخجل، لوقتٍ ما لأنني المهتمَّةُ بالشِّعر والمنخرطةُ في أكثر من ميدان من ميادين الثقافة والأدب والكتابة، لكنني عرفت عن "فؤاد" القليل إذ لم يتيسَّر لي الظرف والمكان لأعرفهُ عن كثب، وإنني أشكرُ وأحمدُ للصديق الأستاذ أُبي حسن أنه دفعني وحرضني وشجعني للتواصل معه، فأقف وأقع على هذا الكنز الثقافي الإنساني الأخلاقي الثمين: "فؤاد كحل"...
لعل من نافل القول بعد كلِّ هذه التوطئة، قولي أنني بدوْتُ مبتدئةً في مدرسته الكبيرة، وطفلةً بقامة ضئيلة أمام قامتهِ الواعية الممتلئة بحبِّ الحياة والشعر والوطن كما وشت لي جلُّ قصائده...
أي شاعر لا بد له من مشروع، وتجربة عميقة ممتدة، وهدف يتوق لنشدانه، وقد كان الوطن والحب والحياة ثالوث "كحل" المفضل، وليعجن رغيفَ شعره بدقيقِ تجربته الجديرة بالحياة، وملح صبره الذي أتمَّ نصف قرن من الزمان وهو يهيله على جراحه، ويرعاه ليختمر في فؤاده وقلبه وعقله تجربةً ثرةً، ولغةً مسوَّرةً بالبياض القاني، وأساساً من تواضع واع لم تسحبه بهرجة المنابر ولم يستهوه بريق الإعلام، ولم يأبه لبريق الشهرة، ولا بغبار نقع المعارك الشعرية، بل انزوى فوق تلك "البلاطة" ساهياً سالياً كل شيء سوى فؤاده والشعر، ينأى بقلبه وعقله عن صخب وضجيج الآخرين ليمتلك فرادة التجربة وامتدادها وريادتها في الفتح والخوض والاختراق لتأتي حداثيةً في الشكل، صادقة زاخرة في المضمون، مرآة حية وصادقة لما عايشه وعاناه...
ولعل أهم ما أحمد له ثقافته، وأغبطه عليها، فالموهبة لا تكفي والاعتكاف لا يكفي بل يجب التثقيف، فكانت دراسته للأدب العربي، وهو الضابط في صفوف الجيش، وليمتلك أدوات صدقه مع أدوات موهبته، ولينتج للشعرية السورية والعربية زهاء ثلاثين كتابا في الشعر والنثر وأدب الأطفال...
أخلص للشعر، فأعطاهُ الشِّعرُ خزائنَهُ، ووهبَها له، ليمتلئ فؤادُهُ وعقله بكل رونقه وليكون المتنفس الأنقى لروحه التي أقضَّها ضجيجُ الصارخين ونفاق المارقين وزعيق المتنابرين...
تخطفتني التجربة مما اطلعت عليه من النزر اليسير، من "مطر لذاكرة الرياح"، لكن هذا المطر أنعش هذه الذاكرة فكانت مختارات شعرية من حدائقه موفقة الاختيار ومعبرة عن مجمل تجربته كقطوف متنوعة يغني بعضها عن كل، تخطفتني بصدقها وحيويتها وكأنها كتبت لهذا الزمان وهذه الحقبة السوداء وهذه الفترة وكأن الزمان يعيد نفسه والحروب تتناسل والشدائد تتوالد وكأننا في بلاد منذورة للغرابيب لا يشفع لها سوى ميازيب الدماء الطاهرة التي تسيل على فترة من الزمان من أبنائها الصادقين الباذلين.
ولعل أول ما يطالعك، ذلك الحزنُ الأليفُ رفيقُ قلوب الشعراء، وتشي به العناوين "صرخات للرقص العاري"، ولعلها أصدق ما ينم عن واقعه الذي عاشه، وكتب فيه تلك القصائد، فهي صرخات، لراقص يذكرنا ببطل "كازانتزاكي"، حيث الرقص والحاجة إليه لإفراغ الألم ومهادنته والتعايش معه، ولتأتي المقدمة المستحيلة على التعادل:
"تتوارى الحرب أضيع
وتجيء الحرب أضيع!
فأكون أرغفة للحب
وأرغفة للموت
وأرغفة لحصار الوطن الرابض في الوجدان..."
إن مفردات الحب والحرب والموت والوطن والرغيف في هذه القطعة القليلة، لهي كافية للتعبير عن هاجس الشاعر المثقل بكل هذه الهموم، كوطنه تماماً، وتتوالى هذه المفردات في النص نفسه بدون ورود مفردة واحدة للحياة، فأي زمن إذاً نشأ فيه الشاعر وتفتح قلبه وعقله فيه، زمن مليء بالمآسي والحروب والشهداء والحصار والدماء فكيف لا يصرخ ملء روحه ويتآخى مع هذا الألم بالرقص؟
ولتتوالى العناوين الناضحة بالألم "قران الدم بالثلج"، "العشق في الزمن الضحل"... فإذا كان زمانك ذاك أيها الشاعر ضحلاً، فكيف بزماننا هذا؟
شاعر يداوي روحه بالعشق والحب والمرأة التي يخاطبها بأكثر من مرة وهيئة وخطاب لتخفف عنه وتكون ملاذه في هذا "الزمن الضحل":
"إنه العشق خالقنا...
أشرعي لغة البدء
مقهورة رجفة الحزن جاءت
ومخمورة رعشة الحب صارت..."
لم تعتور قصيدَتَه غنائية تؤخذ عليها، ولا نثرية سردية فتبعدها عن الشعرية، بل حملت أفكاره في الحياة والحب والوطن فجاءت موسقتها متخفية في إهاب وزن غير طاغ، بلغة شعرية واعية غير مجنونة ولا مسفوحة كيفما اتفق...
ولئن اعتُبِر فؤاد بأنه "فاتح القصيدة الحديثة" في جبل العرب، و"أهمَّ عشرة شعراء سوريين معاصرين"، إلا أنه الشاعر الصادق المنسجم برؤاه ورؤياه ورؤيته مع نصوصه الحكيمة الجميلة...
والشاعر الذي تخضَّبُ فؤاده بدم القصيدة، هو نفسه الذي كحلها بيدين من شعر وقلب رحيم...