هرمان هسه" صياغة الذات.. "نرسيس وغولدموند" نموذجاً
2021.12.16
تمام علي بركات – فينكس:
الرقعة الواسعة الانتشار التي حققها الأدب العالمي، والرواية بشكل خاص كأحد الأجناس الأصيلة المكونة لهذا الأدب، جعلت أهم الروائيين العالميين ومن مختلف الجغرافية العالمية، يحضرون وبقوة في الحياة الشخصية للقراء عموما مهما تباعدت الأزمان والمسافات، فكم من قارئ شغلت أعمال ماركيز خياله؟ وكم من قارئ حرضه وليم فوكنر على التفكير؟ وكم من قارئ أنشب فيه دستويفسكي مخالب الأرق بعد الطمأنينة، هؤلاء وغيرهم، شكلوا بقصد أو بدونه نوعاً من الوعي العالمي المترامي الأطراف، وإن كان حضور بعضهم يطغى على حضور البعض الآخر، لأمر يعود لثقافات الشعوب والأمم، وما يجذبها من بين الأنواع الروائية.
من بين العديد من الروائيين الكبار، والذين فازوا بجائزة نوبل نظراً لما تركته أعمالهم الروائية من أثر عميق في القارئ العالمي أين كان، يحضر بقوة اسم الروائي السويسري "هرمان هسه" -1877-1962- صاحب الرواية الشهيرة "نرسيس وغولدموند " والتي يعتبرها النقاد العالميين من أهم ما خطه "هسه" في تاريخه الأدبي الحافل، الذي بدأه في الشعر ونظمه، ثم أنهاه بفن الرواية الأكمل لديه، فبطلا الرواية هما "نرسيس" صاحب الميول العقلية، والذي يسير في طريق الرهبنة، و"غولدموند" بطبيعته الحسية الفنية، الذي يتعامل بعد أن يتعرف على طريقه الخاص، مع الحياة بحواسه المختلفة، يرى ويتذوق ويحس ويحب، ويتخيل، ويتجول من قرية لقرية طوال حياته، مستمتعاً بالحرية، والخبرات المختلفة، يتعلم بعد مصادفة مشاهدته لتمثال أبهره فن النحت، وتكون الأجزاء التي تصف فيها الرواية مشاهداته في الطبيعة، أو تفكيره في أعماله الفنية قبل وأثناء وبعد عملها ممتعة بوصفها الجذاب، وعمقها في التعبير عن الأفكار والمشاعر والصور، أيضاً الأجزاء التي تصف علاقاته المختلفة مع النساء، هي أجزاء ممتعة وكاشفة أبضاً، وبالتأكيد فإن الحوارات التي قامت بين الشخصيتين "نرسيس وغولدموند" معبرة وثرية، والتقابل بينهما طوال الرواية حتى في الأجزاء التي لا يلتقيان فيها، سر من أسرار متعة العمل.
"نرسيس وغولدموند"، العمل الروائي الذي وضعه هسه قبل أن يغيب عن العالم ببضع سنوات، حمل ما في روحه وعقله معاً، والسؤال الذي وقف عنده أغلب من قرأ الرواية، وجمهور من النقاد أيضاً، كان عن حقيقة وجود كل من “نرسيس وغولدموند” خارج صفحات الرواية، إلا أنهما في الحقيقة، ليسا إلا صورتان لروح واحدة، هي روح الكاتب نفسه، سواء تلك التي اكتسب شيئاً منها من مدرسته، التي قال عنها: “لم أجد طوال الأعوام الثمانية التي قضيتها في المدرسة، إلا مدرساً واحد فقط، أحسست تجاهه بالحب والامتنان”، أو روح المغامر والمتمرد، المنتظرة خلف السياج والجدران، وما تنشده من حب المعرفة الحسية النقية، معرفة الحواس آلة الجسد، لكل ما يحيط به ويجهله، بل ويتمناه.
إلا أن القارئ سيقف بعد أن ينهي قراءته للرواية أمام السؤال التالي: هل "نرسيس وغولدموند" هما٨ شخصيتان حقيقيتان، أم أنهما من الرموز الدالة على النفس البشرية أو الإنسان الواحد؟ ذاك أن الأثر الوجداني والعقلي العميق الذي نحته صاحب "لعبة الكريات الزجاجية" ببراعة لا تضاهى في فن القص، لا بد وأن يحرض مخيلة القارئ نحو هذا السؤال، فكم ستكون الدنيا بلا بريق دون "غولدموند"، وكم ستكون بلا اتزان بغياب "نرسيس".
تحكي الرواية قصة علاقة فريدة بين طالب ومعلمه، فالفتى الذي جاء به والده إلى أحد الأديرة ليتلقى تعليمه، وعلى عادة معظم الأرستقراطيين في ذلك الزمان، لن تجد روحه الملتاعة أساساً من هول الفراق، لا الطمأنينة ولا الراحة، لا الأمان ولا حتى العلم، بين جدران ذاك الدير، ولولا ظهور الكاهن الشاب “نرسيس” في حياته المتشظية رغم حداثة سنه، لما كان له أن يُكمل الطريق التي اختارتها عواطفه، وتمرد على كل شيء لأجلها، رغم أنه يجهل معالمها تماماً، والتجربة بحلوها ومرها، هي من ستبقى ذكراها عالقةً بأثواب روحه، بغض النظر عن الحال والكيفية، التي انطبعت فيها في دواخله، المعلم الشاب الشديد الذكاء، الواسع الاطلاع والمعرفة بمختلف العلوم واللغات، فهم أوجاع الفتى، وعرف تباريح ما يعانيه في الصراع العنيف الذي نشب بين دفتي صدره، مُعملاً فيه مخالبه وبلا رحمة، بعد التجربة الأولى التي خاضها في مغامرته مع بعض رفاقه في الدير، تلك التي عاد منها بطعم لسع قلبه، فهوى مريضاً لا حول فيه ولا قوة، وليصبحا صديقين بعدها، يسرّ كل منهما للآخر بما فيه، و"ليدله نرسيس" الكاهن، بأسلوب بارع وحاذق، والأهم أنه غير مباشر، إلى أن يختار هو ما يريد أن يفعل، بعد أن وجده حائراً ومنهكا حدّ الموت، من ذلك الصراع، صراع لا هوادة فيه، بين حريته وما تعنيه هذه الكلمة عند “هسه” نفسه من معان عايشها، في تمرده المبكر على البيت والمدرسة والعمل، وبين التابوهات الكثيرة، القائمة كقلاع راسيات في ضميره، تركتها التربية الصارمة التي تلقاها في طفولته، ويمكن أن نلخص الحالة النفسية والحسية للفتى “غولدموند”، وذلك بالأسئلة التي وجهها للراهب الشاب، في واحد من امتع الحوارات الكثيرة التي جمعتهما، يقول موجهاً أسئلته الحادة لصديقه الراهب "نرسيس": “هل خلق الله الإنسان لكي يدرس مؤلفات "أرسطو" و"توما الأكويني" ويعرف اللغة اليونانية، وأن يخمد أحاسيسه ويتجنب العالم؟ ألم يخلق الله الإنسان مع شهواته وكبريائه، وقلب من الدم والظلام، ومع الحرية في أن يأثم ويحب وييأس؟”،
أسئلة كانت كافية بالنسبة للمعلم، ليدرك أن علوم الدير، لن تجدي نفعاً في تهدئة ما يغلي في قعر الفتى من براكين، تكاد تتفجر، وليحسم الجدال الدائر بينهما بقوله وهو يوجهه: “لقد وعيت وبت ترى الفرق القائم بيننا، الفرق بين رجال يشبهون والدهم وأولئك الذين تحدد مصيرهم امرأة، إنه الفرق بين الروح والعقل، وأيضاً الآن سرعان ما ستدرك أن حياتك في الدير، وتوقك لأن تغدو راهباً ليس غير خطأ، أداة في يد والدك استخدمها ليزيل عنك ذكرى والدتك، أو ربما فقط وسيلة للانتقام منها، أم أنك ما زلت تتوهم أن قدرك هو أن تبقى هنا لتمضي حياتك كلها؟”، كلام خطير بالنسبة للفتى، سيحمله كجبل فوق صدره، قبل أن يحسم أمره ويمضي إلى الحياة التي يريد، ولسوف يطرح أيضاً أسئلته العميقة على كل ما يراه ويقابله في رحلته، ومنها وردة راح يتأملها طويلاً قبل أن يقول مبهوراً بالحياة الضاجة في عروقها وبتلاتها: “أي مخلوق رائع ونبيل ومترع بالفرح، هو ذلك الكائن البشري الذي يمكنه أن يصنع زهرة مثلها؟ ولكن لا أحد يستطيع ذلك، لا بطل، ولا إمبراطور، ولا بابا، ولا قديس”.
قراءة هذه الرواية الباذخة المتعة والغوص في عوالمها، ليس هو ما يمكن أن يجد القارئ اللذة فيه، بل أن يحيي تلك الصفحات، أن يتنفس دلالات المعاني، ما رقّ منها ودقّ، أن يشعر بنسيم دافئ لامس وجنته ذات برد، وبالحياة التي تمور بين السطور، فوقها وعليها وما بينها، أن يكتشف هو ما يريد أن يجيب نفسه عليه، دليله في ذلك قلبه وحواسه وعقله، فكلها وضعها الكاتب، لتكون مختبراً حقيقياً لمن يريد أن يهتدي بكل ما فيه لما يريد، وهذه هي القيمة الفعلية لهذا العمل الأدبي البديع، أن يحرك المياه الراكدة في دواخل القارئ، أن يرمي فيها حجراً ثقيلاً يفض رتابتها، أن يتم الاشتباك الفعلي بين عقله وعاطفته، أن يحترق مجازياً من لظى هذا الصراع الطويل، الطويل جداً، بلا نهاية.
لمحة ذاتية
ولد في كالف في ألمانيا في 2 تموز 1877 وتوفي في 9 آب 1962، وهو كاتب سويسري من أصل ألماني، عاش بداية شبابه مع عائلته المحافظة وجوها المدافع عن البروتستانتية بشكل مفرط، وكان هذا السبب الذي دفعه للهرب والاستقلال عن السلطة العائلية والاعتماد على نفسه والانخراط في مجال العمل وبشكل قاسي، حيث بدأ عمله ساعاتياً، ثم بائع كتب في مكتبة، بعدها اتخذ التأليف والكتابة منهجاً في حياته وعمله، وتزوج ثلاث مرات.
على الرغم من أن توجهه الأدبي في بادئ الأمر كان صوب الشعر إلا أنه فيما بعد ألف روايات فلسفية عديدة ومتنوعة، وكان يغلب على بعض الروايات طابع التفكر العقائدي المتشكك مثل رواية دميان، وحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1946، عند اندلاع الحرب العالمية الأولى تطوع هيسه للمشاركة في الحرب مع الجيش الإمبراطوري، قائلاً إنه لا يستطيع أن يجلس بجانب الموقد الدافئ بينما مؤلفون آخرون يموتون على خطوط القتال.
من أشهر مقولات هذا الأديب الكبير: "الأبد مجرد لحظة طولها يكفي بالكاد نكتة".