كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الجسد إيديولوجيّاً وثقافيّاً بين التأليه والعورة

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:

الملاحظ، أنّ ثمّة صمت شبه كلّي في النّصوص والمرويّات الدينيّة " المسيحيّة " يغيّب الجانب الجنسيّ للجسد، بينما نرى عكس ذلك في النصوص الإسلاميّة. إذْ تكثرُ الشّروحات حول هذا الموضوع، فلم تُترك شاردة أو واردة تتعلّق بالجنس وضعيّات التزاوج إلّا ونُوقشتْ، وها هي رموز الإسلام الكبرى تشرح لعامة الناس كيفيّة الاهتمام بالأمور الزّوجيّة، وانتقاء النساء القابلات للولادات الجيّدة، والتّروّي في اختيار شريكات الحياة. لقد نُقل عن النبي " محمد " قوله: " تخيّروا لنطافكم، فإنّ العرقَ دسّاس". كما يروي " الجاحظ " في رسائله " أحاديث " تُنسب للنبي أيضاً، تقول: " تزوّجوا والتمسوا الولد، فإنهّم ثمرات القلوب وإيّاكم والعجز العقر " ويضيف " الجاحظ ": (كان من أكثر أهل عصره نساء، كذلك كانت الأنبياء عليهم السلام قبله) وروي عن الخليفة الرّاشدي "عمر بن الخطّاب" قوله: (إنّي لأجهد نفسي في النّكاح حتى يخرج الله مني نسمة تسبّحه) وروي عنه أيضاً: (عليكم بالأبكار الشّواب فإنّهنّ أطيب أفواهاً وأنتق أرحاماً) و ها هو النص القرآني يقول: (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنّ حتى يطهرن، فإذا تطهّرن فآتوهن من حيث أمركم الله) و (نساؤكم حرثٌ لكم فآتوا حرثكم أنّى شئتم) والحرثُ هو مكان زرعِ الولد، وإتيان الحرث هو وضعيّات التّزاوج " قياماً وقعوداً واضطجاعاً وإقبالاً وإدباراً حسب" تفسير الجلالين " للشّيخ " جلال الدين السيوطي". بينما لا نرى في النّصوص والسّرديّات المسيحيّة مثل هذه الشّروحات التّفصيليّة، حيث تكتفي بتناول سيرة المسيح وحياته وأقواله وأفعاله وصلبه وصعوده إلى السماء، وتتغاضى عن كلّ ما يتعلّق بحاجات جسده أو زواجه أو حياته الجنسيّة كإنسان. علماً أنّ الكثيرين يعتقدون بالطّبيعة الإنسانيّة للمسيح إلى جانب الإلهيّة ؟. فالأناجيل قد ذكرت مواضيع ذات طبيعة جنسيّة فقط، يقول " إنجيل متّى: " إنّ كلّ من نظر إلى امرأة لكي يشتهيها، فقد زنى بها في قلبه " لكنّها لم تقترب من العلاقة الجنسيّة بين الزّوجين ولا من خصوصيّاتها .

لعلّ ذلك يعود برأي الباحث " فؤاد اسحق الخوري " إلى النّظرة المسيحيّة إلى الجسد كجسد مؤلهن؟ وفي الإسلام كـ " عورة " يجب إخفاءها، لكن مع ضرورة تفقيه العامّة بوظائفه البيولوجيّة. يقول " يوحنّا " في رسالته الأولى: (كلّ ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العين وفخر الحياة وليس ذلك من الآب بل من العالم). إذن، شؤون الحياة الأرضيّة تختلف عن شؤون سكّان السّماء، ولذلك جاء المسيح من العذراء مجسّداً لـ " الروح القدس ". وها هو الغرب المسيحي يستعيض عن قصور النّصوص الدّينية المهتمّة بتثقيف المؤمن بحاجات جسده و وظائفه، بإدخال " التّربية الجنسيّة " في مدارسه وتعريف الأجيال بكلّ ما يخصّ شؤون الجسد والأحوال الفيزيولوجيّة للمرأة واعتبار ذلك شأنا صحيّاً للمجتمع ككل. والمفارقة الغريبة هنا، أنّه رغم جرأة المؤسّسة الدّينية الإسلاميّة التّقليديّة منذ مئات السنين بطرح كلّ خصوصيّات الجسد للنقاش، فإنّ مؤسّسات الدّولة العلمانية الحديثة المعنيّة بتنشئة الأجيال، لا تتجرّأ على إدراج هذه المادة في مناهجها التّدريسيّة. ويضرب الباحث " فؤاد اسحق الخوري في هذا السّياق " مثلاً على ذلك، هو كتاب لـ" محمد شريف الصّواف " وتقديم المفتي " أحمد كفتارو " الحياة الزوجيّة من منظار الشريعة الإسلاميّة 1995م، الذي فُقدتْ طبعاته الخمس بنفس العام، ويستنتج قائلا: لو كُتب الكتاب نفسه من منظار العلوم الاجتماعية والإنسانيّة لأثار ضجّة كبيرة.!

هكذا نرى بين روحيّة الجسد وجسديّة الرّوح ثمّة فراغات والتباسات. ففي سورة مريم من القرآن : " فإذا سويّته ونفخت فيه من روحي فقعوا له " أي لآدم "و: ( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين". إذا ثمّة تجلٍّ جسديّ للروح يُستدّلّ عليه من معنى النفخ، بتحوّل الوضع الروحي إلى جسدي وكذلك، مسألة خلق الرّوح من الطين، كما ورد أيضاً في التّوراة والقرآن أيضاً، يقول سفر التكوين: "لأنّك تراب وإلى التراب تعود " ويقول القرآن: " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين". ثمّ تبدأ ثقافة وأدلجة الجسد، دينيّاً واجتماعيّاً، لينقسم إلى/ طاهر ونجس / ولتصبح طهارة الجسد مرادفة لنقاوة الرّوح. في الإسلام يطهّر الجسد بالوضوء والصّلاة تقرّباً من الله، كذلك الأمر في طقس المناولة المسيحيّة. والصّوم يجهّز المؤمن لتقبّل جسد المسيح حيث يتحوّل المؤمنون إلى كنيسة أو مجموعة مقدّسة، ليتقاطع مفهوم " الجسد والروح " مع مدلولات وصفات اجتماعية وثقافية وسلوكيّة عديدة، تقسّم المجتمع إلى مراتب كما الجسد. فـصفة " خفيف الرّوح أو الدّم " تعني أنّ الموصوف صاحبُ نكتة. وشعار " الحياة وقفة عز" و " لن نركع " يشيران إلى الموقف البطولي والشجاع الذي يتّخذه أصحاب المبادئ ضدّ القوى التي تسلبهم الحريّة. وشتّان بين مفهوم الرّضوخ للحاكم بالمعنى التزلّفي، والرّضوخ لله بالمعنى والطّقسي. كلّ ذلك اشتُقَّ من وضعيّة الجسد ورمزيّته وفلسفة توظيفه الثقافي. كذلك للمجتمع منازل حسب تقسيمات الجسد وتفرعاته صعوداً ونزولاً وأطرافاً حيث يُفرز الرّفيع من الوضيع والكريم من المدنّس. ففي تلك المسافة الفاصلة بين الرأس والقدمين تتبارى الثقافات في استعراض رموز طهارتها وقيمها العليا والدّنيا عبر أمثلة المفاهيم، فنرى أحياناً، الدّلالات تتناقض وتختلف حول الحالة الواحدة. فمن يمشي" مرفوع الرأس هو ذو أنفةٍ وكبرياء، ومن يمشي منخفض الرأس هو ذليل، ولكنّ رفع الرأس الذي يكشف صاحبه أمام العدو المتربّص يسمّى تهوّراً، ونتيجته الموت المحتّم. وأعالي القوم يجلسون في الصّدارة وهي مرتبة الصّدر من الجسد، وكلمة رئيس هي من رأس وهي أعلى الجسد، لذلك تأتي مرتبة الزعيم في أعلى الهرم الاجتماعي وكذلك الوجيه من الوجه، بينما المنحطّ يوازي القدم، والجلوس في حضرة ذي المكانة الرفيعة إهانة، والوقوف أمام ضريح الشهيد احترام، كذلك من يأكل على الواقف لمشاغله الكثيرة، هو بعرف البعض متعالٍ على النّعمة. ثمّ تأتي الحالة الأيقونيّة " الصّورة المقدّسة " لتعلي الجسد إلى مرتبة الألهنة، عبر التّوظيف لمدلولات الحواس ومعطياتها بشكلٍ مختلف، من خلال اللّعب بالأبعاد الجسديّة والألوان وإخفاء البعد الثالث الذي يعكس التجسيم. والإبقاء على بعدي الطول والعرض وحسب، ليبدو الاختلاف جذريّاً بين التّصوّراتُ الثّقافيّة والأيديولوجيّة للجسد في النصوص المسيحيّة والإسلاميّة ،حيث لا نرى في المسجد سوى تزيينات وزخارف بالخطّ ّالعربي وتشكيلاته اللّونيّة، دون صور أو وضعيّات جسديّة لأنّ ذلك يعتبر عبادة للأوثان. بينما نرى في الكنائس المسيحيّة الشرقيّة ماعدا البروتستانتيّة حسب الباحث الأستاذ " الخوري " صور القدّيسين والملائكة وصورة العذراء، وصورة المسيح بجسد إنسان مصلوب وعلى رأسه إكليل شوك والدّم ينزف من قدميه كرمزيّة للخلاص والافتداء البشريّين.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني