كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الاتصال والإبداع رؤية فكرية من منظور علم النفس

فينكس- السويداء- معين حمد العماطوري

يعتبر الكاتب والباحث إسماعيل الملحم واحداً من رواد الثقافة في السويداء، ليس لأنه معلم ومربي بل لحمله راية الثقافة منذ سبعين عام ومازال، فهو الجامع الموسوعي لتنوع ثقافي أحسن في إدارة ذاك التنوع ليشكل فيه وحدة متكاملة، بعقل جمعي منسجم مع تكوينه البيئي والفكري والاجتماعي، إذ استطاع أن يضع منهجاً وأسلوباً يتبعه في ربط العلاقة التفاعلية بين مسيرته الإبداعية وعمله التربوي وانتمائه لبيئته، بحيث جعلنا ندين لبلدته المزرعة ليست لأنها خطت لنا تاريخاً وطنياً في التاريخ المعاصر بمعركتها الخالدة، بل لأنها قدمت منذ تاريخ 18/تشرين الأول/ من عام 1939 الصرخة الأولى لمثقف ارتبط بها وبتاريخها وثقافتها، وأثرى الفضاء الإبداعي بمؤلفات ودراسات وبحوث باتت مرجعاً للباحثين والدارسين، فبعد ان نال إجازة في التربية مع بداية الستينيات القرن الماضي، ودبلوم تأهيل تربوي ودبلوم مناهج وأصول تدريس، عمل في مختلف مراحل التعليم وفي الإدارة المدرسية والمعاهد التربوية والجامعية، بادئاً منذ عام 1965 يكتب في الفكر القومي والتربوي، حيث نشر في المجلات والدوريات الفكرية المحلية والعربية عشرات الأبحاث والدراسات والمقالات في موضوعات مختلفة منها سياسية واجتماعية وتربوية وقومية وأدبية، وفي أهم المجلات مثل العربي، ومجلة العلوم الاجتماعية في الكويت، ومجلة(التربية) القطرية، ومجلتي الناشر- الثقافة العربية في ليبيا، وأيضاً في مجلتي: شؤون عربية الصادرة عن الجامعة العربية، والوحدة التي الاستاذ اسماعيل الملحمكانت تصدر عن المجلس الثقافي للوحدة العربية، ليصدر كتابه الأول بعنوان: العروبة وهو دراسة في وحدة الشّخصية القومية الصادر عن اتحاد الكتاب العرب عام 1984، وشارك في الكتاب الأول من المجلدات الخمسة المعنونة (قراءات في الفكر القومي) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت1992، ليبدأ بسلسلته التربوية/ كيف نعتني بالطفل وأدبه، وتعلم الطفل في المدرسة والأسرة، وتنشيط قدرات الطفل على التعلم، إضافة لأكثر من عشر كتب مدرسية في التربية العامة، وعلم النفس التربوي لسنوات دور المعلمين والمعلمات، ثم اشترك سويداء سورية( موسوعة جبل العرب)، ليعود من حيث بدأ بنشر كتاباً بعنوان/الخصوصية في الثقافة القومية العربية/ عام 1996، فأغنى المكتبة بكتابه "معركة المزرعة (ملحمة السلاح الأبيض)، والإنسان والتربية في عصر المعلومات، وأعلام خالدون، وجدل الثقافة والسياسة في الفكر القومي العربي، ومساءلات الثقافة في الإبداع والفلسفة والأدب، وسميح القاسم شاعر الأسئلة الكبرى، والعرب وتحدّيات المستقبل، وسلسلة من الأدباء المكرمون منهم /نعمان حرب، وعدنان البني، وعبد اللطيف الياسين/، وفي تنوعه الجمالي التراثي قدم الحياة الزراعية في السويداء قديماً (قبل دخول الآلة الحديثة)، والمشهد الثقافي في السويداء، ومحافظة السويداء في الرواية (مقاربة ثقافية اجتماعية تاريخية)، كما شارك في (الموسوعة العربية) بأبحاث متعددة، وضمن تلك المسيرة الإبداعية قدم لنا التجربة الإبداعية الصادر عن اتحاد الكتاب العرب.

في كتابه "التجربة الإبداعية" أعد دراسة في سيكولوجية الاتصال والابداع، حينما بدأت الثورة الثالثة ثورة المعلومات تتسلل في مناح حياتنا ودون معرفة الانعكاسات التي تعمل عليها من منظور علم النفس التربوي وانعكاسه إبداعياً على واقعنا، فجاء كتابه /التجربة الإبداعية/ الواقع في أكثر من مئة صفحة من القطع الكبير والمقسم إلى تسع عناوين يرد بها على أسئلة مختلفة، ربما جعل كل عنوان باباً وما تفرع عنه فصلاً من فصول المنهج العلمي، وإذا كان لم يتطرق لذلك بشكل واضح المعالم والأسلوب والنهج، لكن دونه فهرسياً، فهو يبدأ بالإبداع والاتصال، من المبدع الى المتلقي، الابداع والجنون، القراءة انتاج المعاني، اقفال النص انتهاء المعنى، التذوق والتقدير الجمالي، استشراف التجربة الإبداعية حالات من الاستيطان والملاحظة، من إغواء الحواس إلى كشف الأعماق، الابداع من العصاب إلى تطهير النفسي...

قدم الباحث رؤية علمية نقدية من منظور علم النفس الاجتماعي المواكب لتقانة الاتصالات الحديثة، بحيث أكد على الإبداع والاتصال والعلاقة الرابطة بينهما فهو يبين ما الإبداع من وجهة نظر فلاسفة إذ يقول روجرز: عن الإبداع أنه ميل في الإنسان ليحقق ذاته ويستغل أقصى إمكاناته...أما ويليامز: فيعتبر الإبداع أمر يعزّ وصفه...ويفترض في المبدع أنه يمتلك نوعاً من التفكير المنطلق المتشعب، وبناء على هذه الفرضية فإن العديد من الدراسات ينفي الارتباط العالي بين الإبداع والذكاء كما يمكن أن يظن كثير من الناس الذين يخلطون بين هاتين القدرتين المعرفيتين، ولهذا فإن نتائج روائز الذكاء لا تعطي إجابات مفيدة في هذا الشأن. وبالتالي عمد الكاتب إلى إثبات أن المبدع عامة قلما يلتزم في إجاباته ببنود الرائز، فالإبداع ليس مشروطاً بنسبة الذكاء العالية. كما يقول (فرانك بارون) عالم النفس الشهير:‏ "ليس شرطاً أن تكون نسبة ذكائك مرتفعة كي تكون ثاقب الحدس". إذ أن الحدس يعتمد على الإحساس والمجاز أكثر من اعتماده على قدرة الاستدلال والقدرة على الفهم اللفظي وهما مما تعتمده بشكل رئيسي مقاييس الذكاء"... نلاحظ كيف يدون رؤى لتفعيل الإبداع بلغة البحث والتوضيح لإشكالية معرفية قائمة على نظرية التلقي من منظور علم النفس...أما عمليات الاتصال‏ فقد لخّصها (لا سويل) بالعبارات التالية:‏ "من يقول؟ ماذا يقول؟ لمن يقول؟ لماذا يقول؟‏

وأوضح الأستاذ إسماعيل الملحم أن عملية الاتصال ليست بالعملية البسيطة مهما بسطناها، وإنما هي عملية مركّبة ومعقدة. فهي من حيث المبدأ علاقة أو حدث تنطوي على عناصر، إن صحّ القول، المرسل، الرسالة، المرسل إليه. وأي رسالة تتضمن هدفاً أو ترمي إلى غاية وتحقيق غرض. وهكذا تكون هذه العلاقة مكوّنة من عدة أركان...وما بين هذه الأركان ليس بالعامل الثابت وإنما هي وما بينها تتحركان في بيئة محددة تمثل الثقافة إحدى سماتها أي أن هذه الأركان تشترك مع بعضها بخصائص معينة أهم سماتها التغيّر وهي ذات طبيعة ديناميكية تؤثر وتتأثر ببعضها في سياق اجتماعي وفي ظروف محددة، أي أنها لا تحدث في فراغ، فهو يشير إلى أن التنوع وإدارة فنه قائمة على التغير فليس للثابت مكان في العلاقة المعرفية الإبداعية المتطورة والمتجددة، ووسائل الاتصال تشكل عامل تحفيز لخلق نتائج جديدة تخدم اللحظة وفق السياق الزمني والمكاني، من هنا تراه ركز على سمات المبدع وعمليات الاتصال والاتصال والابداع والإبداع في العلم والفن، وهو يؤكد العلاقة بين الابداع والاتصال بأن الرسالة تشكل العنصر الأساسي من العملية الاتصالية، وصوغها يشكل أهم شروط نجاحها، والرسالة ليست نصاً مجرداً ولكنها أيضاً موضوعاً وهي تؤدي وظيفتها وفق امتلاكها لعناصر الاصالة وتحقق الفعالية الأفضل إذ بين الابداع والاتصال علاقة لا يمكن اغفالها...

وأصر الكاتب على نشوة المبدع الصافية كيف تنتقل إلى المتلقي. وكيف تنبجس من داخل هذا الأخير تلك البهجة؟‏...موضحاً ذلك على شكل رؤية استفسارية بحيث يتعامل المبدع مع الأشياء من حيث ما تمثله لأناه، ومن حيث تبدو مقدرته على إمتاع المتلقي وجذبه نحو موضوع، ومن حيث قدرته على أن يجعل لموضوعه لدى المتلقي الوظيفة نفسها أو قريباً مما يراه هو.‏.. فالنوع البشري المنغمس بالأهواء والرغبات المادية يعيده الفن بأية صورة كان إلى صفائه، ويمهد الطريق إلى وحدة الذات مع موضوعها ودخول الجزء في كله...معين العماطوري jpg

وسرعان ما ينتقل الباحث إسماعيل الملحم بهارموني خاص به منسجم مع رؤيته بالتجربة الإبداعية في معالجة المواضيع بالتناغم بين الذات وموضوعها، بين العمل الإبداعي الذي يتوسط العلاقة وبين المبدع والمتلقي، داعماً رؤيته بما قاله يونغ في مقال ٍله بعنوان (الشعر وعلم النفس): "الشعر العظيم يستمد قوته من حياة الإنسان كنوع، وسنخطئ معناه بشكل تام، إذا حاولنا استلال ذلك المعنى من عوامل شخصية".

وبالعودة إلى السياق النصي يعتبر إن الأثر الإبداعي ولادة حية وإحضار فاعل للاوعي الجماعي. ورغم صعوبة العبور نحو التعبير والوصف والغوص بالمشاعر النفسية إلا أنه يصر على الحاجة إلى التعبير عن النفس، والإفصاح عما يختلج في الأعماق، لتوضيح المشاعر لتكون الأجوبة التي تكاد تكون جاهزة لدى كل مبدع حين يُواجه بالسؤال عن مقومات عمله وعلله... من خلال اطلاق احكام ذات قيمة... إذ يقول علي حرب في كتابه (نقد الحقيقة):‏

يبقى النص فضاء دلالياً وإمكاناً تأويلياً، لا يحمل دلالة جاهزة ونهائية والنص الذي يستهوي القارئ يشكل بالنسبة له –على حد قول رولان بارت-موضوع اشتهاء... فهو كالجسد يغري قارئه، ويفتح شهية الكلام لديه، ويحرّك رغبته في المعرفة".

إذاً التجربة الإبداعية لدى العلماء والفنانين والأدباء والتقنيين وإن حملت سمات متشابهة إلا أنها في كل مجال منها لها خصوصيتها التي تتمايز فيها عن غيرها. لكنها جميعاً تعود إلى نقطة واحدة أو مركز واحد في الإنسان حيث تتمثل الوحدة من خلال الكثرة والتعدد. فثمة ما يربط الكون والإنسان في نظام موحد عام تتخلق داخله نظم فرعية تتداخل فيما بينها وتعود في نهاية المطاف إلى مقرّها الممتد عبر العصور والمسافات.

وإن كان ميدان التجربة الإبداعية واسعاً شاسعاً والطرق المؤدية إليه متنوعة ومتعددة...فإن بحثاً مهما كان القائم عليه، ملماً بجوانبه ويمتلك الرؤية العامة الشاملة لعناصره ومكوناته يعجز عن الإحاطة به الإحاطة النهائية فليس من جواب نهائي في أي بحث إنساني فثّمة نهايات مفتوحة على غيرها، أي أن النهاية ليست أكثر من افتراض أو مصطلح يعتمد للوقوف عن الاستمرار وقوفاً مؤقتاً قد تتبعه خطوات نحو المزيد، ولأن الأمر كذلك فسيكون المجال في هذا الكتاب مفتوحاً على التجربة الإبداعية في مجال الفن عامة والأدب خاصة. وسيكون ما يقدم يتمحور حول علاقة لا تنفصم عراها بين مبدع منتج ومتلق هاو أو محترف.

وبالتالي فإن الوقوف على متابعة التجربة الإبداعية والخوض في غمار بحوث هامة مثل القراءة انتاج المعاني، اقفال النص انتهاء المعنى، التذوق والتقدير الجمالي، استشراف التجربة الإبداعية، من إغواء الحواس إلى كشف الأعماق، فإن ذلك يدفعنا للقول ان الكاتب قد انتزع منا الاعتراف بإغناه محتوى التجربة الإبداعية بالرؤية الأدبية والعلمية والفنية والنفسية متنقلاً من المبدع الى المتلقي: بأفكار فلسفية في الإبداع والانفتاح على الواقع والناس، المبدع والمتلقي حالات من سوء العلاقة والانسجام، التناغم بين المبدع والمتلقي، في الابداع عودة الذات إلى موضوعها، الاتصال الإنساني والدوافع، بذور العملية الإبداعية في الفن والادب، ليصل إلى موضوع الأهم لتكوين استراحة المحارب عند المبدع وهو الإبداع والتطهير النفسي:‏

والذي يذكر فيه إذا كان الانفعال الشديد هو ما يعاني منه المبدع قبيل أو أثناء النشاط المنتج فإن ذلك قد يتحول في حالة الإنجاز راحة وطمأنينة وتحرراً من كابوس الانفعال. وإذ يعاني المبدعون من ضغوط الكبت والخبرة والموروث الشعبي فإنهم حين يصوغون ذلك أدباً أو فناً تشكيلياً أو لحناً موسيقياً يخلصهم بعد الإنجاز من الضغط النفسي ومن حالاته العصابية.‏

وربما كان العامل المشترك بين الفنون كافة، وفي سائر العصور، العودة لمعالجة سلوك الطفل والاعتناء به حيث يؤكد ذلك بقوله: روح الطفل الذي لم تلوثه المدنية. ففي الفن تمحي المسافات، وتتقارب الأمكنة، وتتكثف الأزمنة، وتزول الحدود. فكأن الإنسان يعود بعد عملية الإبداع إلى المرحلة العمرية الخالية من الدنس مشيراً في صفحة 105 بالقول:

       "إن لم تعودوا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات"...

كما يرى أنه مهما اختلفت التنظيرات المتعلقة بالعملية الإبداعية، فإن الإبداع يبقى قوة فريدة من نوعها في هذا الكون ويبقى هبة الحياة للنوع البشري. وقدرة الإنسان على استخدام خياله في الإبداع هي قدرة موجودة دائماً وهي بحاجة إلى رعاية واهتمام مستمرين.‏

منوهاً أن الشخص المبدع يتمتع بقدرة على استشعار الحاضر واستشراف المستقبل لأنه على اتصال دائم بعوامل لا شعورية لم تصبح بعد "موضع تقدير الرجل العادي وإن كانت مبشرة بحدوث تغييرات في المواقف الاجتماعية، لأن المبدع هو طليعة زمانه... وهو أداة الحياة النفسية اللا واعية والقائم على تشكيلها، وهي أحياناً حمل ثقيل جداً، تحتم عليه التضحية بالسعادة وبكل شيء يجعل الحياة في نظر الإنسان العادي، جديرة بأن يحياها...

أخيراً بعد الإطلالة السريعة على كتاب التجربة الإبداعية دراسة في سيكولوجية الاتصال والإبداع الذي بحق يستحق القراءة اليوم وغداً وهو منتج بين ثلاثين من مؤلفاته، يبقى يرنو بتواضع الباحث والكاتب معما ما نرى ونشاهد ونلمس الأنا المتضخمة عند العديد من كتاب المرحلة الاستعراضية القاصدين حب الظهور على حساب المنتج الثقافي دون النزوع الى الأدب من أجل الادب والفن من اجل الفن ليبقى وفياً لأدبه وثقافته وموقفه الثابت وفكره التنويري الرفيع...

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني